إن الامتياز الذي يخصه عباس محمود العقاد للشعر، والذوق الشعري لا يقلل من أهمية القصة، بوضعها في مرتبة أدنى من الشعر، ولعل رأيه في القصة محكوم - آنذاك - بسياقات تأريخية؛ نظرًا لقرب العهد بكتابة القصة الفنية في الأدب العربي؛ فضلًا عن الخلفية الثقافية والتغذية المعرفية والفكرية للعقاد نفسه، الأمر الذي يحيلنا إلى إجابة العقاد، حينما سُئل عن رأيه في القصة، فقال: «ليس خلو أدب أمة من القصة دليلًا على نقص في أدب أمة، أو في أدب الفرد أيضًا».
ورأي العقاد قبلًا - من منظوري - يقوم مقام الحامي عن الشعر، وإجابته عن رأيه في القصة في هذا السياق محكوم بما سبق أنْ عرَّضنا بها؛ فضلًا عن أنَّ العقاد نفسه لمَّا يزل أسير معيار الذوق القديم في أحكامه ومنطلقاته، كما هو موقفه - مثلًا - من شعر التفعيلة.
في حين، نجد الروائي نجيب محفوظ يتصدى للرد على موقف العقاد من القصة في مقالة مطوَّلة بلغت عدد كلماتها أكثر من 1400 كلمة، نشرت بمجلة الرسالة، في محاولة منه لتفنيد المقياسين المطروحين من العقاد، واصفًا ما يقول به حول المفاضلة ما بين الفنون كمن يرمي بحيرتها الساجية بحجر ثقيل يطين رائقها، ويبعث الثورة في أطرافها... يقول نجيب محفوظ: «إنَّ هذا اللون من الفن وذاك منحط، هذا عزيز وذاك مبتذل، يقول هذا وهو أعلم الناس بالفنون، وأحبهم لها. وأحقهم بأنْ يعرف لكلٍّ قدره ومنزلته. ولن يفيد الفن شيئًا من تحقيره لبعض أنواعه. إلَّا أنْ يُغضِب قومًا أبرياء يحبون الحق كما يحبه، ويولعون بالجمال كما يولع به، ويبذلون في سبيل التعبير عنه كلَّ ما في طاقتهم من قدرة وحب. وعسى أنْ يقول قائل: إنَّ العقاد ما قصد التحقير، ولكنَّه مفكر وله الحق - كل الحق - أنْ يرتِّب الفنون عامة أو فنون الأدب خاصة كيفما يرى. وهذا حق في ذاته، ولكنِّي في هذه القضية رأيتُ العقاد الخصوم، يتغلَّب على العقاد الناقد، فحكم العقاد على القصة حكم مزاج وهوى لا حكم نقد وفلسفة».
وللعقاد موقفه من سرديات القصة، سواء على مستوى الحادثة، أو حياة الشخصيات، أو الأبطال، أو عملية التشويق - كما هو ملاحظ - في معرض حديثه عن طرائق الكُتَّاب في كتابة القصة؛ فمن القصاصين - مثلًا - مَن يجعل معوله على الحادثة الواقعة، فلا تطيق أنْ تقرأ له قصة تخلو من حادثة مروِّعة، ذات خطر في حياة أحد أبطالها، وهو في هذا الباب صاحب قدرة بارعة لا يُستهان بها في تمثيل الحوادث، واستكناه خفاياها، والانتقال بها مع أطوارها المتعاقبة إلى غايتها. ومنهم مَن معوله على الشخصية يحلِّلها أو يعرضها لقارئه باللون الذي يعجبه، وقد يكون الكاتب خبيرًا بتحليل الشخصيات، أو لا تكون له خبرة التحليل، ولكنَّه مقتدر على إبرازها على صورة تسحر الأبصار، وتدعوك إلى العناية بها، كما تُعنى بمن تعرفهم من الصحب والأقربين. ومنهم مَن يعول على التشويق، ويعتمد التقديم والتأخير في سرده لأخباره ومواقفه تعليقًا لهوى الاستطلاع في نفوس القرَّاء الذين يأخذون بهذا الأسلوب، ومنهم مَن يطرح التشويق جانبًا، ويُخيَّل إليه أنَّه يتعمد الإطالة أنفة أنْ يُظن به أنَّه يشغل باله بتسلية القرَّاء، ويصطنع الحيلة للنزول عندهم منزلة الرضا والقبول، ولكنَّه يعوِّض التشويق بالدقة والجد في التزام الحقائق وبلاغة التعبير.
ولا نكاد نختلف مع ما ذهب إليه محمد مندور، حينما وصف العقاد بالسعة والإدراك لهذا الفن؛ ما يوحي باتِّساع نظرته إلى هذا الفن وتنوُّع منهاجه؛ ولكن دون أنْ يتبيَّن للعقاد رأي خاص في هذا الفن.
وذلك الرأي الذي يقول به مندور، يتَّضح من خلال بيان العقاد حيال الكتابة القصصية، حينما سعى لتأصل أنواعها خاصة في العصر الحديث، ومنها الرواية، وهي تقابل كلمة نوفيل Novel في اللغات الأجنبية، ومنها الرواية الصغيرة، وهي التي تقابل كلمة نوفليت Novelette، ومنها القصة أو الحكاية، وهي التي تقابل كلمة «استوري» Story، ومنها الحكاية القصيرة أو النادرة، وهي التي تقابل كلمة «شورت استوري» Story shorts، وترجمتها الحرفية على حسب أصل الكلمة: تاريخ قصير.
وفي سبيل إيضاح ذلك؛ يرى العقاد أنَّ القصة الصغيرة أو الحكاية - كما يصفها - لا تتَّسع لرسم الشخصية كاملة، أو عدَّة شخصيات كاملة من جميع جوانبها، ولا تتَّسع كذلك للحوادث الكبيرة، ولا للحادثة الواحدة التي لا تتم إلَّا مع التشعُّب والاستيفاء والإحاطة بأحوال جملة من الناس في مختلف المواقف والأحوال؛ ولكنَّها قد تعطينا لونًا من ألوان الشخصية، كما تتمثَّل في موقف من المواقف، فنفهمها بالإيحاء والاستنتاج، وقد تعرض لنا موضوعًا نفسيًّا، أو موضوعًا اجتماعيًّا يُنظر إليه بنظرة عابرة، ويُؤخذ على حدة، فيدل كما تقدم دلالة الموقف والإيحاء.
ومع تفاوت آراء العقاد في القصة الفنية؛ إلَّا أنَّه يرى أنَّ نصيب القصة في الكتابة المنثورة آخذ في الازدياد والانتشار، وأنَّ فن القصة بين الآداب العالمية، وفي بعض القصص التي تُؤلَّف في هذه الفترة، نزوع إلى ما يُسمَّى الأدب المكشوف ترتضيه طائفة من قرَّاء الجنسين، ولا يُقابل بالرضا عنه من جمهرة القرَّاء، ثم يُلاحظ مع هذا أنَّ الترجمة تنقص في الربع الثاني، وأنَّ التأليف يزداد ويتمكَّن في كثير من الأغراض. ولعل مرجع هذا إلى نمو الثقة بالنفس في الأمم العربية، وإلى ظهور طائفة من الكُتَّاب يستطيعون الكتابة في موضوعات مختلفة، كانت وقفًا على الترجمة قبل ثلاثين أو أربعين سنة.
** **
- د. ساري الزهراني