كما أن الفضل في شهرة بعض الكُتَّاب -بعد الله- للقارئ المهني في قبول كتبهم وطباعتها؛ فإن بعض هؤلاء القراء كانوا السبب الأساس في سقوط بعض الأعمال الأدبية في غياهب النسيان، منها ما تبين فيما بعدُ أنها أعمال عظيمة. فالقراء المهنيون وظيفتهم أن يقرؤوا مخطوطات (مسوَّدَات) الأعمال ثم يكتبون توصياتهم إلى أصحاب دور النشر بقبول طباعتها أو رفضها، لكن المصيبة تحدث حينما تخطئ ذائقة القارئ المهني فيرفض عملًا لسبب ما، قد يكون مزاجَه فقط، فتكون دار النشر حينها قد وقعت في خطأ عمرها حين تتبنى دار نشر أخرى العمل ويصبح بعد سنوات من أعظم الأعمال الأدبية.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك ما حدث للروائية الإنجليزية جي كي رولينغ التي رَفضت اثنتا عشرة دار نشر مسوَّداتِ رواياتها، قبل أن تُقبَلَ روايتها الأولى ويباع منها ملايين النسخ، ثم تصبحَ أول كاتبة تصبح مليارديرة من مبيعات كتبها.
أما الكاتب الفرنسي مارسيل بروست، مؤلف أطول رواية في العالم (البحث عن الزمن المفقود) ذات الأجزاء السبعة، بصفحات بلغت في النسخة الفرنسية 4200 صفحة، وبعدد كلمات يفوق مليونًا وربع مليون كلمة، فقد قضى عامين يتجول بين دور النشر التي كانت ترفض الرواية. وهكذا بقي بروست تحت رحمة (قراء المخطوطات) لعدة أسباب، بعضها شخصي؛ فبينما عده بعضهم من الطبقة الأرستقراطية، عد آخرون كتاباته مملة للغاية، حتى كتب أحدهم (فرانك لومو) كتابًا يشرح فيه معاناة بروست تحت عنوان (مارسيل بروست في بحثه عن ناشر).
وحين نجحت الرواية ندم أكثرُ مديري دور النشر على رفضهم لها، وكان أحدهم مدير دار نشر غاليمار (أندريه جيد)، الذي كتب حينها رسالة اعتذار أصبحت شهيرة بعد ذلك، وبيعت بملايين الدولارات في موقع المزادات (سوذبيز Sotheby)s) في هونغ كونغ. وكان مما قاله أندريه جيد حول رفضه طباعة الكتاب: «أشعر بالخجل لأني المسؤول، إنه الندم والتأنيب الأكثر حرقة في حياتي».
أما الكاتب الذي يحصل على أكثر من سبعة عشر مليون دولار سنويًّا من كتبه – علاوة على ما يجنيه بطرق غير مباشرة كالأفلام مثلًا– فهو ملك الرعب في الكتابة الروائي ستيفن كينغ. وقد نال هذا الكاتب في مسيرته الكتابية نصيبه من الرفض بسبب القراء المهنيين في دور النشر. فقد ذكر أن روايته الأولى كاري (Carrie) رفضت ثلاثين مرة لعدة أسباب، منها أن دور النشر ترى عدم جدوائية كتب الخيال العلمي؛ ما دفعه إلى إلقائها في سلة المهملات، ولم ينقذها من ذلك المصير القاتم إلا زوجته تابيثا، وهي أيضًا روائية أصدرت ثماني روايات وكتابين غير روائيين. فقد طلبت منه زوجته إكمال الرواية، ثم أرسلتها إلى ناشرين آخرين حتى قبلتها إحدى دور النشر في عام 1974م.
وقد واجهت رواياته الأخرى كذلك مصيرًا مشابهًا، مثل رواية الموقف (The Stand) بسبب طولها (1552 صفحة)، ما يعني ارتفاع سعر طباعتها، وهو ما اضطره إلى اختصارها إلى 400 صفحة.
وقد تعامل ستيفن كينغ في بداياته بطريقة لطيفة مع رسائل الرفض التي تصله من دور النشر لمدة ثماني سنوات؛ فقد كان يعلقها على مسمار مثبت على جدار غرفته، حتى أصبح المسمار لا يتحمل أوراقًا أكثر؛ وهو ما دفعه إلى استبدال المسمار بآخر أقوى منه، حتى قُبل أول كتاب له، كما ذكر في كتابه (عن الكتابة). وقد اضطر قبل أن يصبح مشهورًا إلى أن يعمل حارسًا وعاملًا في محطة وقود وعاملًا في مصنع لغسل الملابس. وكان كينغ يكتب مذ كان في المرحلة الابتدائية، وكانت أمه تشجعه على ذلك وتعطيه مبلغًا بسيطًا في كل مرة يكتب فيها.
** **
- يوسف أحمد الحسن
@yousefalhasan