حاورها - محمد الهلال:
من رواية «نوّة» إلى رواية «رغبة بيضاء»، ننتقل من المرأة المظلومة في الأولى إلى الرجل المظلوم في الثانية، غير أنّ القضايا لا تختلف كثيراً؛ فهي قضايا الإنسان والمجتمع، والرجل والمرأة والطفل؛ قضايا تتصل بحقوق أقرّها المجتمع الدولي منذ عام 1948، ولم يتحقّق منها إلا القليل.
في هذا الحوار، نتوقف عند عوالم رواية «رغبة بيضاء» السردية والفكرية. فبطلها نبهان ينتقل من قفص الأب إلى قفص السجن، ثم إلى قفص مأوى المسنين والذكريات. ومن خلال طقوس رمضان، وشخصية وديان، والتقاطع بين مأساة ماجدة وصوت المغنية الفرنسية إديث بياف، نحاول الاقتراب من دلالات الرواية وأسئلتها عن السلطة والخوف والحرية.
ويسعدنا في هذا الحوار أن نستضيف الروائية التونسية وحيدة المي، التي أثرت المكتبة العربية بأعمال متعددة؛ منها روايتا «نوّة» و«رغبة بيضاء»، وعملها «نصف قلب وضفتان - رسائل أبية»، فضلاً عن إصداراتها المتنوعة في أدب الطفل مثل: «ذات البطين»، «الدمعة الحائرة»، «صديق القمر»، «طائر الحناء»، «طائر الجنة»، و«صيّاد الفراشات اللعين».. فإلى نص الحوار..
البطل العادي والنضال الذي جاء مصادفة
- وجدتُ أنّ بطلكِ «نبهان» يختلف عن أبطال عبد الرحمن منيف، مثل «رجب» و«منصور عبد السلام». فهو ليس مناضلاً واجه السلطة عن وعي، بل ضحية صامتة وصفتِها بأنها «عار الجميع». هل أردتِ أن يكون ممثلاً للإنسان العادي الذي فُرض عليه الصمت، بدلاً من البطل المؤدلج؟
بُنيت رواية «رغبة بيضاء» على الخضوع والخنوع والاستسلام وسلب إرادة الفعل. لذلك كان من الضروري أن يكون بطلها مكبّلاً، مقيّداً، مسكوناً بالخوف، وغير قادر على إثبات ذاته.
لم يكن «نضال» نبهان ثمرة وعي أو تجربة بل جاء مصادفة. وجد نفسه متورطاً في قضية حين اقتحم البوليس الجامعة، واعتُقل نبهان معهم، وقضى عشرين عاماً في السجن، فقد خلالها بصره. هكذا يواجه القارئ بطلاً لم يختر مصيره ولم يسعَ إليه، بل دفعت به المصادفة نحوه.
نبهان شخصية هشّة وضعيفة وسلبية، وإن ألبستها الكاتبة جبّة النضال عنوةً. وتؤكد تجربته أنّ النشأة القائمة على المنع والترهيب ومصادرة حرية الرأي والتفكير تُنتج إنساناً صامتاً ومنكسراً من الداخل.
الزمن ورمزية الأجيال
- أثناء قراءتي لزمن الرواية، ربطتُ بين عمر «وديان»، البالغة ثلاثةً وعشرين عاماً، وسنوات حكم زين العابدين بن علي لتونس، وهي ثلاثة وعشرون عاماً أيضاً. ورأيتُ في اسمها، وهو جمع «وادٍ»، رمزاً لتدفّق دماء الشباب وثورتهم. هل ينسجم هذا التأويل مع تصوركِ للشخصية؟ وهل ترين أنّ الأجيال الشابة أقدر على التحرر من إرث الخوف؟
يرتكز الإطار العام للرواية على الاستبداد وسوء استخدام السلطة، سواء أكانت سلطة الأب الذي يقمع نبهان منذ طفولته ويتدخّل في أدق تفاصيل حياته، أم سلطة النظام السياسي.
تدور بعض الأحداث في أواخر عهد الحبيب بورقيبة، وتتناول صراع السلطة مع طلبة الجامعات، من اليسار وطلبة الاتجاه الإسلامي. ويتفرّع من هذا الزمن زمنٌ آخر يحيل إلى الصراع مع اليوسفيين، أنصار صالح بن يوسف، من خلال والد ريحانة، حبيبة نبهان، الذي كان أحد ضحايا تصفية اليوسفيين. ويتحدث نبهان أيضاً عمّا يسميه «أخونة» الجامعة وسيطرة الإسلاميين عليها.
لم ينتهِ الصراع بتولّي زين العابدين بن علي السلطة عام 1987. فقد انتقل الزمن السردي من ريحانة ونبهان ووالد ريحانة، بوصفهم شخصيات مرتبطة بعهد بورقيبة، إلى وديان، بوصفها إحدى الشخصيات التي تعبّر عن فترة حكم بن علي. ويبقى نبهان جسراً بين حقبتين اقترنتا بقمع الأصوات المحتجّة ومصادرة حرية التعبير. إنه زمن مركّب، تتداخل فيه طبقات الماضي والحاضر.
كانت وديان، وهي تنقل أخبار الصحف والإذاعة، تُظهر موقفها الناقد لنظام بن علي، وتمثّل فئة من الشباب المتمرّد على السلطة، والراغب في التحرر من الخوف والخضوع. وقد أخبرتها أمها ماجدة، في سياق الأحداث، بأنها اختارت لها اسم «وديان» كي تجرف أدران ماضيها القاسي. وهنا تتسع دلالة الماء: فهو التطهير وتجريف الرواسب، والبدايات الجديدة وكسر الحواجز، وهو الحياة أيضاً.
أقفاص النشأة والاستبداد
- تبدو حياة نبهان سلسلةً من الأقفاص: قفص الأب، ثم السجن، ثم مأوى المسنين والذكريات. هل تعمّدتِ إظهار الاستبداد الأسري بوصفه تمهيداً للاستبداد السياسي؟ وهل تحرّر نبهان حين صرخ في النهاية بكلمة «لا»؟
نعم، عاش نبهان متنقّلاً بين الأقفاص منذ طفولته: من سلطة أبيه المتشددة إلى السجن، ومنه إلى مأوى المسنين. وفي المأوى وجد نفسه داخل أقفاص أخرى: غرفة مغلقة، وظلام مطلق بعد فقدانه البصر، وذكريات يطارده فيها الأمس. كان سجين المكان والذاكرة، مسلوب الإرادة، مكتظاً بالخوف، وغير قادر على اتخاذ قرارات حياته.
ما واجهه من استبداد في أسرته أسهم في تكوين شخصية خاضعة لسلطة الآخر. ثم اصطدم باستبداد سياسي سجنه ظلماً، من غير أن يرتكب جرماً. حاول، بعد خروجه من السجن وإقامته في مأوى المسنين، أن يكسر الأسوار المحيطة به، لكنّ استفاقته المتأخرة لم تمنحه الحرية بمعناها العميق. فقد ظل عاجزاً عن تجاوز باب غرفته، وباب المأوى، وباب الذاكرة، على الرغم من محاولاته المتكررة.
ومع ذلك، حقّق قدراً من التحرر المعنوي. كسر بعض القيود الفكرية التي فرضها عليه والده، وانفتح على الفن من خلال أغاني إديث بياف، وحاول الكتابة، واهتم بالروايات والصحف. لكنّ هذا التحرر الرمزي لم يصحبه تحرر من المكان. لذلك تنتهي الرواية نهايةً مفتوحة، تترك للقارئ مجالاً للتأويل.
رمضان ولغة الصمت
- قرأتُ حضور شهر رمضان في الرواية بوصفه رمزاً للصبر الطويل والانتظار الذي قد يسبق الانفجار والثورة. ما رأيكِ في هذا التأويل؟ وكيف تتحوّل الطقوس اليومية والروحية إلى لغة سياسية موحية داخل العمل الأدبي؟
تدور أحداث «رغبة بيضاء» خلال شهر رمضان، بأجوائه الروحية والثقافية وطقوسه التونسية. وتستدعي هذه الأجواء ذكريات نبهان عن أيام رمضان مع والدته وأسئلته الوجودية الحائرة. كما تبرز دور الإيمان في الصبر والتحمّل، وتُظهر اختلاف عادات الاحتفاء بالشهر بين المناطق، رغم ما يجمعها من ملامح مشتركة.
تعكس هذه الجوانب الروحية الخلفية الفكرية للبطل، لكنها توحي أيضاً بشخصيته المستلبة، التي «تصوم» عن إبداء الرأي والمجاهرة بالحقيقة، وتعجز عن الرفض وكسر القيود. وهذا ما وصفته في سؤالك باللغة السياسية المشفّرة أو الرسائل المبطّنة.
أما قراءتك لرمزية رمضان بوصفه هدوءاً يسبق العاصفة وخموداً يسبق الثورة، فهي مثال على تفاعل القارئ مع النص وإنتاجه قراءته الخاصة. فالقارئ والناقد يعيدان النظر في السياقات من زاوية قد تفتح للنص آفاقاً جديدة، وهذا من وجوه التفاعل بين الكاتب والنص والقارئ.
الفن نافذة في العتمة
- توقفتُ عند التقاطع بين شخصية «ماجدة» وصوت المغنية الفرنسية إديث بياف، ورأيتُ أنّ كلتيهما عرفتا مرارة التشرد وأخطاء الآباء. هل أردتِ القول إنّ الفن والرقص يمنحان الإنسان شعوراً بأنه ما زال حياً، حتى حين يكون في القاع؟
تلتقي ماجدة وإديث بياف في جانب من المأساة الاجتماعية. فقد عرفتا الضياع، وعاشتا وسط الأضواء والضجيج. واجهت بياف حياةً اجتماعية وعاطفية صعبة، فيما قضت ماجدة ريعان شبابها تعمل في مرقص، وتواجه ضغوطاً نفسية واجتماعية وقيمية، بينما تسعى إلى إسعاد الزبائن. وحين تقدّمت في العمر، انتهى بها المطاف إلى مأوى المسنين.
في هذه البيئة، بما فيها من استغلال واضطهاد صامت واستخدام للجسد تحت راية الفن، أنجبت ماجدة ابنتها وديان. لجأت في تسميتها إلى رمزية الماء الذي يطهّر ويجرف الرواسب، لكنّ ماضيها في المرقص ظلّ عالقاً بذاكرتها.
كان الفن بالنسبة إلى ماجدة وبياف نقطة ضوء في العتمة، ووسيلةً لتأكيد الوجود والبقاء. وقد حضرت في الرواية أشكال أخرى من الفن، كالرقص والغناء والموسيقى والكتابة. فنبهان، مثلاً، حاول أن يتدرّب على الكتابة، وكان يملي خواطره على وديان لتدوّنها.
شكّلت هذه الفنون نوافذ في حياة رجل فقد بصره، وعاش في سجن العمى والمأوى والذكريات. وكان لا بدّ من فتح نافذة تسمح لشعاع من الضوء بالتسلل إلى رواية مثقلة بالألم وهموم الذات العاجزة والمسلوبة الإرادة. نعم، قد يجعل الفن القاع أكثر رحمةً واحتمالاً.
معنى «الرغبة البيضاء»
- رأيتُ في عنوان الرواية رغبةً في العيش بصدق وكسر سواد الخوف. إلى أي مدى تأملين أن تدفع الرواية قارئها إلى مواجهة خوفه، وأن يشارك نبهان رغبته في «حياة بيضاء»؟
تشير «الرغبة البيضاء» في الرواية إلى رغبات كثيرة. يرغب نبهان في حياة آمنة يكون فيها فاعلاً لا مفعولاً به، ويريد أن يقول «لا» لأبيه المتسلّط الذي كتم أفكاره وأنفاسه، لكنه يعجز عن ذلك. ويرغب في أن يجمعه الحب بريحانة، غير أنّ عشرين عاماً من السجن الظالم باعدت بينهما. ظلّ يعيش على ذكراها حتى فقد بصره، ولم ينل من ذلك الحب سوى قبلة دفع ثمنها غالياً.
ترتبط الرغبة البيضاء، من هذه الزاوية، بالفراغ والعجز وعدم اكتمال الفعل. فنبهان شخصية هشّة، تدور في حلقة من اللاجدوى، وتقتات من الخوف ورُهاب الأمس. لم يستطع أن يحقّق ما رسمه في خياله أو حلم به.
لكنّ رغباته يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها محاولات للتعبير عن وجوده ورفض ما فُرض عليه، منذ كان طفلاً تحت سلطة أبيه، ثم طالباً في الجامعة، وحبيباً لريحانة، وسجيناً سياسياً، وصولاً إلى إقامته في مأوى المسنين.
لقد امتلك إرادة المحاولة، وإن باءت محاولاته بالفشل. ومن هنا قد يجد القارئ في تجربته ما يدفعه إلى البحث عن مخرج من مآزقه. فمنذ دخل نبهان المأوى، لم يهدأ بحثه عن سبيل إلى الحرية خارج الأسوار. لم يصل إليها، لكنه لم يتوقّف عن المحاولة.
الأب والأم وصور السلطة
- يظهر الأب في الرواية رمزاً للسلطة الأبوية، في حين تبدو الأم صورةً للتسامح والاحتواء. هل كان هذا التوزيع مقصوداً في تفكيك سلطة تتخذ وجهاً ذكورياً؟
في كثير من الأسر التقليدية المحافظة، يمسك الأب بزمام الأمور ويتفرّد بالقرار، بينما تكون الأم مصدر الحنان والتفهّم والاحتواء. ويُنتظر من الأبناء الطاعة والانضباط. وفي هذا البناء الهرمي تغيب مساحة الحوار أحياناً، وتقوم التربية على الأمر والنهي. وقد تصبح الأم وسيطاً ينقل أوامر الأب إلى الأبناء، أو يرفع مطالبهم إليه.
نشأ نبهان في بيئة تُعلي صوت الأب ولا تردّ له أمراً. أحكم والده قبضته عليه منذ سنواته الأولى، وبات يشكّله كالصلصال بين يديه. لذلك يشبّه نبهان، وهو يروي حكايته، سلطة أبيه بالسجن الذي قضى فيه سنوات طويلة.
في المقابل، حاولت الأم التخفيف من حدّة هذه السلطة. حتى لغة نبهان ترقّ حين يستحضرها؛ فهي التي يطرح عليها أسئلته، وينتظر منها جواباً يبدّد حيرته، ويبوح لها باحتجاجه كي تنقله إلى أبيه. ويرتبط حضورها في ذاكرته برائحة القهوة والشاي وأصص القرنفل والنعناع. بهذا المعنى، تتجلّى السلطة في الرواية سلطةً ذكورية يمسك فيها الرجال بزمام القرار، أصابوا أم أخطأوا.
الإنسان العربي والأقفاص المتداخلة
- ينتقل نبهان طوال حياته بين قفص الأب، والسجن، ومأوى المسنين، ثم قفص الذكريات. هل ترين، ككاتبة وصحفية، أنّ الإنسان العربي يعيش بدوره داخل أقفاص متداخلة، وأنّ خروجه من أحدها لا يعني بالضرورة نيله الحرية؟
كان قدر نبهان أن يعيش داخل أقفاص كثيرة. في طفولته، كان أبوه يقتلعُه من حضن أمه ليحمله إلى الكُتّاب وهو في الثالثة من عمره، ثم منعه من الاطلاع على المجلات والاستماع إلى الموسيقى وحلق ذقنه. وبعد ذلك انتقل إلى السجن، ثم إلى مأوى المسنين. في كل مرحلة ضاقت مساحة حريته، وصودر رأيه، وضعفت قدرته على الفعل. كان كطائر كسيح يرى الأفق والسماء الرحبة، لكنه لا يستطيع الطيران.
وهذا، في جانب منه، حال الإنسان العربي الذي قد يواجه القمع والرفض والإقصاء والعنف منذ حاضنته الأولى، أي الأسرة. ثم تتسع الدائرة ليصطدم بضغوط وحواجز تحدّ من قدرته على التعبير عن ذاته وأفكاره.
يكفي أن نتأمل زمننا: الاستهلاك المتوحّش، والصور المفبركة، والذكاء الاصطناعي، وتسليع الإنسان، وسطوة الأخبار السريعة، وتأثير الشركات الكبرى والأسواق وشبكات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى. قد تتحوّل هذه كلها إلى أقفاص جديدة تُضاف إلى الأقفاص المألوفة.
وهكذا يظل الإنسان، مثل نبهان، متنقّلاً بين قيود مختلفة. وحتى إذا خرج من بعضها، فقد يكتشف في داخله أقفاصاً أشدّ متانة، تدفعه إلى أن يعيش كما يُراد له، لا كما يريد.