الثقافية - سارة العَمري:
خلال ساعات من إعلان فوز آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026، أصبح اسم الشاعرة والكاتبة الكندية حاضرًا بكثافة في الصحافة والمنصات العربية، وبدأ السؤال المعتاد في مثل هذه المناسبات، من هي آن كارسون؟
غير أن السؤال يحمل هذه المرة مفارقة تستحق التأمل، فالكاتبة التي أمضت أربعة عقود في بناء مشروع أدبي ذي مكانة راسخة عالميًا كانت موجودة في العربية فعلًا، ووصل اثنان من كتبها إلى القارئ العربي قبل سنوات من الجائزة، لكن حضورها بقي في دائرة أضيق كثيرًا من حجمها، فماذا تفعل جائزة كبرى باسم كان حاضرًا بيننا ولم يصل إلى دائرة القراءة الواسعة؟
منحت الأكاديمية السويدية كارسون الجائزة عن أعمالها الجريئة والمبتكرة التي استطاعت، عبر حوارها المرح مع التقليد الكلاسيكي، أن تخلق أشكالًا جديدة للأدب المعاصر، وفي هذه الحيثية مفتاح لفهم الاختيار، فصعوبة تعريف ما تكتبه تكاد تكون جزءًا من مشروعها نفسه، هي شاعرة وباحثة في الكلاسيكيات ومترجمة وكاتبة مقالات، فيما تمزج أعمالها الشعر والنثر والنقد والترجمة والأسطورة والسيرة والفن البصري والأداء، حتى يصبح وضع الكتاب الواحد منها تحت جنس أدبي محدد مهمة مربكة.
حين لا يكفي جنس أدبي واحد
بدأت ملامح هذه الكتابة مبكرًا في «إيروس: الحلو/المر» الصادر عام 1986 والمتصل بأطروحتها الأكاديمية، حيث بحثت الحب والرغبة عبر الأدب اليوناني والفلسفة والشعر، ثم مضت إلى منطقة أكثر جرأة في «سيرة ذاتية للأحمر»، حين عادت إلى جيريون، الوحش الأحمر المجنح الذي يقتله هيراكليس في الأسطورة اليونانية، وقلبت زاوية النظر، فالشخصية الواقفة على هامش أسطورة البطل أصبحت صاحبة الحكاية، وتحول جيريون إلى فتى حساس ومصور ومختلف، يحب ويغار ويتألم ويحاول اكتشاف ذاته.
واتسع مشروع كارسون عبر كتب يصعب أن يشبه أحدها الآخر، ففي «جمال الزوج» بنت عملًا شعريًا طويلًا عن الزواج والرغبة والخيانة، وفي «اقتصاد اللامفقود» جمعت بين الشاعر الإغريقي سيمونيدس والشاعر بول تسيلان في تأمل يمتد بين الشعر والقيمة والفقد، ثم جاءت «نوكس» كتابًا تجريبيًا في رثاء شقيقها مايكل، قبل أن تعود في «نورما الخاطئة» إلى نصوص تتحرك بين الشعر والنثر والصورة، هذا التنقل بين الأشكال يفسر جانبًا من صعوبة وضع كارسون داخل تعريف أدبي واحد، فالكتاب لديها يبدأ من الفكرة ثم يبحث عن الشكل الذي يحتملها.
فعلاقة كارسون بالإغريق لم تحبسها في الماضي، فسافو وسوفوكليس ويوربيديس وهوميروس والأساطير القديمة يدخلون عالمها للبحث في أسئلة ما زالت تخص الإنسان مثل، الحب والرغبة والجسد والفقد والوحدة والهوية والذاكرة، ولهذا يبدو القديم في كتبها غريبًا وقريبًا في الوقت نفسه، يحتفظ بمسافته التاريخية، ثم يعود ليلامس شيئًا شديد المعاصرة في الإنسان.
وفي ترجمتها لشذرات سافو تظهر طريقتها بوضوح، فمعظم شعر الشاعرة الإغريقية وصل ناقصًا في قصاصات وبرديات فقد الزمن أجزاء منها، وتركت كارسون الأقواس والمساحات البيضاء التي تشير إلى الكلمات المفقودة ظاهرة، حتى أصبح الغياب نفسه جزءًا مما يراه القارئ.
العرب الذين وصلوا إليها قبل نوبل
قبل أن يتحول اسم آن كارسون إلى خبر عالمي مع نوبل، كانت نافذتان من مشروعها قد وصلتا إلى العربية، الأولى عبر الكاتب والمترجم الليبي مأمون زايدي الذي نقل «سيرة ذاتية للأحمر»، والثانية عبر المترجم عبد الرحيم يوسف الذي نقل «إيروس: الحلو/المر».
تجربة زايدي تضع المترجم نفسه في قلب سؤال الاكتشاف، فهو يرى أن «الترجمة قراءة»، وأن المترجم يقرأ ويكتب في الوقت نفسه، وتحدث في سياق آخر عن حلمه في إنجاز ما يسهم، ولو بشيء بسيط، في ذلك الكثير الذي ينتظر من ينقله، هنا يصبح اختيار المترجم فعلًا ثقافيًا يفتح أمام القارئ أبوابًا قد تبقى بعيدة عن دوائر القراءة الأوسع.
وعبد الرحيم يوسف وصل إلى منطقة أخرى من مشروعها عبر «إيروس: الحلو/المر»، ويرى أن الكتاب يمثل «حجر الأساس» لإصدارات كارسون التالية، فقد صاغ مبكرًا أفكارها عن الرغبة التي ستستمر في شعرها، إلى جانب طريقتها في محاورة الأدب اليوناني، ووجود هاتين التجربتين يجعل المفارقة أدق، وصل شيء من كارسون إلى العربية، فيما بقي الجزء الأكبر من مشروعها خارجها.
كيف قرأ العرب فوز كارسون؟
بعد إعلان نوبل اتسعت دائرة كارسون عربيًا بسرعة، ولم يبق النقاش عند حدود التعريف بالفائزة وأعمالها، فقد ظهرت قراءات تنظر إلى مشروعها نفسه، وأخرى تعيد عبر فوزها مساءلة الجائزة ومعاييرها وموقع الأدب العربي منها.
الشاعر الفلسطيني السوري رائد وحش كتب يوم الإعلان عن الفتور الذي أصبح يصاحب تغطيته لنوبل، بعدما تحولت لديه إلى حدث يُغطى أكثر من كونها موعدًا لاكتشاف الأدب، إلا أن اختيار كارسون أوقفه هذه المرة، وفي قراءته لها استعاد السؤال الذي يرافق مشروعها حول قدرة الشاعر على صنع موجة بدلًا من بحر، وما يمكن للنص المحدود أن يفتحه من اتساع يتجاوز حجمه.
وقرأ محمد ناصر الدين مشروع كارسون باعتباره شعرًا يقف على تخوم المعرفة والرغبة، وجعل من تجربتها مساحة تتقاطع فيها الأسطورة والفلسفة والرغبة والفقد، حيث تعود النصوص الإغريقية إلى الحاضر وتتحرك الحدود بين القصيدة والمقال والترجمة والمعرفة الأكاديمية والبوح الشخصي.
واتجه يوسف أبو لوز إلى الجائزة نفسها، منتقلًا من فوز كارسون إلى سؤال موقع العرب في حسابات الأكاديمية السويدية، ومتوقفًا عند حضور الجوائز الأدبية العربية ومدى وصولها إلى مجال نظر الأكاديمية، وعند المركزية الغربية التي طبعت جانبًا من تاريخ الجائزة، مع تأكيده المكانة الأدبية والثقافية والأكاديمية لكارسون.
أما عبدالحميد أحمد فاستقبل الاختيار بتحفظ أكبر، ورأى في فوزها سببًا لإعادة السؤال عن المعايير التي تعتمدها الأكاديمية، وعن موقع تجربتها عند مقارنتها بأسماء كبيرة حملت نوبل عبر تاريخها، وهكذا لم ينتج الإعلان العربي إجابة واحدة عن كارسون، فقد وجد فيها بعضهم اختيارًا يعيد الاهتمام بكاتبة استثنائية، واتخذها آخرون مناسبة لمناقشة الجائزة نفسها وما ترفعه إلى واجهة الأدب العالمي.
ما الذي تفعله نوبل بالانتباه؟
قصة كارسون تكشف شيئًا يصعب قياسه في يوم عادي، فقبل الجائزة كانت لها ترجمتان عربيتان وقراء يعرفون جانبًا من مشروعها، ثم جاء إعلان واحد ليغيّر حجم الانتباه إليها خلال ساعات، وينقلها من اسم يدور داخل دوائر أدبية محدودة إلى موضوع للصحافة والمنصات والقراء. نوبل لم تمنح كارسون قيمتها الأدبية، فقد سبقتها عقود من الكتابة والبحث والترجمة والتجريب، لكنها منحت اسمها انتشارًا عربيًا أوسع بكثير من الدائرة التي بلغتها ترجماتها السابقة، وهنا تكمن المفارقة التي تتجاوز خبر الفوز نفسه.
فالعالم الأدبي أوسع بكثير مما يصل إلى قارئ أي لغة، والجوائز الكبرى تملك قدرة استثنائية على توجيه الضوء، وفي كل مرة تختار نوبل اسمًا محدود الحضور عربيًا، تكشف مساحة أخرى بقيت خارج قراءتنا، وتعيد رسم خريطة الانتباه إلى أدب العالم.
آن كارسون مثال واضح على ذلك، فقد سبقتها ترجمتان إلى العربية، وسبق مترجموها إعلان ستوكهولم بسنوات، ومع ذلك كانت لحظة نوبل هي التي نقلت اسمها عربيًا من دائرة محدودة إلى حديث ثقافي، وهنا يصبح السؤال أبعد من كارسون نفسها؛ ماذا نقرأ من أدب العالم قبل أن تختار الجوائز أسماءه، وكم من مشروع أدبي كبير ما زال خارج دائرة الضوء لأنه لم يحظ بعد بلحظة مماثلة؟
وربما جاءت إجابة كارسون نفسها مناسبة لهذه الحيرة، فعندما سُئلت بعد فوزها من أين يبدأ قارئ لم يقرأ لها من قبل، لم تختر أشهر كتبها ولم تقدم له طريقًا مرتبًا إلى عالمها، واكتفت بعبارة تشبه تجربتها كلها «ابحث عن المنتصف وابدأ من هناك».