الثقافية - سمر العزام:
من شغف القراءة إلى البحث في الأدب والنقد، تشكّلت تجربة الناقدة والأديبة الدكتورة هدى محمد المطلق، واتسعت لتشمل تلقي قصيدة النثر والقصة القصيرة جدًا والرواية البوليسية.. وفي هذا الحوار مع «الجزيرة الثقافية»، تتأمل تحولات المشهد الأدبي السعودي، ودور الناقد في زمن المنصات الرقمية، وحضور المرأة في الكتابة والنقد، وما تطرحه تقنيات الذكاء الاصطناعي من أسئلة حول مستقبل الإبداع وخصوصية التجربة الإنسانية.
كيف بدأت علاقتك بالنقد الأدبي، وما الذي جذبك إليه بوصفه مجالاً للبحث والاشتغال الأكاديمي؟
بدأت علاقتي بالأدب منذ الصغر، من خلال شغفي بالقراءة وولعي بالقصص والمجلات الأدبية، حتى غدت القراءة صحبة راسخة تجاوزت حدود الهواية. وحين التحقت بجامعة الملك سعود لدراسة اللغة العربية، وجدت في دروس الأدب والنقد والشعر العالم الذي كنت أبحث عنه؛ عالماً يتجاوز قراءة النص إلى اكتشاف جمالياته ودلالاته وطرائق تشكله وتأثيره في القارئ.
وقد أسهم أساتذتي وأستاذاتي بعد فضل الله في تحويل هذا الميل إلى شغف معرفي، دفعني إلى مواصلة دراساتي العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حتى نلت الدكتوراه في الأدب والنقد. وهكذا انتقلت علاقتي بالنص من متعة القراءة إلى مساءلته وتحليله والبحث في أبعاده الجمالية والفكرية. وأؤمن أن الناقد الحقيقي يبدأ قارئاً مفتوناً بالنص، ثم يحوّل هذا الافتتان إلى معرفة وسؤال وتأمل.
كيف تقرأين واقع النقد الأدبي السعودي اليوم؟ وهل يواكب حجم الإنتاج الإبداعي المتزايد في المملكة؟
أرى أن النقد الأدبي السعودي يعيش اليوم حالة من الحراك، لكنه يواجه تحديّا في مواكبة التحولات المتسارعة في المشهد الإبداعي. وأعتقد أن الفجوة بين النقد والإبداع لا تُقاس بحجم الإنتاج وحده؛ فوفرة النصوص لا تعني بالضرورة وفرة الأعمال ذات القيمة الفنية، كما أن كثرة النشر لا تستدعي بالضرورة كثرة النقد الجاد. وقد شهد المشهد الأدبي السعودي ظهور أشكال كتابية أثارت أسئلة نقدية مهمة، وفي مقدمتها قصيدة النثر، التي تناولتُ تلقيها في المملكة العربية السعودية في أطروحتي للدكتوراه. وأرى أن التعامل مع هذه الأشكال يقتضي قراءتها قراءةً واعية قبل الحكم عليها؛ فوظيفة النقد ليست حراسة الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، بل اختبار النصوص الجديدة، والكشف عن قيمتها الجمالية، وفهم التحولات التي تعكسها.
ومن هنا أرى أن النقد السعودي بحاجة إلى مزيد من الانفتاح على التجارب الإبداعية الجديدة، دون التفريط في أدواته ومعاييره. فالتحدي الحقيقي ليس أن يوازي النقد الإنتاج الإبداعي عدداً، بل أن يوازيه وعيًّا وعمقًا وقدرةً على اكتشاف النصوص التي تضيف إلى الأدب.
شهد الأدب السعودي خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة؛ ما أبرز هذه التحولات من وجهة نظرك، وأين تكمن مناطق القوة والضعف فيها؟
شهد الأدب السعودي في السنوات الأخيرة تحولات لافتة، أبرزها اتساع دائرة التجريب وتنوع الأجناس والأشكال الأدبية، وجرأة أكبر في تناول القضاياالإنسانية والاجتماعية، إلى جانب تنامي حضورالمرأة السعودية وتنوع تجاربها الإبداعية.
كما أسهم التحول الرقمي في تغيير عادات القراءة والتلقي، وانعكس ذلك على الكتابة من خلال الميلإلى التكثيف وتسارع الإيقاع، واقتراب بعض التجارب الروائية من الحساسية السينمائية. ولا أرى ذلك ضعفًا بالضرورة، بل استجابة لتحولات الوسيط وأنماط التلقي.
أما مكامن القوة، فتتمثل في التنوع والانفتاح وظهور أصوات جديدة، في حين يكم الضعف المحتمل في أن تتحول سهولة النشر وسرعة الانتشار إلى بديل عن النضج الفني. فليس كل نص منشور تجربة مكتملة الأدوات، كما أن الاستجابة لمتطلبات السوق والمنصات قد تأتي أحياناً على حساب مقتضيات الفن. وأرى أن المشهد الأدبي السعودي، على اتساعه، يحتاج إلى مزيد من التأنّي في الكتابة والقراءة والنقد. فالقيمة الحقيقية لا تتحقق بكثرة الأصوات وحدها، بل بما تضيفه من تجارب قادرة على البقاء.
في مقابل صعود الرواية، هل ترين أن القصة القصيرة فقدت شيئًا من حضورها، أم أنها ما تزال قادرة على المنافسة والتجدد؟
لا أعتقد أن القصة القصيرة فقدت قدرتها على المنافسة والتجدد، وإن كانت قد فقدت شيئًا من حضورها الجماهيري والإعلامي أمام الصعود اللافت للرواية، التي استحوذت على مساحة واسعة من اهتمام الناشرين والقراء والجوائز.
لكن تراجع الحضور لا يعني تراجع القيمة؛ فالقصة القصيرة تمتلك من خصائص التكثيف والإيحاء ما يجعلها قادرة على مواكبة تحولات القراءة الرقمية وإيقاعها المتسارع. كما أن ظهور أشكال تجريبية، مثل القصة القصيرة جدًّا، يكشف عن استمرار البحث في إمكانات هذا الفن وحدوده.
ولا أرى أن صعود الرواية يعني أفول القصة القصيرة؛ فالأجناس الأدبية لا يلغي بعضها بعضًا، وإنما تتغير أشكال حضورها بتغير القارئ ووسائط التلقي. وربما تكمن فرصة القصة القصيرة اليوم في استثمار خصائصها الفنية، وقدرتها على بناء عالم متكامل وترك أثر عميق في مساحة محدودة.
اشتغلت على القصة القصيرة جدًّا نقديًّا؛ بعد سنوات من حضور هذا اللون الأدبي، هل استطاع أن يثبت نفسه جنسًا أدبيًا مستقلاً، أم ما يزال موضع جدل؟
أعتقد أن القصة القصيرة جدًّا استطاعت أن تفرضحضورها في المشهدين الإبداعي والنقدي، وإن ظلاستقلالها بوصفها جنسًّا أدبيًّا موضع جدل. ولا أرى استمرار هذا الجدل أزمة بالضرورة أزمة؛ فالأجناس الأدبية تحتاج إلى تراكم إبداعي ونقدي حتى تتبلور خصائصها وحدودها.
وقد تناولت في كتابي «التلقي النقدي للقصة القصيرة جدًا في المملكة العربية السعودية»، من خلال مقاربة تتجاوز قصر النص إلى دراسة طبيعة تلقيه وأسئلته الجمالية. وأرى أن القصة القصيرة جدًا في تجاربها الجيدة ليست مجرد قصة قصيرة مختزلة، بل كتابة تقوم على التكثيف والإيحاء، وتمنح الفراغات والدلالات المضمرة دورًا أساسيًّا في إنتاج المعنى.
لذلك لا يحسم استقلالها بمجرد تسميتها، وإنمابمدى امتلاك نصوصها خصائص فنية تميزها عن الأجناس الأدبية القريبة منها. وفي تقديري، قطعت القصة القصيرة جدًّا شوطًا مهمًا في إثبات حضورها، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التراكم الإبداعي والنقدي. فما يستوقفني في هذا اللون أنقلة الكلمات لا تعني بالضرورة قلة المعنى، بل قدتتحول المساحة المحدودة إلى كثافة دلالية وجمالية.
تناولت الرواية البوليسية في الأدب العربي الحديث؛ لماذا ظل أدب الجريمة والرواية البوليسية أقل حضورًا في الأدب العربي مقارنة بالآداب العالمية؟
أعتقد أن محدودية حضور الرواية البوليسية في الأدب العربي ترتبط بجملة من العوال الثقافية والإبداعية، منها محدودية التراكم في هذا الجنس الأدبي، وقلة الاهتمام النقدي به مقارنة بأجناس سردية أخرى، فضلاً عن أن الكتابة البوليسية تتطلب صنعة سردية دقيقة، تقوم على إحكام الحبكة، وإدارة المعلومات، وبناء التشويق، والمفاجأة.
ومع ذلك، أرى أن المشهد الثقافي السعودي اليوم يتيح فرصاً أوسع لتجريب هذا اللون؛ فقد لمستُ من خلال التي قدمتها في كتابة أدب الجريمة اهتماماً واضحاً به، ورغبة لدى عدد من المشاركين في خوض تجربته، بل إن بعضهم انتقل إلى كتابة أعمال ونشرها.
أتحفظ قليلًا على وصف الرواية البوليسية في الأدب العربي بأنها أقل حضورًا بالضرورة؛ لأن تجربتي البحثية والميدانية معها جعلتني أرى المشهد بصورة أكثر تعقيدًا. فقد اشتغلت على هذا اللون في كتابي «الرواية البوليسية في الأدب العربي الحديث»، ثم أتيحت لي بعد ذلك فرص للاحتكاك المباشر بالقراء والكتّاب والمهتمين بهذا النوع، وهو ما جعلني أكتشف أن الاهتمام به أكبر مما قد يوحي به حضوره في المشهد المنشور.
وأعتقد أن الرواية البوليسية قادرة على تجاوز حدود الجريمة حدثاً، لتطرح أسئلة أعمق حول العدالة والدوافع الإنسانية والتحولات الاجتماعية. والتحدي الحقيقي ليس في زيادة عدد الأعمال، بل في إنتاج روايات محكمة فنياً، تنطلق من خصوصية البيئة العربية، وتنافس التجارب العالمية في جودة البناء وثراء الدلالة.
هل تعتقدين أن التحولات الاجتماعية والثقافية الراهنة في المملكة يمكن أن تفتح مساحة أوسع لازدهار أدب الجريمة والرواية البوليسية؟
نعم، أعتقد أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المملكة تتيح مساحة أوسع لازدهار أدب الجريمة والرواية البوليسية؛ فالأدب يتفاعل مع تحولات الإنسان والمجتمع، وتتسع إمكانات الكتابة كلما تنوعت التجارب والأسئلة الإنسانية. كما أن الحراك الثقافي واتساع حركة النشر والبرامج التدريبية يتيح للكتاب فرصًا أكبر للتجريب.
ولا تقتصر الرواية البوليسية على الجريمة ذاتها، بل تفتح المجال لطرح أسئلة حول العدالة والدوافع الإنسانية والتحولات الاجتماعية. غير أن ازدهارها لا يعتمد على توافر المناخ الثقافي وحده، بل يحتاج إلى صنعة سردية محكمة، وحبكة متماسكة، وقدرة على بناء التشويق دون افتعال. وأرى أن المرحلة الحالية مواتية لتطور هذا اللون في المملكة، شريطة أن تقترن الرغبة في الكتابة بتجارب ناضجة فنيًّا، وبحركة نقدية تدرسها وتكشف إمكاناتها.
إلى أي مدى أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في تغيير علاقة القارئ بالنص الأدبي، وهل صنعت هذه المنصات معايير جديدة للقيمة والشهرة الأدبية؟
أعتقد أن المنصات الرقمية غيّرت علاقة القارئ بالنص الأدبي تغييرًا كبيرًا؛ إذ جعلت الوصول إلى الكتب والنصوص أكثر سهولة، وأسهمت في انتقال الأدب من فضاء المكتبات إلى تفاصيل الحياة اليومية. ومن المبادرات اللافتة في هذا السياق إتاحة محتوى أدبي عبر الوسائط الرقمية في بعض الأماكن العامة، بما يحوّل أوقات الانتظار إلى فرص للقراءة.
لكن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة عمق التلقي؛ فتدفق المحتوى وسرعة الانتقال بين النصوص قد يجعلان القراءة أقرب إلى الاستهلاك السريع منها إلى التأمل؛ فأصبح من الممكن لنص أن ينتشر انتشارًا واسعًا خارج المؤسسات الثقافية التقليدية، وأصبح القارئ شريكًا أكثر حضورًا في صناعة الانتشار. ومع ذلك لا أرى أن عدد القراءات أو الإعجابات معيار كافٍ للقيمة الأدبية؛ فالانتشار شيء، والقيمة الفنية شيء آخر. لقد منحت المنصات الأدب فرصة أوسع للوصول إلى الجمهور، لكنها طرحت في المقابل سؤالاً جوهرياً: كيف نحافظ على عمق القراءة في زمن أصبحت فيه النصوص متاحة أكثر من أي وقت مضى؟
في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي وقدرته على إنتاج نصوص أدبية ونقدية، ما الذي سيبقى حكرًا على الكاتب والناقد الإنسان؟
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح قادرًا على إنتاج نصوص أدبية ونقدية متماسكة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية التي تمنح الكتابة عمقها وخصوصيتها. فالكاتب لا يكتب من اللغة وحدها، بل من ذاكرته، وتجربته، وتاريخه، وعلاقته بالعالم، ومن مشاعر الفرح والفقد والخوف والحب وغيرها من التجارب التي تشكل رؤيته للحياة.
وما يميز الكاتب الإنسان في رأيي، ليس مجرد القدرة على صياغة اللغة، بل امتلاك التجربة والرؤية اللتين تمنحان النص خصوصيته. وينطبق ذلك على الناقد أيضاً؛ فالذكاء الاصطناعي قد يساعده في البحث والمقارنة والتحليل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن وعيه النقدي وخبرته القرائية وحساسيته تجاه اللغة والسياق.
لذلك لا أرى أن التحدي يكمن في منافسة الآلة في إنتاج اللغة، بل في الحفاظ على ما يجعل الكتابة فعلاً إنسانياً: التجربة، والذاكرة، والرؤية، وعمق الشعور، والقدرة على تحويل الحياة التي عاشها إلى معنى أدبي. فالأدب ليس كلمات مرتبة فحسب، وإنما تجربة إنسانية تتخذ من اللغة شكلاً لها.
ما الذي يحتاج إليه المشهد النقدي السعودي اليوم لصناعة جيل جديد من النقاد القادرين على مواكبة التحولات المتسارعة في الأدب والثقافة؟
أعتقد أن صناعة جيل جديد من النقاد تبدأ بإعادة النظر في مفهوم التكوين النقدي؛ فالناقد لا تصنعهالشهادة الأكاديمية أو معرفة المناهج وحدها، بلتصنعه القراءة الواسعة، والممارسة المستمرة، والقدرة على تطوير وعيه النقدي.
نحن بحاجة إلى ناقد يجمع بين رسوخ الأدوات المنهجية والانفتاح على الأدب العربي والعالمي، ويوظف مناهجه في قراءة النصوص دون أن يحوّلها إلى تطبيقات آلية. كم يحتاج إلى الانفتاح على الأجناس والأشكال الأدبية الجديدة، وقراءتها قبل الحكم عليها، ومواكبة التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي ووسائطه الرقمية.
وأرى أن للجامعات دوراً أساسياً في هذا التكوين، من خلال تدريب الطلاب على تحليل النصوص والحوار والمناقشة والبحث، بدل الاكتفاء بتلقين المناهج والمصطلحات. كما أن الاحتكاك بالمبدعين والفعاليات الثقافية وورش الكتابة يوسّع خبرة الناقد ويقربه من تحولات المشهد الأدبي.
وفي تقديري، الناقد الذي نحتاجه اليوم هو ناقد راسخ في معرفته، مرن في أدواته، واسع في قراءته، ومنفتح على الجديد، يمتلك فضولاً معرفياً متجدداً، دون أن يتخلى عن المعايير التي تمنح النقد قيمته.
بعد هذه الرحلة في البحث والنقد، ما لقضية الأدبية أو النقدية التي ما تزال تشغلك، وتتمنين أن تكون محور مشروعك البحثي المقبل؟
أستعد حاليًا لإصدار كتابي الجديد «ما وراء النقوش: تلقي قصيدة الإبيجراما في النقد العربي الحديث»، وهو امتداد لاهتمامي بالأشكال الأدبية القصيرة وقضايا التلقي النقدي، لكن اهتمامي البحثي يتجه أيضاً نحو موضوعات أكثر اتصالاً بالسياق الثقافي والإنساني المعاصر، تجمع بين الرصانة العلمية والقدرة على الوصول إلى القارئ غير المتخصص.
أصبحت تشغلني بصورة أكبر علاقة النقد بالقارئ العام؛ إذ أرى أن النقد لا ينبغي أن يظل حبيس الدوائر الأكاديمية، بل يستطيع أن يقدم معرفة عميقة بلغة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأدب والثقافة، دون أن يتنازل عن أدواته العلمية. ولدي بالفعل مشروع بحثي جديد في هذا الاتجاه، ما يزال طور الإعداد، وأفضل أن أترك تفاصيله إلى حين اكتماله.