الأسرة ليست دائمًا المكان الذي نتعلم فيه كيف نكون أنفسنا؛ أحيانًا تكون المكان الذي نتعلم فيه كيف نهرب من أنفسنا!
من هذه المنطلق تجعل الكاتبة هنا جابر في روايتها «تحت شجرة السدر»، الأسرة محوراً رئيسياً للسرد، لا بوصفها إطارًا للأحداث، وإنما باعتبارها القوة الأولى التي تسهم في تشكيل مصائر أفرادها.
تدور أحداث الرواية حول عائلة يترك الأب فيها أثرًا قاسيًا لا مبرر له، تحديداً على ابنه عمار وتوأمته ماريا، يتعرض عمار للعنف المتعدد، بينما تعيش ماريا أثرًا نفسيًا لا يقل عمقًا عن أخيها.
عمار هو الشخصية التي تكشف الوجه الأكثر مأساوية للعنف المتراكم ، فالأذى الذي تعرض له في طفولته لم يكن محصورًا في فترات الطفولة والمراهقة، بل انتقل معه إلى مرحلة النضج والشباب، حتى أصبح بعد ذلك جزءًا من تكوينه النفسي والعقلي، تجسد هذه العلاقة الفجوة بين جيلين مختلفين وبين سلطتين من خلال اختلاف مفاهيم الحياة، فمثلاً اختلاف مفهوم الفن بين الأب وعمار، فالأب ينظر للفن نظرة نفعية ضيقة، يقيمه بمقياس الجدوى المادية والاستقرار، بينما يراه عمار وسيلة للتعبير عن الذات واكتشاف الهوية والراحة النفسية، من هنا تجاوز التناقض بينهما كونه اختلافاً في التوجهات المهنية بل أصبح صراعاً حول القيم التي يؤمن بها كل جيل. فالأب يريد لعمار الطريق المضمون المتعارف عليه في مجتمعه الذي تربى به، بينما عمار يسعى للحرية وكسر القوالب الجاهزة معبراً عن العالم من خلال الريشة واللون.
أما ماريا فتبدو في ظاهرها أكثر قدرة على النجاة من هذا العنف. تتفوق في دراستها وتعمل بعد ذلك في عمل لا تتكيف معه ولا تحبه، حتى تصبح سندًا للأسرة بعد وفاة الأب. لكن نجاحها يمكن قراءته بطريقة أكثر تعقيدًا من اعتباره انتصارًا مباشرًا على العنف الأسري الذي كانت تعيش فيه. فهي في مرحلة من حياتها، اتخذت الدراسة والعمل وسيلة للانشغال والهروب من حياتها الواقعية التي لا تستطيع تغيرها إلى الإنجاز. ولذلك لا تقدم الرواية نموذجًا بسيطًا للمرأة القوية التي يمكن لها ظاهرياً أن تتجاوز العنف، بل تكشف كيف يمكن حتى للقوة نفسها وسيلة دفاع.
في المقابل، تأتي مريم بصورة مختلفة عن إخوتها فهي طوال الوقت أقرب إلى الأب ظاهرياً، تخضع لما يريد، وتشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في زيادة الفجوة بينها وبين إخوتها وبين إخوتها وأبيها، رغم أنها تحمل في داخلها نفورًا منه وكرهاً لسلطته الأبوية، فتتكيف معها. ثم تنتقل هذه البنية الضعيفة إلى حياتها الزوجية وعلاقتها ببناتها فتجد نفسها أمام رجل يخونها باستمرار، ويختزل قيمتها في قدرتها على الإنجاب إلى أن تصل إلى نقطة تحول في تفكيرها اتجاه العلاقة، فتصبح هذه اللحظة نقطة تحول في حياتها. فالصدمة التي كان يمكن أن تكون استمرارًا لمأساتها تتحول إلى لحظة وعي، ومن ثم إلى قرار حاسم.
ولعل شخصية الأم هي الأكثر إيلامًا في هذا السياق؛ لأنها ليست المعتدي، لكنها ليست المنقذ أيضًا. فصمتها أمام العنف يجعل الرواية تتجاوز الثنائية السهلة بين الجلاد والضحية، لتسأل عن مسؤولية من يرى ولا يتدخل.
هنا تكشف الرواية عن إحدى أفكارها: التحرر من العنف أو السلطة الذكورية الأبوية لا يبدأ دائمًا من امتلاك القوة فقط، وإنما من خلال امتلاك الوعي الذي من خلاله أُدرك أن هذا الفعل الممارس تجاهي يجب أن يتوقف، فمريم لا تغير حياتها لأنها أصبحت فجأة شخصية مختلفة، وإنما لأنها أدركت أن استمرارها في العلاقة يعني استمرارها في دور الضحية دون كرامة، واستقالة ماريا لم تكن سوء لحظة وعي بأن حياتها لم تعد تملك القرار بها، وعمار وضع الحد لحياة الاكتئاب إلا أنه يتأرج بين الوعي واللاوعي.
في هذا السياق، تبدو النساء في الرواية وكأنهن يتحركن داخل سلسلة طويلة من المصائر المفروضة عليهن. فنجد الأم تجسد الاستسلام والصمت مع معرفتها بفداحة العنف فلا تأخذ موقفاً حاسماً في مواجهة الأب، أما مريم وماريا فتصلان، كلٌّ بطريقتها، إلى لحظة تكسران فيها هذه السلسلة.
رغم ذلك قدمت الرواية سياقاً آخر في علاقة زياد وماريا بوصفها نموذجاً لإمكانية تكوين أسرة يحيطها الأمان والحب، فصورة الرجل المتمثلة بزياد لا تقوم على السلطة والسيطرة أو الإيذاء إنما على التفاهم والحب والاحتواء، هنا تطرح الرواية دلالة أن الأسرة السعيدة يمكن أن تُبنى بشكل مختلف عما عاشه الشخص.
أما على المستوى اللغوي، فقد يبدو للقارئ أن الأصوات في بداية الرواية متقاربة، خصوصًا مع اعتماد الكاتبة لغة فصيحة ذات حضور بلاغي. وقد يبعث ذلك في البداية شعورًا بأن الشخصيات لا تمتلك بالقدر الكافي بصمتها اللغوية الخاصة، ولكن هذا الانطباع يختفي مع تقدم القراءة؛ إذ تبدأ الفوارق بين الشخصيات في الظهور من خلال مفرداتها وطريقة تفكيرها ونظرتها إلى الذات والحياة. وهنا تصبح اللغة جزءًا من تكوين الشخصية.
على المستوى الدلالي في شجرة السدر خصوصاً فهي في الرواية لا تعد مكاناً تجتمع أو تحن له الشخصيات، بل المكان الذي تبدأ منه نقاط الانطلاق والتحول والاستقرار.
السدر هنا يمكن قراءته دلالياً بوصفه جذور العائلة وذكرياتها السعيدة والحزينة، لذلك نجد مثلاً الشخصيات تحاول أن تبتعد عن الماضي المؤلم، لكنها تعود إليه بصورة أو بأخرى، لأن فهم الحاضر بكل ما فيه والتعامل معه لا ينفصل عن فهم الجذر الذي تشكلت منه.
لكن الرواية تطرح فكرة إنسانية وهي كيف يدرك الإنسان في لحظة ما أن حياته لا يجب أن تظل امتدادًا لما أراده الآخرون له، فالعائلة يمكن أن تكتب للإنسان حكايته، لكنها ليست بالضرورة آخر من يملك حق كتابتها طوال العمر.
** **
دلال خضر الخالدي - ماجستير في الأدب المسرحي