هناك عِلّةٌ ثقافيةٌ مُختمرةٌ في نَسَقِ النصِّ الروائي. لا يُفصحُ عنها إفصاحاً تاماً، وإنما يُقارِبُ حُمّاها، ولا يَلِجُ إلى داخلها.
هذه العِلّة تكمنُ في التنوّعِ الاجتماعيّ، قبلياً ومذهبياً، وهي عِلّةٌ مُتشنّجة، والمساسُ بها يزيدُها تشنجا. يتردّدُ الروائي في مكاشفتها، ومقاربة حواجزِها المليئة بالمحاذير، وإن كانت أبعادُها الفنيةُ مكتملةً في شباةِ قلمِه، ونسغها يخالط حبر دواته. وهو بهذا، وفي هذا السياقِ تحديداً، عقلُ المُصلحِ الذي يُداوي العَطَب، وليس عقلَ المُبدعِ الذي يَنكأُ الجروحَ ليدعَ الآخرين يسعَون في معالجتها.
?ويزيدني قناعةً الروائيُّ المُلهم براك البلوي في روايته «بهو الفندق»، الذي يرسمُ في ملامحها سماتٍ فنيةً دفينةَ المغزى. وهو كمن يُغامرُ بالدخولِ في معتركٍ مليءٍ بالألغامِ، ويتخطاها باقتدارٍ ناجياً من خطرِها المُحدقِ وشراراتِها المُهلكة. وقناعتي هذه تضافرت عليها عدةُ أمور، منها رواية «وحشة النهار» لخالد اليوسف. تلك الوحشةُ التي جعلَ منها ولادةً للحرية. ومن العجيبِ أن تتوافقَ في فكرتها العامةِ مع فكرةِ «بهو الفندق».
وسرعان ما يزولُ ذلك العجبُ حينما ندرك أنّ تلك العِلّة الثقافية هاجسٌ حيٌّ لا ينفكُّ عن مُخيّلةِ المُبدع، فضلاً عن غيره من الناس.
يكتبُ «براك» روايتَه هذه بلغةٍ دافئةٍ، محمّلةٍ بروحِ الكتابةِ وأُفُقِ المجاز. وتبدو عباراتُه واضحةً، لكنّها تُخفي في باطنِها مغزىً بعيداً لا يُدرَكُ إلا بالتأمّل. يصنعُ للقارئ مساحةً من قوانينِ الحياة، ويُصرُّ على استذكارِها في كلِّ مشهد. وكما يُصرُّ أيضاً على جعلِ الزمانِ عاملاً لمعالجةِ الوجع، يجعلُ المكانَ حاضناً لذلك الوجع.
لم تكن لفظةُ «الفندق» إلا استلهاماً لرمزيةِ الحبِّ العابر، الذي أُريدَ له أن يموتَ ثم يحيا من جديد. وأنّ ذلك العبورَ يبقى مُطارداً لهذا الحبِّ المغلوب، حتى وإن تخلّصَ من كلِّ ذرائعِه ومعوّقاتِه. وهو إيعازٌ خفيٌّ يؤكد أن الحياةَ ليست عبثيةً، بل هي تمضي على سُنَنٍ ربانيةٍ يُقدَّرُ لها كلُّ شيءٍ بحكمة. فما أنساهُ السلوكُ اليوميُّ، وتألّمت له الذاكرةُ، نهضَ مرةً أخرى واقعاً، وتلذّذت بعذابهِ.
وما أشقى الحبَّ الذي يجعلُ صاحبَه يعيشُ بلذّةِ الألمِ ومرارتِه على حدٍّ سواء، في لحظةٍ راحلةٍ راهنةٍ ومواقفَ متصلة!
الصورةُ الحيّةُ التي التقطتها مخيّلةُ الكاتب نشأت من واقعٍ كلّما رُدِمت فجوتُه ازدادت اتّساعاً. تُذكي جَذوتَه العقولُ البائسة، وما أقلّها! وما أتعسها! لتتآلفَ ثمناً دائماً تقتاتُ عليه. إنّ القلمَ الحرَّ في يدِ المبدعِ طالما سعى في إخفاءِ تلك الجَذوةِ وإخمادِها بوعيٍ مستنيرٍ ونظرةٍ ثاقبة، وهو ما تجلّى في وعيِ الروايةِ ودواخلِ تفكيرِها.
فالكاتبُ يجعلُ لقارئِه باباً مُوارباً يدخلُ من خلاله بلغةٍ محكمةٍ إلى مدًى فسيحٍ كبستانٍ مليءٍ بأصنافِ الشجر؛ فيه المُثمر، وفيه الشوك، وفيه الورقُ الأخضر، وفيه الورقُ اليابس. لكن المشهدَ العام لهذا البستانِ محاطٌ بعنايةِ صاحبِه الذي يتعهّدُه باستمرار، حتى لا يموتَ شجرُه المفيدُ ويَخلُفَه شجرُ الطلحِ المَؤذيّ. يرتكزُ الكاتبُ في روايته على وحدانيةِ الحدثِ وجُمودِه وعدمِ تَشظّيه، وعلى تقنيةِ الاستدعاءِ وقِلّةِ الشخوصِ وتقنينِها.
فلم يكن هناك غيرُ (زهراءَ وطارقَ وهيفاءَ) وشخوصٍ ثانويةٍ مُكمّلةٍ للمشهد. وهو معنيٌّ بأنّ الهمَّ الأكبرَ لدى الكاتبِ هو الحدثُ الذي يُجسّدُ فيه فكرةَ «الهوية». الهويةُ الجامدةُ والهويةُ السائلةُ التي رُوّجَ لها (زيغومنت باومن). وهي محاولةٌ محمولةٌ على أكتافِ رصدِ تحوّلاتِ الهويةِ بين جاذبيةِ العِرقِ والمذهبِ، وتذويبِها ومعالجةِ ترسّباتِها. والكاتبُ هنا لا يُصرّحُ عن ذلك إلا من خلالِ رمزيةِ الأسماء: (زهراءُ القطيف، طارقُ، هيفاءُ، حفرُ الباطن). وكلُّ هذه الأسماءِ مُختارةٌ بعنايةٍ تامّة، تَفضي دلالاتُها المستوحاةُ من سياقٍ خارجيٍّ إلى مقاصدِ الروايةِ ومراميها.
ومع أنّ الزمنَ زمنٌ ممتدٌّ، والحدثَ العامَّ يقومُ على استنهاضِ الذاكرةِ، فإنّ ذاكرةَ الاسترجاعِ لم تكن إلا قِيمةً لبعضِ المواقف، وإنّ الوصفَ في الزمنِ الحاضرِ هو سيّدُ الفكرةِ وميدانُ الحدث. ولم تكن تقنيةُ الزمنِ أكثرَ حضوراً من تقنيةِ المكان، بل كان المكانُ هو البطلَ الحقيقيَّ للرواية.
لكننا عندما نعودُ إلى بُؤرةِ النصِّ والحدثِ الأساسِ الذي تُجسّدُه الرواية، نجدُ أنّ الكاتبَ يَنسلُّ انسلالاً؛ فلم يلتفتْ إلى يمينِه ولا إلى يسارِه، بل ظلُّ منعزلاً عمّا حولَه، مع أنّ الحدثَ يملأُ وفاض الذاكرةِ بسياقاتٍ تاريخيةٍ وفكريةٍ مثيرةٍ للجدل. ولو طرقَ الكاتبُ شيئاً منها قبولاً أو رفضاً لكان النصُّ محمّلاً بأعباءٍ حجاجيةٍ كثيرة، قد تفسد أدبية النص، ولكنه تمردَ على ذلك كلِّه، ولجأَ إلى قيمةِ الذاتِ وقدرتِها على تمكينِ قناعاتِه ا وإثباتِ هويّتِها، فكان البناءُ العامُّ لجوِّ النصِّ يدورُ في رَحى هويّتين: هويةٌ مُلغاةٌ لا وجودَ لها، وهويةٌ مُحياةٌ أعادت تموضعَها الوجوديَّ وأسّست لذاتِها قيمةً عُليا ووجوداً آخر.
وفي مناورة الفكرة نجد أن الكاتب اتخذَ من صراعِ الحبِّ ذريعةً لرسمِ تحوّلاتِ الهويةِ والإشكالاتِ التي تترصّدُ لتلك التحوّلات. وهي حيلةٌ أدبيةٌ مُخادعةٌ يُراوغُ فيها الواقعَ أكثرَ من مراوغتِه القارئ؛ إذ يُدركُ تماماً أنّه يُعالجُ حدثاً مدفوناً في تُخومِ التاريخِ ونسقِ المعرفة.
ومع هذا يُحاولُ أن يضعَ القارئَ المستنيرَ في سياقٍ تفاؤليٍّ يُحلِّلُ الفكرةَ المستبدّةَ، ويرسمُ ضوابطَ انفراجِها.
إنه لا يكتب تقريراً عن الهوية، بل يخاتل حدثاً أحاطت أقنعته برواسِمها؛ فهو يتجاوز ظاهرَ الجملة إلى خفاياها، ومعنى المفردة إلى رمزيتها، وكأنما يتخطى طريقاً مزروعاً بالألغام.
كان لبقا في انتصاره للعاطفة التي تماثل مخاضَها في الحب القديم بين طارق وزهراء، لكنه انتصار خلق إخفاقا في جهة أخرى، وكان في ذات الوقت جفوةً للعقل المتمثل في أسرة مستقرة بين زوجين وأبناء.
إن تمثلات الفكرة، وأبعادها في الوعي الجمعي صنعت في داخله حدثاً غدا فيه كل أطراف النص وركحه الثلاث؛ مرسلاً ومستقبلاً ورسالة، غدا وكأنه يجسد فشل ذلك الوعي والعقل الذي يقصر دونه، ويتماهى ومزاجه العام، وانكفاء نخب المشهد الثقافي عن مواربة إشكالاتها وتصدعاتها.
ومع هذا يمضي بهمس في مناورة ذلك الفشل، متجنباً صيحات المرجف وولولة المثبط، ومكتفيا بإشارات خفية توقظ العقل، ولا تزعج الحس، أو تستفز الواقع.
وأخيرا، فإنني وأنا أقرأ براك البلوي» في «بهو الفندق» من هذه الزاويةِ - مُتجاوزاً التقنياتِ الفنيةَ الأخرى- أجدُه يُخاتلُ القارئَ في رسمِ حدثِ الروايةِ مُخاتلةَ الصيادِ فريستَه؛ فهو يضعُ القارئَ في نهرٍ لا يُدركُ بُعدَه وتفاصيلَ ضفافِه إلا بعد أن ينتصفه، وهذه ميزةٌ أدبيةٌ توافرت نجاحاتُها على شَباةِ قلمِه ومصارعِ فكرِه.
** **
- د.محمد بن علي الزهراني