حاورتها - نورة محمد المعطاني:
تطل علينا الأستاذة الدكتورة زكية العتيبي في هذا الحوار مع «الجزيرة الثقافية»، حاملةً خلاصة تجربة علمية وثقافية ثرية، لتكشف ملامح من رؤيتها للكتابة والإبداع، وتتأمل في «البلاغة الجديدة» و«الشعر الشعبي»، وتناقش عددًا من القضايا والأسئلة التي تشغل المشهد الثقافي والأدبي.. فإلى التفاصيل.
- خلف كل حضور أكاديمي لافت رحلة من الاجتهاد، ومحطات صنعت أثرها عبر السنوات. دكتورة زكية العتيبي، نود أن نبدأ من البداية؛ كيف انطلقت رحلتكم مع العلم والبحث، وما أبرز المحطات التي أسهمت في بناء مسيرتكم الأكاديمية؟
بدأت رحلتي مع اللغة قبل أن تبدأ مع الكلية؛ فمنذ وقت مبكر كنت أشعر أن العربية طريقة نرى بها العالم، وأن القلم حين يمتلك لغته يستطيع أن يصنع أثرًا يتجاوز صاحبه.
وقد بدأت علاقتي الجادة بالكتابة منذ الصف السادس الابتدائي، حين اكتشفت في اللغة مساحةً أوسع للتعبير، ووجدت في القلم صوتًا يسبق قدرتي على الكلام أحيانًا.
دخلت الدراسات الأدبية وأنا مشدودة إلى «الأدب الحديث»، ودرست السنة التمهيدية للماجستير على هذا الأساس، ثم ساقني الله -عز وجل- إلى البلاغة، ولم تكن يومها خياري الأول. أتذكر أنني قاومت هذا التحول في بدايته؛ فالإنسان يتعلق غالبًا بالطريق الذي اختاره لنفسه، ويظن أن ما عداه ابتعاد عنه، ثم قبلت التخصص على مضض؛ لأن تثبيتي الوظيفي كان مرتبطًا به، إذ كنت آنذاك أعمل على بند، ولم أكن أعلم أن ما ظننته تنازلًا عن رغبتي الأولى سيكون المنعطف الأهم في مسيرتي كلها.
واليوم، كلما التفت إلى الوراء، ازددت يقينًا بأن بعض الطرق التي ندخلها مكرهين تكون أرحب من تلك التي اخترناها، وأن بعض المنعطفات التي نظنها خروجًا عن الطريق تكون هي الطريق نفسه.
لقد منحتني البلاغة عينًا نقدية فاحصة، أقرأ بها النص من داخله، وأتجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما وراءها من أنساق ورؤى وثقافات، ومنها عبرت إلى النقد، وتحليل الخطاب، والدراسات البينية، فغدت البلاغة بوابتي إلى مساحات معرفية لم أكن أراها في بداية الرحلة.
ولعل أبرز ما صنع مسيرتي هو هذا الاستعداد الدائم لأن أتعلم من التحولات، وأعيد النظر في اختياراتي، وألا أتعامل مع التخصص بوصفه جدارًا، بل نافذة. وما زلت أؤمن أن الباحث الحقيقي لا يبلغ محطة أخيرة؛ لأن المعرفة أفق، كلما اقتربنا منه اتسع، وكلما ظننا أننا أحطنا به كشف لنا عن مسافات أبعد.
- في رحلتكم العلمية، اخترتم أن يكون النص القرآني مجالًا للدرس البلاغي والبحث المعرفي. ما الذي استوقفكم في بلاغة القرآن الكريم ودفعكم إلى التعمق فيه، وكيف أسهم هذا الاختيار في تشكيل رؤيتكم الأكاديمية؟
كما ذكرت سابقًا، كان ترشيحي معيدةً في مسار الأدب الحديث، ثم طرأ تحديث على احتياج القسم في الفصل الثاني من دراستي في الماجستير، فوجدت نفسي أمام تخصص لم أكن أعرف دهاليزه بعد. يومها أشار عليّ مشرفي -رحمه الله- أن أبدأ بأبلغ الكلام على وجه الأرض، وقال لي ما معناه: إذا تمرستِ في تحليل أساليب القرآن الكريم، هان عليك بعد ذلك تحليل كلام البشر. ومن هناك بدأت رحلتي مع بلاغة القرآن.
ومع القرآن الكريم تعلّمت وجهًا جديدًا للبلاغة لم أكن قد بلغته على مقاعد الدراسة؛ أدركت أن البلاغة ليست زخرفًا يضاف إلى الكلام، ولا قائمةً من المحسنات والأساليب، بل هي المعنى حين يصل إلينا في هندسة لفظية بالغة الدقة، لا تستطيع فيها أن تستبدل كلمةً بأخرى دون أن يختل شيء من النظم والدلالة والأثر.
ومن هنا تبدلت رؤيتي الأكاديمية كلها؛ فقد أصبحت أنظر إلى البلاغة على أنها علم صناعة المعنى؛ فهي تكشف عن العلاقات الخفية بين اللفظ والسياق والمقام والمتلقي. وهذه المعرفة هي التي قادتني مبكرًا إلى البلاغة الجديدة، ثم إلى تحليل الخطاب والدراسات البينية؛ فالبلاغة قادرة على قراءة كل خطاب يصنع معنى، ويؤثر في الوعي، ويعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم.
- هناك ألقاب علمية تُمنح، لكن هناك مكانات تُبنى بما تتركه من أثر ممتد. حين بلغتم مرتبة الأستاذية، كيف قرأتم هذه المحطة؟
أحدثك بكل صدق، وبعيدًا عن اللغة المثالية التي تحيط عادةً بالمحطات الكبرى: لقد أرتني الأستاذية حدود جهلي.
كانت بالنسبة إليّ لحظة إيقاظ أكثر من كونها لحظة وصول؛ أخرجتني من سبات الاطمئنان إلى المنجز، ودفعتني إلى أن أسأل نفسي بجدية: ما مشروعي الفكري الخاص؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد الألقاب والترقيات؟ فالأستاذية لا تخفف ثقل الطريق، بل تزيد الإحساس بالأمانة؛ لأن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الاسم الذي يسبق صاحبه، وإنما فيما يضيفه بعد ذلك إلى المعرفة، وما يتركه من أثر في طلابه وتخصصه ومجتمعه؛ ولهذا ما زلت أتعامل معها بوصفها بدايةً لمرحلة العطاء الفكري الأكبر، والمسؤولية الأعمق، لا خاتمةً لمسيرة علمية.
لقد علّمتني هذه المرتبة أن العلم الحقيقي لا يمنح صاحبه شعور الاكتفاء، بل يكشف له اتساع ما يجهله، ويجعله أكثر قلقًا وسعيًا؛ فكلما ازداد الإنسان معرفةً، ازداد يقينًا بأنه ما يزال في أول الطريق.
- ما القضايا التي استوقفتكم في مسيرتكم البحثية؟ وما الأثر الذي تطمحون إلى أن تتركه أعمالكم؟
يشغلني سؤال المعنى أكثر من أي شيء آخر؛ كيف يُولد؟ وكيف يُقنع؟ وكيف يتخفى داخل اللغة والصورة والخطاب؟ لذلك لم أتوقف عند البلاغة في صورتها المعيارية، بل حاولت أن أرافقها وهي تعبر إلى السينما، والإعلام، والثقافة، والخطابات المعاصرة واليومية. وأتمنى أن أُسهم في إعادة تقديم البلاغة العربية بوصفها علمًا حيًا قادرًا على قراءة العالم، لا علمًا يحرس الماضي فحسب؛ فهي علم يدخل في كل علم، وفي الجامعات العالمية تندرج تحت قسم الاتصال والإعلام، وليس تحت اللغات.
- كيف يمكن للدرس الأكاديمي والنقدي أن يسهما في الارتقاء بذائقة القارئ وتعزيز وعيه؟
النقد -من وجهة نظري- لا يعلّم الناس ماذا يحبون، وإنما يعلّمهم كيف يبصرون؛ فكل قراءة واعية تضيف إلى الإنسان عينًا جديدة، والقارئ الذي يمتلك أدوات الفهم يصبح أقل قابلية للانبهار، وأكثر قدرة على التمييز بين القيمة والضجيج، وبين النص الذي يعيش، والنص الذي يعيش على الضجيج؛ ولهذا أرى أن النقد ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو تربية للعقل والذائقة معًا.
- في ظل تنامي حضور الرواية بوصفها وسيلةً للتأثير في الوعي، أين تقفون عند الحد الفاصل بين حرية الإبداع ومسؤولية الكاتب تجاه قيم المجتمع وهويته؟
لا أرى تعارضًا بين الحرية والمسؤولية؛ فالإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى هدم القيم ليبرهن على حريته، والكاتب الكبير هو من يطرح الأسئلة الصعبة، دون أن يفقد احترام الإنسان، أو يقطع صلته بهوية مجتمعه؛ فكلما اتسعت الحرية، اتسعت معها المسؤولية، فالكلمة وعي أمة كاملة.
- في عصر تتسارع فيه التحولات الثقافية، ما الدور الذي ترونه للأكاديمي والمثقف؟
لم يعد التحدي اليوم هو الوصول إلى المعرفة، بل القدرة على فرزها؛ لذلك أصبح دور الأكاديمي والمثقف -من وجهة نظري- أن يعلّم الناس كيف يفكرون، لا بماذا يفكرون؛ فالوعي لا يحميه تكديس المعلومات، وإنما يحميه العقل الذي يعرف كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يزن الأشياء قبل أن يمنحها يقينه.
- يحظى حسابكم في منصة «إكس» بمتابعة وإعجاب. كيف استطعتم الجمع بين اللغة الأكاديمية واللغة الشعبية؟
لا أؤمن بالحواجز بين المعرفة والناس؛ فلكل مقام لغته، والفكرة العميقة تستطيع أن ترتدي ثوبًا بسيطًا دون أن تفقد شيئًا من جوهرها. ومنصات التواصل الاجتماعي في نظري ليست قاعة درس، بل مساحة لقاء إنساني؛ لذلك أمارس فيها شغفي باللغة كما أشعر بها؛ فأنا مولعة جدًا بلغتي الأم وبناتها من اللهجات، وأرى في الفصحى والعامية ذاكرة وذائقة وجمالًا خاصًا لا بد أن يصل على وجه الفخر والاعتزاز أمام جيل انفتح على عدة لغات.
لذلك أكتب بلغة تقترب من الناس في مواطن كثيرة، من غير أن تبتذل الفكرة، وتكشف لهم أن لغتنا قادرة على أن تكون عميقةً وحميمية في آن واحد، واضعةً نصب عيني أن هذه المنصات «تواصل اجتماعي» وليست «تواصلًا أكاديميًا»، فأكون فيها بين هذا وذاك أولًا، ثم أمضي في مشروعي الاجتماعي الثقافي الوطني «بليغ العامي» ثانيًا؛ فالحكايات والأساطير والأمثال والأبيات العامية التي أتحدث عنها في حسابي منذ سنوات طويلة ليست مادة عابرة للتسلية، بل هي جزء من تراثنا الثقافي غير المادي، الذي أكدت اليونسكو أهمية صونه ونقله إلى الأجيال.
ومن هنا أرى أن حضوري في هذه المنصة وغيرها من منصات التواصل ليس انفصالًا عن عملي الأكاديمي، بل امتداد له بلغة أكثر قربًا؛ أستعيد من خلالها هذا التراث، وأكشف ما فيه من بلاغة وحكمة وجمال، وأقدمه للناس بوصفه جزءًا حيًا من هويتنا.
- قيل عنكم إنكم من أمهر من يوظف الشعر الشعبي في التغريدات، ألا يتعارض ذلك مع تخصصكم؟
هذه العبارة التي أعتز بها أطلقها الأديب والإعلامي القدير الأستاذ عبدالعزيز النصافي في أحد كتبه، ويسعدني أن أتقدّم له هنا بخالص الشكر والامتنان.
أما الشعر الشعبي، فلا أراه في مواجهة الفصحى، ولا أؤمن بهذه القطيعة المفتعلة بينهما؛ فكلاهما ينتمي إلى شجرة لغوية واحدة، وإن اختلفت أغصانها وطرائق إزهارها، وأنا خريجة قسم اللغة العربية، وقد درست اللهجات كما درست الفصحى؛ لأن التخصص في أصله لا يعزل اللغة عن تحولاتها الحيّة، ولا يفصل النص عن ألسنة الناس وذاكرتهم.
بل إن العربية منذ بداياتها لغة واسعة الأصوات والطرائق، وقد نزل القرآن الكريم -وهو أجلّ كلام وأعلاه- على سبعة أحرف، ومن أشهر ما قيل في تفسير معنى «سبعة أحرف» أنها لهجات تتصل بتعدد لغات العرب ولهجاتهم؛ فالتنوع اللغوي ليس نقصًا في اللغة، وإنما شاهد على سعتها وثرائها وقدرتها على احتضان اختلاف البيئات والألسنة.
والشعر الشعبي أحد أجمل تجليات هذا الثراء؛ فهو ذاكرة ثقافية حيّة، تختزن صور الناس وقيمهم وحكمتهم ومخيالهم الجمعي -كما ذكرت في إجابة السؤال السابق-. ففي أبياته ما قد لا تحفظه الكتب، وما لا تستطيع الوثائق الرسمية أن تقوله عن وجدان المجتمع وطريقته في فهم الحياة والتعبير عنها؛ لذلك فإن حضوره في كتاباتي لا يمثل خروجًا عن تخصصي، بل عودة إلى جوهر تخصصي؛ فأنا محسوبة على المعرفة بأنني «لغوية»، وهذه وظيفة اللغوي. كما أن البلاغة لا تسكن الفصحى وحدها، والجمال لا يحتكره مستوى لغوي دون آخر. وحين أوظف الشعر الشعبي، فإنني لا استدعي بيتًا للزينة، بل أقرأ من خلاله ثقافة، واستنطق ذاكرة، وأصل بين المعرفة الأكاديمية ونبض الحياة.
- يشهد الشعر الشعبي في المملكة تطورًا ملحوظًا في قيمته الاجتماعية والثقافية، كيف تفسرين هذه الظاهرة؟
الشعر الشعبي وعاء للذاكرة والهوية، وكما ذكرت سابقًا، هو جزء من تراثنا الثقافي غير المادي؛ فهو يروي تاريخ إنسان هذه الأرض، ويكشف طريقته في التفكير، واهتماماته اليومية، وقلقه الوجودي، وصورته عن ذاته وعن العالم من حوله.
وقد ازدادت قيمته الاجتماعية والثقافية حين بدأنا ننظر إليه بوصفه وثيقةً إنسانية، لا مجرد قول عابر في المجالس؛ ففي أبياته نجد تفاصيل الحياة التي قد تغيب عن كتب التاريخ؛ نجد علاقات الناس، ومفاهيم الشجاعة والكرم والحب والفقد، وتحولات المكان، وأثر الصحراء والمدينة في تشكيل الوجدان.
ولعل هذا الوعي الجديد بالشعر الشعبي هو ما أعاده إلى موقعه الحقيقي؛ فهو ليس هامشًا أدبيًا، بل متن ثقافي كامل، يحمل صوت المجتمع في أكثر حالاته صدقًا وعفوية.
وكلما ازداد اهتمامنا بالهوية الوطنية، ازددنا التفاتًا إلى هذا النوع من الشعر؛ لأنه أحد الأوعية التي حفظت ملامحنا من الذوبان، ونقلت روح المكان من جيل إلى آخر.
- كان لكم مقال في إطار «البلاغة الجديدة» تناول التعليق الرياضي. ماذا تقصدون بهذا المصطلح؟
البلاغة الجديدة، باختصار وبشكل عام، هي البلاغة حين غادرت حدود النص الأدبي الضيقة، واتجهت إلى الحياة لتتشكل في الخطاب اليومي؛ فلم تعد تسأل عن جمال العبارة وحده، بل عن قدرتها على التأثير، وصناعة الموقف، وتوجيه الوعي، وبناء الصور في أذهان الناس.
ومن هنا فهي تتصل بتحليل الخطاب الرياضي؛ لأن الرياضة لا تُروى بلغة محايدة، بل تحيط بها شبكة كثيفة من الاستعارات والانفعالات والهويات؛ فالفريق يتحول إلى كتيبة، والمباراة إلى معركة، والفوز إلى مجد، والخسارة إلى انكسار. ومن خلال هذا الخطاب تُصنع صورة البطل والخصم، ويتشكل الانتماء، وتُشحذ عاطفة الجمهور، وتُبنى ذاكرة النادي ومكانته الرمزية.
لذلك تنظر البلاغة الجديدة إلى الخطاب الرياضي بوصفه خطابًا ثقافيًا يكشف كيف تصنع اللغة الحماسة، وكيف يتحول اللعب إلى هوية، والملعب إلى فضاء تتجلّى فيه مشاعر المجتمع وقيمه وصراعاته الرمزية.
- «أنثى الغمام» و«سحابة صيف» و«هطول لا يجيء… عناوين مطرية لافتة، كيف كان صداها؟
الغيث في وجداني معنى يتصل بالرجاء والانتظار والتحول؛ فهو اللحظة التي يُعاد فيها غسل العالم من تعبه، ولعل هذه الدلالة تسللت إلى عناوين كتبي قبل أن أتنبه إلى حضورها المتكرر، وكأنّ اللغة كانت تعرف عني أكثر مني.
وقد أسعدني أن القراء والنقاد التقطوا هذه الرمزية، فلم يتعاملوا مع العنوان بوصفه زينة على الغلاف، بل رأوه عتبة تقود إلى روح النص؛ فـ«أنثى الغمام» و«هطول لا يجيء» حالات إنسانية؛ فيها امتلاء مؤجل، وشوق إلى شيء قد يأتي وقد يظل معلقًا.
- صدر لكم مؤخرًا كتاب «بلاغة الصمت السينمائي»، حدثينا عنه، وما مشاريعكم المقبلة؟
هذا الكتاب محاولة للإجابة عن سؤال ظل يرافقني طويلًا: هل يتكلم الصمت؟ وقد انطلقت فيه من إيماني بأن الصمت في السينما ليس فراغًا في الكلام، بل حضور كثيف للمعنى، وأن ما لا تقوله الشخصيات قد يكون أبلغ مما تنطق به.
سعيت في «بلاغة الصمت السينمائي» إلى بناء جسر بين البلاغة العربية وتحليل الخطاب السينمائي، من غير أن أفرض على الصورة لغة ليست لغتها؛ فقرأت الصمت من خلال الإيماءة، والنظرة، والإضاءة، وحركة الكاميرا، وإيقاع المشهد، والفراغ المحيط بالشخصيات. وكان الرهان عندي أن البلاغة ليست حبيسة النص الأدبي، بل قادرة على قراءة كل خطاب إنساني متى تجلّى فيه المعنى والتأثير.
أما مشاريعي المقبلة، فربما الأدق أن أقول: مشاريعي المتوقفة؛ فبعضها ينتظر منذ عام، وبعضها منذ أعوام، لأسباب تتصل بدور النشر، وبطء الإجراءات، ثم استيقاظ عين القارئ الضمني في داخلي؛ تلك العين التي لا تكف عن المراجعة، وتعيد النظر في كل جملة، حتى يتحول الحرص على اكتمال الكتاب أحيانًا إلى سبب في تأخر ظهوره.
وكان من المفترض أن يصدر منذ عام كتاب في النقد الروائي السعودي، وكتاب أدبي آخر، وما زالا عالقين بين انتظار النشر وقلق المراجعة.
- بعد هذه الرحلة الطويلة في التعليم والبحث، ما الرسالة التي تودّون توجيهها إلى الجيل الجديد من الباحثين؟
أقول لهم: لا تجعلوا غايتكم أن تكتبوا بحثًا، بل أن تبنوا مشروعًا فكريًا؛ فالباحث لا يُعرف بعدد ما نشر، وإنما بالسؤال الذي ظل وفيًا له سنوات طويلة.
اقرؤوا أكثر مما تكتبون، وأصغوا أكثر مما تتكلمون؛ فالمعرفة لا تمنح أسرارها لمن يكتفي بالوقوف على أبوابها، وإنما لمن يصبر على طول الطريق.