ثمة نوافذ لا تُكسر في الشوارع، ولكن في أماكن أخرى قد تكون في العقل أو الذائقة أو حتى الأدب، حيث تقول نظرية «النافذة المكسورة» إن نافذة واحدة تُترك محطمة من دون إصلاح قد ترسل رسالة ضمنية بأن المكان بلا عناية، وأن مزيداً من الفوضى يمكن أن يحدث دون مساءلة، وهذه النظرية بدأت في عام 1969 أجرى عالم النفس في جامعة ستانفورد فيليب زيمباردو (Philip Zimbardo) ولاحقاً في عام 1982، اشتهر وتوسع مفهوم «النوافذ المكسورة» بصورة أكبر من خلال عالمي الاجتماع جيمس ويلسون (James Q. Wilson) وجورج كيلينغ (George L. Kelling)، اللذين طرحا أن معالجة مظاهر الفوضى والإهمال الصغيرة قد تساعد في منع تراكمها وتحولها إلى مشكلات اجتماعية أكبر. وهنا تكمن الفكرة الأساسية للنظرية: النافذة المكسورة ليست المشكلة في ذاتها فقط، وإنما الرسالة التي ترسلها: «لا أحد يهتم» وعندما تتكرر هذه الرسالة، يمكن أن تصبح الفوضى أمراً عادياً، وربما نستطيع استعارة هذه الفكرة لنسأل: ماذا يحدث للأدب عندما نتوقف عن نقده؟ قد تكون «النافذة الأولى» رواية ركيكة يُبالغ في الاحتفاء بها، أو لغة ضعيفة نتسامح معها، أو بناءً سردياً مختلاً لا يجرؤ أحد على مناقشته، المشكلة ليست في وجود العمل الضعيف، فكل ثقافة تنتج أعمالاً متفاوتة القيمة، وإنما في أن يصبح الصمت حول الضعف قاعدة، والمجاملة بديلاً عن النقد. ثم تأتي نافذة أخرى، يصبح الناقد صديقاً للكاتب، والكاتب صديقاً للناشر، والقارئ محاطًا بعبارات من قبيل «عمل استثنائي» و»رواية مدهشة» و»صوت مختلف»، حتى تفقد الكلمات معناها، وعندما يصبح كل كتاب جميلاً، لا يعود الجمال معياراً، وعندما يصبح كل كاتب مبدعاً، تصبح كلمة الإبداع نفسها بلا دلالة. هنا لا يفسد الأدب بسبب الكتابة السيئة وحدها، إنما بسبب غياب النظام النقدي القادر على التمييز. والنقد الحقيقي ليس شرطياً يقف أمام النص بحثاً عن أخطائه، ولا خصومة شخصية مع صاحبه، إنه شكل من أشكال العناية بالأدب، فالناقد الذي يشير إلى خلل في رواية لا يكسر نافذتها، إنما يحاول إصلاح النافذة التي تُركت مكسورة، والأخطر أن اعتياد المجاملة يغيّر الكاتب نفسه، فإذا كان كل ما يكتبه يُستقبل بالتصفيق، فما الذي سيدفعه إلى إعادة الكتابة؟ ولماذا يحذف فصلاً زائداً، أو يعيد بناء شخصية هشة، أو يراجع لغته، أو يشك في نهايته؟ النقد لا يمنح الأدب قيمته فقط، إنما يجبر المبدع على النم، لهذا يمكن أن تكون «النافذة المكسورة» استعارة مناسبة لحال المشهد الأدبي حين يغيب عنه النقد الجاد: خطأ صغير نتغاضى عنه، ثم آخر نجامل صاحبه فيه، ثم ثالث نصمت عنه، حتى نستيقظ ذات يوم وقد اعتدنا الرداءة ولم نعد نراها، لكن علينا أن نحذر من الوجه الآخر للفكرة، فليس المطلوب أن يتحول النقد إلى سلطة تحدد ما يجوز أن يسمى أدباً، الأدب بطبيعته يحتمل التجريب وكسر القواعد، وقد يكون ما يبدو اليوم خروجاً على المألوف بدايةً لجمال جديد. إذن ليست كل نافذة مختلفة نافذة مكسورة، المشكلة تبدأ حين نفقد القدرة على التفريق بين التجريب والضعف، وبين الاختلاف والركاكة، وبين الاحتفاء والمجاملة، ربما لهذا يحتاج الأدب إلى النقد أكثر مما يحتاج إلى المديح وهذا بديهي ، والأكيد أن النافذة المكسورة في الأدب لا يصنعها الكاتب وحده، ثمة منظومة كاملة قد تشارك، من دون قصد، في إبقائها مكسورة: ناشر يبحث عن الاسم الأكثر رواجاً، وصحافة ثقافية تستبدل النقد بالترويج، ومنصات تواصل تقيس قيمة الكتاب بعدد الصور والمنشورات، وقارئ يتردد في إعلان خيبته من عمل احتفى به الجميع، وهنا تتحول المجاملة من سلوك فردي إلى ثقافة أدبية. ففي بعض الأوساط الأدبية أصبح النقد يُفهم باعتباره إساءة، والملاحظة خصومة، والاختلاف تقليلاً من شأن الكاتب، لذلك يختار كثيرون الصمت، أو يلجؤون إلى اللغة الرمادية التي تقول كل شيء إلا الحقيقة، نقرأ عبارات مثل: «تجربة لافتة»، و»صوت يستحق التأمل»، و»عمل يطرح أسئلة مهمة»، بينما يظل السؤال الحقيقي غائباً: هل هذا عمل أدبي جيد فعلاً؟ ولماذا؟ وحين يغيب هذا السؤال، تتشابه القيمة الأدبية مع الشهرة. يصبح الأكثر حضوراً هو الأفضل، والأكثر مبيعاً هو الأجود، والأكثر تداولاً هو الأحق بالبقاء. مع أن تاريخ الأدب يخبرنا أن السوق يستطيع أن يصنع الانتشار، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع القيمة، ولعل وسائل التواصل الاجتماعي أضافت نافذة أخرى إلى هذا المشهد، فالكتاب اليوم لا يصل إلى القارئ مجرداً من الأحكام، تسبقه صور الغلاف، وحفلات التوقيع، ومقاطع الثناء، وعدد المتابعين، وآراء الأصدقاء والمؤثرين، وهكذا قد تتشكل حول العمل هالة من القيمة قبل أن تبدأ القراءة نفسها، والأكثر خطورة أن غياب النقد لا يضر الأعمال الضعيفة وحدها، إنما يظلم الأعمال الجيدة أيضاً، ففي فضاء يُمدح فيه الجميع باللغة نفسها، كيف نميز الرواية التي اشتغل صاحبها سوات على بنائها ولغتها وشخصياتها من رواية لم تخضع للمراجعة الكافية؟ إن المساواة في المديح ليست عدلاً لأنها تمحو الفروق التي يصنعها الاجتهاد والموهبة والمعرفة، لهذا فالنقد ليس عدواً للمبدع، إنما أحد أشكال احترامه، أن أقول لكاتب إن شخصية في روايته لم تنضج، أو أن النهاية جاءت مفتعلة، أو أن اللغة طغت على الحكاية، أكثر احتراماً له من أن أصفق لنصه ثم أنساه. فالبيئة الأدبية الصحية ليست تلك التي لا تُكسر فيها النوافذ، فهذا مستحيل، لأن الأدب تجربة بشرية تقوم على المحاولة والخطأ والمغامرة، البيئة الصحية هي التي تلاحظ النافذة المكسورة، وتتحدث عنها، وتسأل لماذا انكسرت، ثم تحاول إصلاحها دون أن تهدم البيت كله، وهنا يصبح النقد فعل محبة، لا فعل إدانة، فالأدب الذي يخشى النقد أدب يخشى المرآة، والمشهد الثقافي الذي يستبدل الناقد بالمصفق قد يبدو جميلاً من الخارج، لكنه مع الوقت يفقد أهم ما يحفظ حيويته: القدرة على التمييز. وربما تكون أخطر نافذة مكسورة في أي ثقافة ليست كتاباً رديئاً صدر، وإنما كتاباً رديئاً اتفق الجميع على أنه جميل لأن أحداً لم يجرؤ على قول غير ذلك..! فالأدب لا يخشى النوافذ المكسورة ، بقدر ما يخشى العيون التي تراها وتختار الصمت ، وحين يغيب النقد ، لا تنتصر الرداءة فحسب ، بل نفقد تدريجياً قدرتنا على معرفة الجمال والابداع.
** **
د. زينب الخضيري - أديبة و روائية ومستشار ثقافي.