تقف لغتي، بكل ما ورثته من هجاء العرب وشتائمهم، أمام وصف الحوثي الإرهابي، فتستدعي كل صفة وُضعت لذمِّ خُلُق، وكل كلمة استقبح بها العرب فعلًا، ثم تلقي بها جميعًا في وجهه: خائن، غادِر، مُخَادِع، خبيث، ناكث، مجنون، كاذب، مُدلِّس، عدو، غَريم، أفَّاك، أَجْوَف، فارغ، خالٍ، خاوٍ، دَجّال، زائِف، مُحْتَال، مُخْتَلِق، مُرْجِف، مُفْتَرٍ، خَاذِل، فَاشِل، مَهْزُوم، مُخْفِق، أَبْلَه، أَعْجَف، جَبان، خاضِع، خَائِر، خَوّار، ذاوٍ، ذَابِل، رَكِيك، سَقِيم، ضَئِيل، ضَامِر، عَاجِز، غَبِيّ، مُغَفَّل، هَشّ، وَاهِن، مُنْخَفِض، مَخْفِيّ، دَنِيء، سَاقِط، خَسِيس، ذَلِيل، مُهَان، حَقِير، مذمومٌ بكل ألفاظ اللغة.
خمسون كلمة، ومئة، وألف، تتدافع من بطون المعاجم العربية، وتخلع عن نفسها حيادها اللغوي، لتشهد على بشاعة عصية على التسمية. تتسع هذه الكلمات في الجذور والدلالات والمعاني، وتضيق عن تعريف القبح الأخلاقي لميليشيا الحوثي.
قبل أيام، أستهدف العدو الغاشم مطار الملك خالد الدولي. المطارات هي الأماكن الأكثر إنسانية في العالم، الفضاء الذي نعترف فيه بهشاشتنا بين رائحة الصالات وحركة القادمين والمغادرين، وفيها يحمل الناس أسرارهم وودائعهم، بهجة منتظرة، عمل قادم، محب مشتاق، معتمر مترقب، ومسافرون كثر، غافلون، آمنون، غير أن الإرهاب اختار لهم حسابًا منحطًا وقسمة شيطانية، فمس أمنهم وطمأنينتهم، وفي فعله دليل عجزه وخوره وخسارته.
ثمة امرأة أو ملاك تُدعى: (عبير بنت عبد الله العجمي)، موظفة في المطار، أظهرها مقطع مصوَّر وهي ترشد المسافرين وسط الخطر، كتبتُ عنها حينها:
الموظفة في المطار امرأة من طين الجنّة، من سُلالة الذين إذا زلزلت الأرض ازدادوا ثباتًا، وإذا استبدّ الخوف خرجت من أرواحهم طمأنينة تكفي العالم. فارسة نبيلة أودعت السماء في قلبها ثبات الجبال، وفي روحها عظمة الأساطير.
وسط الفزع، وقفت كالمحارب الأخير، مدفوعة بالولاء والإنسانية والوطنية، كان بوسعها أن تبتعد، أن تستجيب لغريزة الخوف، لكنها اختارت أن تكون الطريق والوجهة والهداية، رفعت يدها لتدلّ الناس، وقطعت عهدًا مع أرواحٍ لا تعرفها ألّا تتركها وحيدةً أبدًا.
سلامٌ عليك،
وعلى قلبك الذي لم يتراجع،
وعلى يدك التي ظلّت مرفوعة،
وعلى تلك الوقفة الشامخة التي تستحق الخلود في ذاكرة التاريخ.
تجاوزت التغريدة مليوني مشاهدة في أقل من يوم، مع آلاف من الاقتباسات والتعليقات والردود التي تقول: «كلنا عبير العجمي»، كلنا تلك اليد، وهذا الضمير، وذاك الفخر، كأن السعوديين وجدوا في عبير شيئًا من أنفسهم، من تربتهم الأصيلة، من أخلاق جدودهم، ومعدن وطنهم، فبطولة عبير بطولة جماعية، وإرث مشترك، وعهد شجاعةٍ ووفاءٍ للسعودي الذي لا يخاف.
نحن أبناء هذه الأرض الصحراوية العظيمة، رضعنا الإباء والعزة والصلابة منذ ولدنا، وتشرّبنا من أسلافنا كبرياء من روضوا الوحشة، وحملوا المروءة. وحين وقفت عبير، وقف معها تاريخ طويل من الشهامة والحميّة، كأن الأرض التي أنجبتها أرادت أن تقول للعالم، على لسان امرأة واحدة، من نحن.
هذه هزيمة من هزائم كثيرة لم يحسب الحوثي حسابها؛ أن يرسل شقوته إلى مكان آمن، فيخرج من قلب الفاجعة مَن يُعلَّم الشجاعة، ويجسد القوة، أراد الحقير أن يترك في ذاكرة السعوديين مشهدًا مخيفًا، فاستقر فيها، رغمًا عنه، مشهدٌ بطوليٌ عظيم، وحين حاول، وهو صاغر، أن يُسمعنا صوت سلاحه، غلبته يدٌ مرفوعة هي إشارة النجاة والنصر بحول الله وقوته.
أعود إلى لغتي التي بدأت بها، إلى خمسين مذمّة في معاجم العرب التي اتسعت لأسماء الرذائل كلها، فأجدني أخشى على الألفاظ من أن يبتذلها وصفه؛ فقد اُستعملت قرونًا في تجريم أفعال متفرقة، حتى جاء الحوثي فجمعها في سيرة واحدة.
ولعل أقسى عقوبات التاريخ أن يتحوّل اسمه إلى شتيمة؛ فيكفي أن يُقال عن كل خائن وغادر وجبان وخسيس: حوثي، في استعارةٍ تُحيل إلى ما عجزت أن تحيط به الكلمات.
** **
د.بدور بنت محمد الفصَّام - أكاديمية في جامعة الملك سعود