تظل السيرة الذاتية مجالًا خصبًا لاكتشاف المسافة التي قطعها كاتبها منذ ولادته حتى كتابة سيرته، ومعرفة الكيفية التي تشكّلت بها شخصيته ونضجت، وجعلت من حياته سيرة تستحق أن تُروى. وكتاب «حياتي بين الطب والحرب» للواء الطبيب عطية محمد الزهراني يمثّل أنموذجًا فريدًا لسيرة تتخلّق في المساحة التفاعلية القائمة بين حقلين يبدوان متناقضين للوهلة الأولى: الرحمة الشافية (الطب)، والانضباط الصارم (الحرب). وهي سيرة تتجاوز حدود التدوين الشخصي إلى استحضار مرحلة تاريخية واجتماعية ومهنية عاشها الكاتب، أو عاصرها، أو أسهم في تشكيل بعض أحداثها.
وإذا كانت السيرة الذاتية جنسًا أدبيًا تتجاور فيه الذاكرة والاعتراف والتاريخ، فإن «حياتي بين الطب والحرب» تتيح للقارئ أن يتأمل هذه العناصر مجتمعة، وأن يقرأ التجربة في ضوء مفهوم البينيّة؛ بوصفها مسافة فاصلة وواصلة في آن واحد بين عوالم متقابلة، لا تتنافى بالضرورة، وإنما تتفاعل لتنتج شخصية الكاتب، وتمنح سيرته بنيتها الدلالية. فالبينيّة مسافة فيزيائية، ونقطة تماس بين متقابلين، وفضاء محايد تتفاعل فيه المتقابلات وتتولد منه دلالات جديدة. وهي، في الوقت نفسه، رؤية واستراتيجية سردية يتنقل فيها السارد بين أكثر من موقع، ليسرد ذاكرته وتجاربه من زوايا عدة؛ وعلى هذه البينيّة بنى الزهراني كتابه في مناصّاته ونصّه.
البينيّة في التناص والمناص
يتناص عنوان سيرة الزهراني مع كتاب «حياة في الإدارة» لغازي القصيبي، و«حياتي مع الجوع والحب والحرب» لعزيز ضياء، و«مسيرتي مع الحياة» للدكتور محمد أحمد الرشيد، و«حياتي» لأحمد أمين، وكتاب «حياة» للشيخ علي الطنطاوي، وغيرها من كتب السير. وهذا أمر طبيعي؛ فالسيرة ترتكز على حياة أصحابها. وتمتاز سيرة الزهراني بخلق مساحة فنية بينيّة من الطب والحرب، تختزلها «بين»، وتحيل إلى مسافة يتحرك فيها الكاتب، ويجعل من البينيّة مكوّنًا دلاليًا يتجاوز العلاقة بين مهنتين إلى علاقات أخرى تتكشف في ثنايا السيرة.
وبما أن الغلاف عتبة موازية نلج من خلالها إلى النص، فقد جاءت فيه صورة الكاتب منشطرة طوليًا؛ إذ يظهر في النصف الأيمن بمعطفه الطبي، حاملًا كتابًا وسماعة، وفي الخلفية صورة لغرف المرضى في المستشفى. وفي هذا التشكيل البصري دلالات تتجاوز التعريف المهني؛ فالمعطف الأبيض يحيل إلى الطمأنينة والرعاية، والسماعة إلى الإصغاء إلى الجسد واستكشاف علله، أما الكتاب فيحيل إلى المعرفة التي اكتسبها الطبيب، ووظّفها في خدمة الإنسان. ويمكن قراءة حضور الكتاب والسماعة معًا بوصفهما علامتين على التقاء المعرفة النظرية بالممارسة العملية، وعلى أن الطب في تجربة الكاتب ليس وظيفة فحسب، وإنما ممارسة إنسانية تتطلب العلم والإصغاء والمسؤولية.
أما النصف الأيسر من الغلاف، فيظهر فيه الكاتب ببزته العسكرية، وعلى كتفه رتبة لواء، وعلى صدره هويته واسمه (عطية بن محمد الزهراني)، وخلفه جنود وصحراء وجبال. وهذه الثنائية تشحن الصورة دلاليًا بالاتزان بين العاطفة والرحمة من الجهة اليسرى لجغرافيا الجسد، وبين النظام والحزم في المقابل. وفي هذا التجاور تكامل في شخصية الطبيب العسكري، وانتقال من فضاء غرف المستشفى إلى فضاء الميدان، وتجاوز لعلاقة الطبيب بمريضه إلى علاقة القائد العسكري بفريقه.
وفي مزج متناغم بين لونين متقابلين، كُتب العنوان باللون الأسود المحدد بالأبيض؛ لتصبح البينيّة فلسفة شكّل بها الزهراني سيرته بالكامل، وتجلّت في ثنائيات متقابلة: (الواقع والأحلام، الطفولة والشباب، القرية والمدينة، الفقر والغنى، القسوة واللين، الوطن والغربة، المكتبي والميداني، العاطفة والعقل، النظام والفوضى، العلم والفن، الطب والحرب، الأبيض والأسود)، حتى في اللغات (العربية والإنجليزية والفرنسية)، واللهجات (لهجة أهل الطائف، ولهجة قريتهم «المروة»، إحدى قرى محويّة في بلاد زهران).
كما أن البينيّة تتجلى في الإهداء؛ فالكاتب يثمّن الأبوّة في مثلثها (الأب، والأم، والدولة)، تقديرًا لما حظي به من دعم ورعاية خلال مسيرته، منذ طفولته حتى تقاعده.
البينيّة وكسر أفق التوقع: المقدمة بين الآخر والأنا
في السير الذاتية، غالبًا ما يعلو صوت «الأنا»، وقد يصل ذلك بالكاتب إلى الوقوع في فخ «تضخّم الذات»، غير أن الزهراني يكسر أفق توقع القارئ ببينيّة المقدمة التي يزاوج فيها بين الأنا والآخر؛ فيجعل للكتاب مقدمتين: الأولى للآخر (د. طارق شقران)، يستعرض فيها مفاصل هذه السيرة، ويبشّر باستكمالها في أجزاء لاحقة، والثانية للكاتب نفسه، يركز فيها على البينيّة التي تتقصّى المسافة بين نقاط تحوّلية في سيرته: (من طفل صغير يحمل حقيبة أخيه إلى قائد عسكري يحمل رتبة لواء، ومن طبيب امتياز متدرّب إلى مدير لقسم الجراحة، ثم مدير لأكبر المستشفيات العسكرية بالمملكة، ومن ضابط صغير عاصر الحروب في المنط قة، كالحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق للكويت، إلى ضابط فاعل في الحروب وعمليات الإغاثة، كحرب كوسوفو واحتلال العراق، ومن طبيب مرافق في المهمات العسكرية إلى قائد مفوّض في المهمات العسكرية، كما في عاصفة الحزم).
وتقديم الآخر على الأنا في المقدمة إجراء شكلي بنيوي يتقاطع فيه الآخر مع الأنا تاريخيًا ووجدانيًا وفكريًا واجتماعيًا؛ لتصبح السيرة سيرة جيل بأكمله، بل وتمتد، عبر كتابتها، إلى الآخرين من الأجيال اللاحقة، بما تتيحه لهم من إمكانات الاستلهام.
بين المحطات العشر: هندسة الذاكرة وسرد الرحلة
تأتي السيرة في عشر محطات، كما سمّاها الزهراني، واختيار المحطات له دلالاته الإيحائية المرتبطة بفكرة الرحلة والتوقف والانتقال والتزوّد بالخبرات، أكثر من كونه عنوانًا تنظيميًا أو تقسيمًا زمنيًا. كما أن المحطات تتيح للكاتب حرية الانتقاء السردي، لا الاستقصاء، وبهذا تكون المحطة فضاءً سرديًا لإعادة هندسة الذاكرة، واستحضار الوقائع التي أسهمت في تكوين الشخصية.
وتستوقفنا بعض العناوين الفرعية للمحطات المصدّرة بالفعل «أصبح»، الذي يدل على التحوّل والتجاوز، كما في «أصبحنا رجالًا»، و«أصبحت طبيبًا يا أمي»، و«أصبحت مديرًا لأقسام الجراحة». لتصبح العناوين نفسها جزءًا من البنية التحوّلية للسيرة، وعلامة من علامات مراحل التكوين، ولها وظائفها السردية والإخبارية والإيحائية التي تربط الشخصية بمسار تطورها المهني والاجتماعي.
البينيّة بوصفها بنية سردية
أولًا: بناء الشخصية بين الطبيب والضابط
بُنيت الشخصية على خطين متوازيين، لم يلبثا أن التقيا في شخصية واحدة؛ خط الطبيب وخط الضابط. فالكاتب لا يقدم لنا شخصية مكتملة منذ البداية، وإنما يجعلها تتكوّن محطة بعد أخرى، حتى يبدو التدرج المهني امتدادًا طبيعيًا للتكوين النفسي والإنساني الذي بدأ منذ الطفولة.
فشخصية الطبيب بدأت بدافع إنساني وعاطفي قبل أن يكون اختيارًا مهنيًا؛ إذ ارتبط الطب في وعي الشخصية بالأم المريضة بالقلب، وبالرغبة في علاجها والقدرة على ذلك، ثم اتسع هذا الدافع إلى علاج الناس وتضميد آلامهم. ولذلك، حين أصبح طبيبًا، لم يكن قد وصل إلى مهنة اختارها فحسب، وإنما إلى حلم قديم وجد فيه معنى شخصيًا وإنسانيًا. وتأكد هذا الخط حين اختار الجراحة، ثم تدرّج في تخصصاتها، وعمل في المستشفيات والمستشفيات الميدانية، حتى أصبحت شخصية الطبيب رمزًا للإنسان الذي يحمل معرفته إلى حيث يكون الإنسان في أشد الحاجة إليها.
أما شخصية الضابط، فقد بدأت تتشكّل من ميل الشخصية المبكر إلى التنظيم والقيادة والإدارة، من خلال نزعة قيادية ظهرت في طفولة الزهراني، حين حصل على كرة قدم مكافأة على نجاحه، وعندما أشرك الأطفال في اللعب معه، لم يكتفِ بأن يكون لاعبًا، بل أصبح في الوقت نفسه لاعبًا وحكمًا ومدربًا، يمارس إصدار القرارات وتنظيم الآخرين (ص 26).
وتتجلى القيادة أيضًا في موقفه من الإضراب الطلابي عن حل الواجب، حين عاقب المعلم الفلسطيني ابنه والبطل عطية، فكان لذلك أثر في وعي الكاتب بالنظام والمسؤولية، وعدم الانسياق وراء الجماعة لمجرد أنها جماعة. ويستعيد الكاتب هذا الموقف قائلًا: «ومنذ ذلك اليوم تعلمت ألا أشارك في عصيان … ولا زلت أفكر في عبقرية ذلك المعلم في مواجهة ذلك الاضراب بمعاقبة ابنه مع أميز طالب في الفصل فقط» (ص 52).
وهذا كله مهّد لميلاد شخصية أمنية إدارية لم يكن النظام غريبًا عليها حين دخلت العسكرية؛ فوجدت في الانضباط والإدارة وتحمّل المسؤولية امتدادًا لما تشكّل فيها مبكرًا.
والجميل في بناء الشخصية أن الكاتب لا يفرض علينا هذه الصفات بوصفها أحكامًا جاهزة، وإنما يترك المحطات تكشفها؛ فالطفل الذي يبحث عن القصص والصحف القديمة يكشف عن نهم إلى المعرفة، والطفل الذي يتولى تنظيم اللعب يكشف عن بذرة القيادة، والابن الذي يريد دراسة الطب من أجل أمه يكشف عن الدافع الإنساني، والضابط الذي يتحمّل التدريب الشاق والمهمات الميدانية يكشف عن الصبر والانضباط. كما أن الانفتاح على الآخر، من خلال الاستماع إلى محطات الإذاعة (مونت كارلو، ولندن، وصوت العرب…)، والسفر إلى فرنسا، يكشف عن شخصية منفتحة على الثقافات، فيما يكشف الحديث عن الصحوة عن عقلية ناقدة.
ومن هنا تبدو المحطات العشر في السيرة ذات بناء عضوي؛ فكل محطة لا تنهي مرحلة فحسب، وإنما تزرع شيئًا في المرحلة التي تليها: من طفل إلى طالب، ومن طالب إلى طبيب، ومن طبيب إلى ضابط، ومن ضابط إلى قائد، حتى تلتقي الخطوط المتوازية في شخصية واحدة: طبيب يحمل قلب الإنسان ، وضابط يحمل مسؤولية القرار.
ثانيًا: بنية الزمن السيري بين الاسترجاعات والاستباقات
يمثّل الزمن عنصرًا أساسيًا في تشكيل سيرة الزهراني الذاتية؛ فهو لا يقتصر على ترتيب الأحداث وفق تواليها التاريخي، وإنما يتصل بالطريقة التي يستعيد بها الكاتب الماضي، ويعيد تفسيره من موقعه في الحاضر، فتتداخل تقنيات الاسترجاع والاستباق، بما يمنح السرد حيوية، ويكشف عن علاقة الذاكرة بالتجربة.
1- الاسترجاعات
يتجلى الاسترجاع في عودة الكاتب إلى ماضي والده، مستعيدًا رحلته من منطقة الباحة إلى الطائف، والتحاقه بالعمل جنديًا في الشرطة، ثم مواصلته الدراسة المسائية حتى إنهاء المرحلة الابتدائية (ص 33). وهذا الاسترجاع لا يقتصر على تقديم معلومات عن الأب، وإنما يفسّر جانبًا من القيم التي تشكّلت في شخصية الابن، ويكشف عن جذور الكفاح والطموح في البيئة الأسرية.
كما يستعيد الكاتب ما كان يردده والده بعد وفاة الملك فيصل، من أن أمنية الفيصل الوحيدة كانت الصلاة في المسجد الأقصى، وسعيه إلى دعم القضية الفلسطينية، وقراره إيقاف تصدير البترول إلى عدد من الدول الغربية دعمًا لمصر في حربها مع إسرائيل (ص 49). وتتجاوز هذه الذكرى حدود التاريخ الأسري لتتصل بالذاكرة السياسية والقومية لجيل كامل عاش أحداث القضية الفلسطينية وتأثر بها، وجعلها جزءًا من وعيه الوطني والإنساني.
وهكذا يتداخل الاسترجاع الشخصي مع الاسترجاع التاريخي، وتتجاور ذاكرة الأب وذاكرة الابن والذاكرة الجمعية؛ لتتحول السيرة إلى فضاء تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الأحداث العامة.
2- الاستباقات
يظهر الاستباق في بعض المواضع التي يستعيد فيها الكاتب أحداث الطفولة، ثم يربطها بما تحقق لاحقًا من إنجازات أو تحولات، ومن ذلك قوله: «لم يمنعني توبيخ ذلك المعلم لي من حب الرسم واستمريت أتعلم وأرسم حتى اليوم» (ص 32). فالكاتب يستحضر موقفًا مدرسيًا قديمًا، لكنه يربطه باستمرار اهتمامه بالرسم حتى زمن كتابة السيرة، وبذلك يفتح الماضي على الحاضر، ويكشف عن استمرارية بعض الميول في تشكيل الذات.
ويبرز الاستباق كذلك في حادثة الأمطار التي اجتاحت الطائف، وألحقت الضرر ببيت الأسرة الشعبي، حتى اضطرت إلى مغادرته واللجوء إلى منزل مسلّح لأحد أصدقاء الأب؛ إذ يقول: «لم أنس تلك الليلة طوال حياتي، وذكرياتها ولدت بداخلي رغبة مستمرة بالإصرار على التفوّق في التعلم، لأتخرج وأعمل ليصبح لنا بيت ننام فيه دون أن يسقط المطر على رؤوسنا» (ص 50). وهنا يتحول الحدث الماضي إلى دافع مستقبلي؛ إذ لا يكتفي الكاتب باستعادة ليلة قاسية، وإنما يفسّر من خلالها نشوء رغبة ظلت حاضرة في وجدانه، وأسهمت في تشكيل طموحه العلمي والمهني.
ومن الاستباقات ذات الدلالة استعادة ذكرى المعلم علي مدين الغامدي، الذي درّسه في مرحلة مبكرة، ثم دعاه الكاتب بعد أربعين عامًا إلى حفل ترقيته إلى رتبة لواء، وكرّمه (ص 51). وفي الربط بين زمن التعليم وزمن التكريم تتجلى قيمة الوفاء، ويصبح الماضي حاضرًا في لحظة الإنجاز، بما يؤكد أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للأحداث، وإنما هي إعادة بناء للعلاقات التي أسهمت في تشكيل الشخصية.
السيرة بين تكامل الثنائيات
تتجاوز سيرة «حياتي بين الطب والحرب» حدود التدوين الشخصي، لتصبح نصًا تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الاجتماعية والتاريخية، وتتداخل فيه التجربة المهنية مع التكوين الثقافي والإنساني. وقد أتاحت البينيّة، بوصفها مدخلًا نقديًا، قراءة عدد من الثنائيات التي تنتظم السيرة، وهذه الثنائيات لا تقوم على التضاد وحده، وإنما تتجاوز ذلك إلى التفاعل والتكامل؛ فالطبيب لا ينفصل عن العسكري، والقيادة لا تنفصل عن المعرفة الطبية، والذات لا تنفصل عن الآخرين الذين أسهموا في تكوينها، والذاكرة الشخصية لا تنفصل عن التاريخ الاجتماعي والوطني.
وتبرز قيمة السيرة كذلك في قدرتها على استعادة تفاصيل الحياة اليومية، وتوثيق ملامح مرحلة اجتماعية شهدت تحولات واسعة، بدءًا من حياة القرية والطائف، وصولًا إلى المؤسسات الطبية والعسكرية الحديثة، وما رافقها من انتقالات في أنماط المعيشة والتعليم والعمل.
كما تقدم السيرة أنموذجًا للذات التي تشكّلت من خلال المثابرة واستثمار الفرص والانفتاح على الآخر، واكتساب الخبرات من المواقف اليومية والمؤسسات المهنية، دون أن تفقد صلتها بجذورها الأسرية والاجتماعية.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة أنها لا تقف عند حدود تعداد المناصب والإنجازات، وإنما تمنح القارئ فرصة للتعرّف على الإنسان الذي يقف خلفها؛ الطفل الذي حمل حقيبة أخيه، والطالب الذي بحث عن القصص والصحف، والشاب الذي درس الطب من أجل أمه، والطبيب الذي واجه تحديات الميدان، والقائد الذي تحمّل مسؤولية الفرق الطبية والمستشفيات. إنها سيرة تبدأ من تفاصيل صغيرة في بيت متواضع وقرية بعيدة، ثم تتسع لتلامس أحداثًا كبرى، وتنتقل من الذاكرة الفردية إلى الشهادة التاريخية، ومن الحكاية إلى المعرفة.
وإذا كان الغلاف قد جمع صورة الطبيب والضابط في إطار بصري واحد، فإن المتن السيري كشف عن تكامل لا تنافر بين هاتين الشخصيتين؛ فهما وجهان لتجربة واحدة، تتكامل فيها المعرفة مع المسؤولية، والعاطفة مع الانضباط، والمهنة مع الرسالة. وبهذا يصبح «بين الطب والحرب» مفتاحًا لقراءة حياة تشكّلت في المسافة بين عوالم متعددة، واستطاعت أن تحوّل تلك المسافة إلى مجال للفعل والإنجاز والتعلّم، قبل أن يكون عنوانًا كاشفًا لمجال التجربة.
وتكمن قيمة هذه السيرة في الجمع بين الطب والحرب، والكشف عن الكيفية التي حوّلت بها التحديات إلى معرفة، والعوائق إلى مكتسبات، والخبرة إلى مسؤولية، والذاكرة إلى شهادة وسيرة تستحق أن تُروى.
** **
- د.طلال الثقفي