يقول سينيكا: «نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع»، وعند الأدباء الخيال مضاعف؛ فقد يدفع الأديب من طمأنينته ثمن ما يتخيّله؛ فيمنح الاحتمال جسدًا ذا وجهٍ وصوت، ثم يجلس ويصغي إليه، وربما بلغت الحكاية في رأسه تمامها، وصار ينتظر من أصحابها أن يلحقوا بها.
كنتُ أنا والدكتور أحمد القيسي في زيارة لجمعية الأدب المهنية، بدعوة من رئيسها التنفيذي، الأديب ابن الأديب، الأستاذ عبدالله بن إبراهيم مفتاح، وأخذنا الحديث عن الجمعية وعن الوسط الثقافي، ثم استطرد بنا المجلس على عادة الأدباء، ومن حسن الحظ أنني سمعت منه حكايةً تجمع اثنين من كبار أعلامنا، فرأيت أن أوثّقها وفاءً لأصحابها وحفظًا لشيء من ذاكرتنا الثقافية:
روى لنا الأستاذ عبدالله قصة انطلاق الجمعية، وذكر أنه اتصل بالدكتور عبدالله الغذامي -حفظه الله- يدعوه إلى حفل إطلاقها في مدينة حائل. وقال له: «لدينا حفل انطلاق جمعية الأدب المهنية». فقال الغذامي: «ماذا؟ مهنية!» ذكر الأستاذ عبدالله أنه تلعثم وارتبك، وأخذ يقول: «المهنية تعني...»، فقاطعه الغذامي: «لا تبرر» حاول مرة أخرى: «يا دكتور، مهنية تعني...» فعاد الغذامي يقاطعه: «لا تبرر» ثم قبل الدعوة وأن يلقي كلمة في الحفل.
ولكم أن تتخيلوا حال هذا الرئيس التنفيذي بعد المكالمة؛ ماذا سيقول الدكتور عن «مهنية»؟ ومن يعرف الغذامي يعرف مقدار ما يستطيع أن يستخرجه من لفظة ما وسياقاتها، وكيف يأخذها إلى معانٍ تتجاوز ما دار في خاطر قائلها. والحق أنني أعذر الأستاذ عبدالله؛ فهو يحمل همَّ جمعية في أول عهدها بالحياة، ويريد ليوم انطلاقها أن يمر بردًا وسلامًا، وأكاد أراه يقلّب تلك النبرة في خاطره، ويصل ما سمعه بما يخشاه؛ فإذا بالدكتور يصعد إلى المنصة في خياله، حفلًا بعد حفل، ومرةً بعد مرة.
ولو كان سهمًا واحدًا لاتقيته
ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ
وجاء الموعد وصعد الغذامي إلى المنصة، وفاجأه بخطاب وصفه لي الأستاذ عبدالله بأنه «يُكتب بماء الذهب»، تناول فيه اللفظة وفتح لها آفاقًا أدهشته، ثم نزل من المنصة وراح يسلّم على الجالسين في الصف، وعبدالله يمشي إلى جواره حتى اقتربا من الأستاذ سعيد السريحي رحمه الله رحمة واسعة.
وهنا استطرد الأستاذ عبدالله، وذكر من شأنهما ما يعرفه القراء، وهو أمر يمتد إلى سنوات طويلة، وأنه كان، وهو يرافق الدكتور، ينتظر ما سيحدث عند الوصول إليه. ولعل هذه اللحظة أيضًا كانت تتسع في خياله كثيرًا لما قد يُقال، ولما قد يبقى بلا جواب.
توقف الغذامي عند السريحي، ثم نظر إلى عبدالله والحاضرين، وقال وهو يضحك ويشير بيده إلى صاحبه: «من هذا؟» فأجابه السريحي: «تلميذك، طال عمرك»، وتعانقا كأن لم يكن بينهما شيء.
سأترك حكاية مضيفنا أبي إبراهيم عند هذا العناق، وأبقى مع جواب السريحي؛ فهو رجل له اسمه وأثره وصوته الذي نعرفه. وقد تساءلت طوال طريق عودتي: لماذا اختار في تلك اللحظة كلمة تلميذك؟ فتارةً أقرأ في اختياره ثقةً بالنفس وتقديرًا للرجل الواقف أمامه، وتارةً أعزو ذلك إلى تواضعه الذي يعرفه القريبون منه. ولعل الأمر أبسط من ذلك كله؛ فقد وجد العبارة اللطيفة التي تبلغ قلب صاحبه، وقالها بتلك الأريحية التي أحبها في الكبار.
يقول مونتين عن صديقه: «لأنه هو، ولأنني أنا».
** **
أسامة بن يحي الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر