أصدر الشاعر الدكتور حسين أبو الفرج ديوانه الأول عن دار جداول، واختار له عنوان «القلائد»، وهو عنوان يفتح بابًا لتأمل تصوره للشعر؛ فالقلادة تستمد قيمتها من نفاسة فرائدها، ومن إحكام نظمها وحسن التناسب بينها. وكذلك القصيدة؛ لا تستوفي جمالها بجودة مفرداتها منفردة، وإنما بما ينشأ بينها من علاقات، وما يمنحها التأليف من حياة. وكأن الشاعر يقدم قصائده بهذا العنوان بوصفها قولًا منتقى، انعقدت فرائده على خيط من الذائقة والصنعة، يستحق أن يأخذ مكانه في جيد الأدب.
وأبو الفرج من الشعراء الذين تشعر، وأنت تقرؤهم، بأنهم يدركون تبعات الانتساب إلى الشعر العربي؛ إذ يضع هذا الانتساب صاحبه بإزاء ذاكرة إبداعية ممتدة، تتجاور فيها أصوات امرئ القيس والنابغة والمتنبي وسواهم من أعلام البيان. ومن اختار محاورة هذه الذاكرة فقد ارتضى لنفسه امتحانًا عسيرًا، تتجاوز شروطه سلامة الوزن وفخامة اللفظ إلى امتلاك خصوصية التعبير، والقدرة على إكساب الموروث حياة في تجربة جديدة.
تستقبل قارئ الديوان مقدمة ثرية للأستاذ حسين محمد بافقيه، الناقد الذي يجتمع في كتابته نفاذ البصيرة وحدّة العبارة. وقد أبدى فيها دهشته من استقلال الشخصية الفنية لأبي الفرج؛ إذ لم تصرفه نشأته الأمريكية، ولا دراساته وأبحاثه في النقد الحديث ومذاهب الحداثة، عن الارتباط الوثيق بأصول البيان العربي. وهذه ملاحظة جديرة بالتأمل؛ لما تكشفه من قدرة الشاعر على بناء ذائقته وسط مؤثرات ثقافية متباينة، والاحتفاظ بحرية اختياره الجمالي.
وقد شاركت صاحب المقدمة إعجابه بهذه الخصوصية؛ فالمعرفة بالمذاهب النقدية لا تستلزم اتباعها في الإبداع، والاطلاع على الثقافات لا يقتضي التخلي عن الذاكرة اللغوية التي تتكون فيها حساسية الشاعر. وتبدو قيمة تجربة أبي الفرج، في هذا الجانب، في ثقته بقدرة العربية الموروثة على استيعاب تجربته المعاصرة؛ إذ يستدعي من التراث طاقة العبارة على التصوير والإيحاء، ويوجهها إلى التعبير عن ذاته. فالماضي، في أجود شعره، يجري في عروق القصيدة ويغذي حضورها.
غير أن تقديري للمقدمة لا يحول دون مراجعة حكم تكرر فيها، هو تشبيه شعر الديوان بالشعر الجاهلي. فقد انتظرت، حين قرأت هذا الوصف أول مرة، أن يعقبه تحديد للسمات التي تسوغه، ثم وجدت لفظ «الجاهلي» يتردد أربع مرات في المقدمة، حتى بدا أنه يتجاوز التشبيه العابر إلى توصيف التجربة. وهنا يبرز السؤال النقدي: ما العناصر التي يقوم عليها هذا الشبه؟ وإلى أي حد تكفي الجزالة ومتانة التركيب لإلحاق أسلوب شاعر معاصر بالشعر الجاهلي؟
إن الجزالة سمة عابرة للعصور، تتنوع مظاهرها بحسب طرائق الشعراء في بناء الجملة وتشكيل الصورة وتوليد المعنى. ولذلك يقتضي تعيين القرابة الفنية النظر في خصائص أكثر تحديدًا: طبيعة المعجم، وحركة التراكيب، وبناء الصورة، ومسار الدلالة، وعلاقة أجزاء القصيدة بعضها ببعض. أما الانطباع الذي تحدثه قوة العبارة، فيظل مدخلًا إلى التحليل، ويحتاج إلى شواهد تسنده حتى يكون أساسًا للتصنيف.
والذي أراه أن قصائد أبي الفرج الجزلة أقرب إلى بعض طرائق المتنبي وشعراء العصر العباسي المتأخر. وأطرح هذه القرابة بوصفها وجهة للقراءة تحتاج إلى موازنة نصية مفصلة، لا حكمًا مكتمل البرهان. ولعل بافقيه أراد بالوصف الجاهلي الإشارة إلى رسوخ العربية وصفاء جرسها، غير أن استخدام اسم عصر أدبي في وصف تجربة معاصرة يستدعي بيان حدود المقصود، حتى لا تتحول الإشارة إلى الأصالة إلى نسبة تاريخية ملتبسة.
واستوقفتني كذلك عبارات وردت في المقدمة، منها: «وكأنه شاعر عائد إلينا من صفحات التاريخ»، و«هذا اللون الغريب من الشعر»، «وكأن الشاعر راهن على نفسه باختيار لغة ضاربة في القدم»، و«اختار الشاعر لنفسه لغة وأخيلة وتصاوير هن بعيدات عن لغتنا وأخيلتنا وتصاويرنا»، و«أتراه يعرف قراء آخرين يلقون في شعره الغريب هذا شيئا من الجمال؟»، و«لماذا اختار الشاعر هذا النمط الصعب من الشعر؟»، و«لينظم شعرا كأنه ملفوف بشملة أنوالها من تلك العصور الغابرة».
أفهم هذه العبارات في سياق الإعجاب بفرادة الشاعر، لكنها تستحق النظر من جهة أثرها المحتمل في تلقي الديوان؛ فالمقدمة تسهم في تشكيل توقعات القارئ، وتوجه نظره قبل دخوله إلى النصوص، وحين تتكاثر فيها إشارات الغرابة والبعد عن لغة الحاضر وأخيلته، فقد تنشئ مسافة بين القارئ والشعر الذي تحتفي به. ومن هنا تنشأ المفارقة: إعجاب يقدم نفسه بعبارات قد توحي بالتحفظ، واحتفاء بالخصوصية قد يجعلها تبدو ضربًا من العزلة. ولعلها، في المحصلة، عبارات قد تنفر بعض القراء قبل دخولهم إلى الديوان، فضلًا عن أنها لا تصف أسلوب الشاعر، في تقديري، وصفًا دقيقًا.
ثم إن ضمير الجماعة في عبارة «لغتنا وأخيلتنا وتصاويرنا» يثير سؤالًا عن حدود الجماعة التي يمثلها؛ فالذائقة المعاصرة متعددة المشارب، وقراء الشعر يختلفون في معارفهم وخبراتهم الجمالية. وقد يكون ما يستغربه قارئ مألوفًا عند آخر. لذلك تحتاج أحكام الغرابة والصعوبة إلى تعيين مرجعها: أتنشأ من خصائص النص، أم من المسافة بينه وبين خبرة قارئ بعينه؟ وكان في وسع المقدمة أن تقرب هذه التجربة بإضاءة مفاتيحها الفنية، فتفتح نوافذها للقارئ وتعينه على اكتشاف جمالها. ولا أرى أن لغة شاعرنا وأسلوبه على تلك الدرجة من الغرابة التي تستدعي حشد هذه الأوصاف؛ فهي قد تكون أقرب إلى وصف شعر الشماخ بن ضرار، أو أخيه المزرد، أو أحد شعراء الصعاليك.
نعود إلى ديوان شاعرنا، الذي يضم ثلاثًا وعشرين قصيدة، وهو عدد محدود قياسًا إلى وتيرة النشر المتسارعة، غير أن غزارة الإنتاج وقلته لا تُعدّان معيارًا للقيمة؛ فالعبرة بما يتحقق في النص من كثافة التجربة وإحكام الصياغة. وكذلك لا يكفي أن يروي الكلام شعورًا حتى يستوفي شروط الشعر، ويكفي أن نتذكر أن النابغة الذبياني ملأ الدنيا شعرًا بديوان قريب في حجمه من ديوان أبي الفرج.
وأعدّ، بحسب قراءتي، سبعًا من قصائد الديوان من متين الشعر وجزله، وأرى بقيتها أميل إلى الرقة والخفة. وهذا تمييز بين مستويين في البناء، وليس ترتيبًا لدرجات الجودة؛ فقد تتطلب القصيدة الخفيفة من دقة التخير ولطف الصنعة ما تتطلبه القصيدة الجزلة. ومن وجوه اقتدار الشاعر أن يقدر لكل تجربة لغتها، وأن يمنح المعنى من قوة العبارة أو رقتها ما يلائم طبيعته، وهذا ما أجاده شاعرنا الفارس.
تتصدر الديوان قصيدة «النزيهة»، وفيها يبث الشاعر شوقه إلى فرسه، مستحضرًا أفق الفروسية بما يحمله من اعتداد ووفاء وحنين. وقد وجدت في القصيدة حضورًا وجدانيًا يسند جزالة الأسلوب؛ فالصلة بالفرس تستمد قوتها من شعور الشاعر بها، وتمنح الموضوع الموروث باعثًا شخصيًا. وهكذا تمتطي القصيدة صهوة البيان القديم، فيما يوجه إحساس صاحبها وجهة الشعور الحاضر:
سلني عن الوصل لا تسأل عن التعب
وسل فؤادي عن الأشواق والطرب
وبعد وجبة شعرية دسمة، ينتقل الشاعر إلى القهوة السعودية، فتصفو العبارة وتخف حركتها، ويستهل قصيدته بقوله:
هات الجديد وهاتها
واقرن بها أخواتها
في هذا الاستهلال حركة طلب، وألفة مجلس، وخفة دعابة. وأفهم «الجديد» إشارة إلى الحديث المستطرف الذي يصاحب القهوة، و«أخواتها» إشارة إلى ما يقدم معها من تمر وغيره. وهو تأويل تتيحه ألفاظ السياق. وتنبع لطافة المطلع من اكتفائه بالإشارة، كأن المتكلم يخاطب جليسًا يعرف مراده، فيدخل القارئ إلى المجلس من باب تلك المعرفة المشتركة. وبألفاظ قليلة تتسع الصورة للقهوة وحديثها ومؤانسة أهلها.
وفي دالية فخرية باذخة، يطل عنصر من الحياة المعاصرة منذ المطلع:
سلام على الواتساب يشتاق للرد
يداعب سمع الحب يهزأ بالصد
لم أستحسن، في تلق لهذا المطلع، إدخال لفظ «الواتساب»؛ إذ أحسست بتفاوت بين حضوره التداولي المباشر والنبرة التي ينتظم فيها البيت. وهذا تحفظ ذوقي يتعلق بمدى اندماج المفردة في سياقها؛ فالمفردة الحديثة قد تحتاج إلى زمن حتى تختلط بالوجدان اللغوي وتجد طريقها إلى لغة الشعر. ومع ذلك، فإن حضور هذا اللفظ يكشف اتصال الشاعر بيومه وحداثته.
أما أغراض الشاعر، فلم تكن بذلك التنوع؛ فقد احتوى الديوان على المدح والفخر والحنين. وأما الغزل، فليس له حظ من الديوان إلا ما كان مقدمة لقصيدة في غرض آخر، في حين تتجلى عواطف الحنين والغربة والوداع في عدد من نصوصه. ومن الدقة أن نميز هنا بين الغزل بوصفه غرضًا شعريًا، والوجدان بوصفه عنصرًا يسري في أغراض شتى. وفي إحدى قصائد الوداع يقول:
أقمت الحزن لي بيتا
ودمع العين أوتادا
تتكون الصورة من تحويل الحزن إلى مسكن، ثم جعل الدمع أوتادًا تثبته. وفي إسناد التثبيت إلى الدمع دلالة لافتة؛ إذ يمنح الشاعر السائل وظيفة الجسم الراسخ، فيغدو البكاء عنصرًا في إقامة الحزن واستدامته. وتجمع الصورة بين وضوح التعبير وخصوبة الإيحاء، فتجسد إحساسًا داخليًا في هيئة مكان يأوي إليه صاحبه ويقيم فيه.
ثم تنتهي القصيدة إلى حكمة بأسلوب المتنبي:
وكل جديد أحزان
سيغدو بعد معتادا
ينقل هذا الختام التجربة من حدة المفاجأة إلى وطأة الألفة؛ فالاعتياد يغير صلة الإنسان بحزنه، ويحول ما كان طارئًا على حياته إلى جزء من إيقاعها. وتستمد العبارة أثرها من بساطتها، ومن مجيئها بعد صورة البيت والأوتاد؛ فكأن الإقامة في الحزن، التي بدأتها الصورة، تجد في الخاتمة معناها الزمني. وهذا يشي بأن الشاعر يهتم بتماسك قصيدته وترابط أجزائها.
هذه القدرة على الانتقال بين الجزالة والرقة، وبين اعتداد الفارس وألفة المجلس ووحشة الوداع، هي مما يمنح ديوان أبي الفرج قيمته. وتزداد التجربة ثراء حين يحمل الأسلوب أثر التراث وخصوصية صاحبه معًا، فتغدو اللغة الموروثة مجالًا لتشكل إحسا سا حاضرا. وفي أجود هذه «القلائد»، يلتقي رسوخ البيان بحركة الحياة، وتظل القصيدة جديرة بأن نقترب منها ونختبر إحكام نظمها، وما يضيء في فرائدها من شعر. فما بين قصيدة طويلة متينة تحتاج إلى قراءة متأنية لتفكيك بيانها وسبر أغوارها، وقصيدة يصدق فيها قول حماد عن شعر أبي ربيعة: «هو الفستق المقشر الذي لا يشبع منه»، يأخذنا الشاعر في جولة ماتعة ووجبة شعرية تستحق الدراسة والتذوق.
بقي أن أقول: إنني بدأت كتابة هذا المقال وقد أُعلن عن دخول الديوان ضمن القائمة الطويلة لإحدى أهم الجوائز الأدبية. وكنت على يقين بأن الديوان لن يكون مرشحًا لدخول القائمة القصيرة، فضلًا عن الفوز بها؛ لا لضعف في شعر الشاعر، ولكن لأن للجائزة، في ظني، معايير تبحث عن الأسلوب الذي اطّرحه الشاعر ورآه هجينًا، ورفض أن يمتطيه، وهو الذي اعتاد صهوات العتاق من الخيل!
** **
- مفلح البلوي
X: @abuyaara