«الجزيرة» - الاقتصاد:
رسّخت المملكة العربية السعودية مكانتها مركزًا عالميًّا متقدمًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مدعومةً بنمو متسارع في البنية التحتية الرقمية واستثمارات نوعية تعزز جاهزية الاقتصاد الوطني للانتقال إلى العصر الذكي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وقد استشهد البنك الدولي، بدور المملكة العربية السعودية ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» في بناء منظومة متكاملة للبيانات ودعم تكاملها بين الجهات الحكومية في المملكة، مستعرضًا التجربة السعودية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، عادًا إياها نموذجًا يحتذى به في بناء البنية التحتية الرقمية للبيانات والذكاء الاصطناعي.
جاء ذلك في تقرير التنمية في العالم 2026 الذي أصدرته مجموعة البنك الدولي بعنوان «وعد الذكاء الاصطناعي»، مشيرة في تقريرها إلى أن «سدايا» تتيح تكامل بيانات أكثر من 60 جهة حكومية مع إبقاء البيانات داخل أنظمتها، ووضع هذه التجربة ضمن النماذج الداعمة لتبادل البيانات بصورة منظمة بين الجهات الحكومية.
وتناول التقرير في ثناياه تجربة المملكة في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي؛ ووضعها ضمن أكبر عشر دول عالميًا في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي، وأبرزها وجهة جاذبة للكفاءات المتخصصة، في انعكاس لمسار وطني متكامل أسسته رؤية السعودية 2030 لبناء اقتصاد قائم على البيانات والحوسبة والابتكار.
وفي محور القدرات، أفاد التقرير أن المملكة سجلت في عام 2025 حضورًا متقدمًا في استقطاب الكفاءات المتخصصة، ضمن الاقتصادات التي سجلت أعلى معدلات صافي تدفق للعاملين في الذكاء الاصطناعي لكل 10 آلاف عضو على منصة «لينكدإن»، كما سجلت صافي تدفق بلغ (3.08) ضمن فئة نخبة مواهب الذكاء الاصطناعي في العام نفسه، بما يعكس جاذبية البيئة التقنية السعودية للخبرات النوعية.
ويتزامن نشر هذا التقرير مع تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في المملكة، الذي ترجم الاهتمام الوطني بتقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي ودورها في دعم التنمية والابتكار وتعزيز التنافسية، وذلك بما يحقق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتستند جاذبية المملكة في هذا المجال إلى قاعدة تشغيلية متنامية في مراكز البيانات، التي تعد ركيزة أساسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية؛ إذ ارتفعت السعة التشغيلية من 68 ميجاوات في عام 2021 إلى أكثر من 440 ميجاوات في عام 2025، محققة نموًا بنحو 6 أضعاف خلال أربع سنوات، وبمعدل سنوي يبلغ 52 في المائة.
وتضم المملكة اليوم أكثر من 60 مركز بيانات طورتها أكثر من 20 شركة، باستثمارات تتجاوز 16 مليار ريال، مما يعكس اتساع السوق وتنامي قدرته على دعم الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة بصفتها بيئةً حاضنةً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي، من خلال نماذج وطنية متقدمة تجسد الانتقال نحو التصنيع الذكي، ومن بينها تجربة مجموعة العبيكان للاستثمار، التي نجحت في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ضمن عملياتها التشغيلية عبر منصة رقمية موحدة.
ومكّن هذا التحول من ربط أكثر من 1.200 آلة صناعية و280 خط إنتاج ضمن بيئة تشغيل ذكية واحدة بمصنع مجموعة العبيكان، لتكون قادرة على معالجة ما يصل إلى 50.000 إشارة إنترنت الأشياء في الثانية، مما أتاح رؤية تشغيلية لحظية ودقيقة، وأسهم في رفع الكفاءة التشغيلية بنسبة تصل إلى 30 في المائة، إلى جانب تقليص زمن تحليل البيانات من ساعات إلى دقائق، وتعزيز القدرة على التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها.
وانعكس هذا التطور على نمو أعمال المجموعة، التي ارتفعت من نحو 750 مليون دولار إلى مليار دولار خلال أربع سنوات، مدفوعةً بتكامل العمليات الرقمية وتحسين الإنتاجية، في نموذج يعكس الانتقال من التصنيع التقليدي إلى التصنيع القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأكد وكيل وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات للتكنولوجيا المهندس محمد الربيعان، أن هذا النموذج يجسد تكامل الخبرات العالمية مع القدرات الوطنية، ويعكس نضج البيئة الرقمية في المملكة وجاهزيتها لتمكين بيئات تشغيل ذكية قائمة على البيانات، مشيرًا إلى أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يسهم في تسريع تطوير الصناعات الوطنية ورفع تنافسيتها عالميًا.
وتواصل المملكة جهودها في تحقيق تطلعاتها نحو الريادة العالمية كجزء من رؤيتها الطموحة 2030، التي تعمل على مواكبة التحولات التي غيرت المشهد التنافسي العالمي ودفعت بالدول والمؤسسات قدمًا لاستشراف المستقبل من خلال التطورات التي يشهدها عصرنا الحالي ومنها تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي التي أثرت في الكثير من مناحي حياتنا، وجعلت دول العالم تتجه إلى تبني هذه التقنيات المتقدمة وتسخير كل قدراتها وإمكاناتها لإحداث أثر وتأثير مستدام من خلالها ومنها المملكة.
وعملت المملكة من خلال الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، التي أنشئت بأمر ملكي عام 2019م على المضي قدمًا في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والاستثمار في فرصها الواعدة وبناء القدرات الوطنية فيها، بعد أن فتحت آفاقًا غير محدودة في مجالات التنمية المختلفة مثل: التعليم، والرعاية الصحية، والصناعة، والطاقة، والإعلام، وتحقيق جودة حياة أفضل للإنسان، ناهيك عن ضمان الاستخدام الأخلاقي الأمثل للذكاء الاصطناعي وتجنّب الدول والمجتمعات الفجوات والمخاطر المحتملة بما يضمن خدمة البشرية جمعاء.
وتسعى المملكة من خلال «سدايا» على مواصلة تقدمها في مراتب المؤشرات الدولية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي وتوفير الإمكانات المتعلقة بالبيانات والقدرات الاستشرافية، وتعزيزها بالابتكار المتواصل في مجال الذكاء الاصطناعي؛ بما يضمن الارتقاء بالمملكة إلى الريادة ضمن الاقتصادات القائمة على المعلومات والبيانات والذكاء الاصطناعي لترسيخ مكانتها كنموذج عالمي يحتذى به، فعملت على تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في جميع الجهات الحكومية ورفع مستوى الخدمات التي تقدمها للمواطنين والمقيمين والزوار، فضلًا عن زيادة الوعي العام حول هذه التقنية وما يتمخض عنها، ودفع البلاد نحو مستقبل متقدم تقنيًا مدفوع بقوة البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأشار تقرير خاص عن حالة الذكاء الاصطناعي في المملكة تناول الخطوات غير المسبوقة والتقدم الذي أحرزته المملكة في قطاع الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية بداية من عام 2019م إلى أنه في ظل الدعم المستمر الذي حظيت به «سدايا» من سمو ولي العهد - حفظه الله -، حققت المملكة مراكز متقدمة في المؤشرات العالمية ومنها المركز الأول عالميًا في مؤشر الإستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي، وذلك وفقًا لـ «مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي «tortoise لعام 2023م، وحصلت المملكة على شهادة تميز المنتدى القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS) 2024م، ضمن فئة تطوير القدرات لبرنامج سدايا التدريبي في الذكاء الاصطناعي (Elevate).
كما حصلت المملكة على جائزة منتدى القمة العالمية لمجتمع المعلومات 2024م، لـ(منصة استشراف وبنك البيانات الوطني) ضمن فئة دور الحكومات وجميع أصحاب المصلحة في تعزيز الاتصالات وتقنية المعلومات من أجل التنمية، وانضمت المملكة عام 2023م كعضو في الهيئة الاستشارية للذكاء الاصطناعي، بهدف استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة ومحوكمة وأخلاقية.
وفي سياق ذي صلة، حققت المملكة الترتيب الثاني على مستوى العالم في مجال الوعي المجتمعي، بعد أن كشف استطلاع للرأي عن ارتفاع معدل ثقة المواطنين السعوديين بالتعامل مع منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي في المملكة، وذلك وفقًا لتقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي بنسخته السادسة (Artificial Intelligence Index Report 2023) الصادر عن جامعة ستانفورد الأمريكية لعام 2023، الذي أوضح أن المملكة قد توجت بالمرتبة الثانية عالميًا بعد الصين في جانب إيجابية وتفاؤل المواطنين السعوديين تجاه منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي المقدمة بالمملكة على المستويين الحالي والمستقبلي وذلك بحسب الاستطلاع الذي أجرته شركة (IPSOS).
واستعرض التقرير تقدم المملكة في قطاع «البيانات والذكاء الاصطناعي» عبر سبع ركائز رئيسة، وهي: السياسات والتنظيمات، والاستثمار، والبنية التحتية، والبيانات، والمواهب والقدرات البشرية، والبحث والابتكار، والتبني فبهدف توفير السياسات والتنظيمات وضمان تطوير وتمكين منظومة البيانات والذكاء الاصطناعي، نشرت «سدايا» (14) لائحة وسياسة ذوات العلاقة، كما أنشأت «سدايا» في الجهات الحكومية عدد (245) مكتبًا لإدارة البيانات حتى عام 2024م.
وتنامت استثمارات «الذكاء الاصطناعي» في المملكة بمعدلات مرتفعة، حيث وصل معدل النمو السنوي المركب (CAGR) في الانفاق الحكومي على التقنيات الناشئة متضمنة «الذكاء الاصطناعي» إلى (59 في المائة) بحسب توضيح هيئة الحكومة الرقمية 2023م، فيما بلغ مجموع التمويل لشركات الذكاء الاصطناعي السعودية (1.7) مليار دولار أمريكي عام 2023م وفقًا لما ذكرت منصة (Crunchbase).
وفي تقدم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أوضح التقرير أن المملكة تأتي كثاني أكبر دولة في منطقة الشرق الأوسط من حيث عدد مراكز البيانات المشتركة، إذ تمتلك (22) مركزًا نشطًا و(40) مركزًا آخر قيد التطوير، لعام 2023م، فيما تمتلك المملكة (10) حاسبات فائقة الأداء، (8) منها مصنفة ضمن أفضل (500) حاسب فائق الأداء عالميًا، وبلغ إجمالي النمو في سوق الخدمات السحابية العامة في المملكة (30 في المائة) في عام 2023م مقارنة بعام 2022م وذلك بحسب تقارير (IDC) لعام 2024م.
وفي ذلك الإطار التقدمي، أنشأت «سدايا» في مجال البيانات، (320) نظامًا حكوميًا مدمجًا في بحيرة البيانات الوطنية التابعة لبنك البيانات الوطني نتج عنها حجم بيانات وصل إلى أكثر من (100) تيرابايت مقدمة من قبل أكثر من (60) جهة حكومية، فيما بلغ حجم مجموعات البيانات المستضافة في منصة البيانات المفتوحة أكثر من (8.7) آلاف مجموعات بيانات مقدمة من قبل ما يزيد عن (230) جهة حكومية وخاصة.
وأكد التقرير حرص المملكة على التنافسية العالمية لتمكين المواهب وتنمية القدرات البشرية، ورفع المعرفة بمجالات «الذكاء الاصطناعي» حيث بلغت نسبة الدراية بمفهوم الذكاء الاصطناعي (75 في المائة) من العامة في المملكة، لدى (64 في المائة) منهم معرفة بحالات استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وذلك وفقًا لنتائج استبانة سدايا لمستوى الوعي للعامة عام 2024م.
أما في جهود التعليم فقد بلغت نسبة الجامعات السعودية التي تقدم برامج البكالوريوس ذات العلاقة بالذكاء الاصطناعي (86 في المائة)، منها (42 في المائة) تقدم برامج متخصصة في المجال، وفقًا لبيانات وزارة التعليم عبر منصة استشراف في عام 2023م، بلغ إجمالي عدد الخريجين الحاصلين على درجات علمية متعلقة بالذكاء الاصطناعي كعلوم الحاسب، أكثر من (38) ألف منذ عام 2019م فيما أوضحت بيانات منصة (LinkedIn) أن متوسط معدل النمو السنوي لعدد العاملين الذين يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي في المملكة بلغت نسبة (51 في المائة) وذلك من عام 2018م.
واستمرارًا لدعم المملكة للبحث العلمي والابتكار لتطوير قطاع «الذكاء الاصطناعي»، فقد بلغت نسبة متوسط معدل النمو السنوي في عدد المنشورات العلمية في الذكاء الاصطناعي إلى (45 في المائة) ، وذلك من 2019م إلى عام 2023م حسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، ووفقًا لبيانات الهيئة السعودية للملكية الفكرية فقد بلغت نسبة متوسط معدل النمو السنوي في عدد براءات الاختراع في المجال (50 في المائة) وذلك من عام 2019م إلى عام 2023م.
وفي ذات الإطار أوضحت نتائج استبانة «سدايا» للجاهزية والتبني في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2024م نشرها التقرير أن (39 في المائة) من الجهات الحكومية في المملكة تستخدم أو تجرّب تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما أكد (81 في المائة) من هذه الجهات بأن هذه التقنيات قد ساعدتها في تعزيز تقديم خدماتها.