بعض الأسئلة تبدو عابرة، غير أنها تتسع كلما أمعنا النظر فيها. وهذا ما حدث مع سؤال أثارته رسالة قصيرة لإحدى طالباتي، وكان منطلقًا لورقة قدّمتُها مؤخرًا في المؤتمر الدولي لرابطة أقسام اللغة العربية بإندونيسيا، بعنوان « من إنتاج النص إلى الحكم عليه: تقويم الكتابة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي».
أرفقت إحدى الطالبات تكليفها الكتابي برسالة جاء فيها: «سأكون سعيدًا للغاية إذا راق لكِ المقال». استوقفتني العبارة؛ فالطالبة تتحدث عن نفسها بصيغة المذكر رغم أن الجملة تبدو سليمة في تركيبها، لكنها كشفت أن العبارة مرّت من غير مراجعة واعية من الطالبة، فتساءلتُ حينها: إذا لم تنتبه الطالبة إلى ما تقوله عن نفسها في هذه الرسالة القصيرة، فإلى أي حدّ يعكس المقال المرفق قدرتها على الكتابة؟
كانت أخطاء الطالبات طوال سنوات تدريسي لمقررات مهارات الكتابة والتحرير العربي تساعدني على تبيّن مدى إتقانهن لمهارات الكتابة، فهنا همزة رُسمت في غير موضعها، وعلامة ترقيم قطعت ما ينبغي وصله، وجملة اضطرب تركيبها، وفكرة لم تُحسن صاحبتها وصلها بما قبلها، وغيرها من الأخطاء التي تعين المعلم على معرفة مواضع التعثر، ومن ثم توجيه الشرح والتدريب. وكان النص حينها - بما فيه من إجادة وقصور- يتيح لي التحقق إلى حد كبير من مستوى كاتبه ومن ثم تقييمه.
غير أن تحولًا كبيرًا طرأ بعد دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في ممارسات الكتابة؛ فقد أصبح بإمكان الطالب أن يقدّم نصًا مصقولًا، منظم الفقرات، سليمًا في كثير من تراكيبه، بمساعدة أداة تستطيع توليده أو تصحيحه وإعادة صياغته. وهذا التحسن قد يبعث على الاستحسان للوهلة الأولى، لكنه يربك المقيم حين يريد أن يستدلّ به على تعلّم صاحبه، فقد تتحسن الكتابة التي تصل إلى المعلم دون أن تتحسن قدرة الطالب بالمقدار نفسه.
من هنا تبدو الحاجة إلى التمييز بين جودة النص ودلالته على التعلّم، ففي السابق كان المعلم يقرأ النص ليحكم على سلامته ثم يمنح الطالب الدرجة على أساس ما يكشفه النص من تمكّنه اللغوي.
فهل ما زال النص المكتوب في ظل البيئة التوليدية يتيح للمعلم هذا الحكم؟ وهل يعد اختفاء العلامات الحمراء من هامش ورقة الطالب دليلًا على تجاوزه لمواطن الضعف؟
في كثير من النصوص التي تصلني الآن يبدو الخلل أقل ظهورًا مما كان عليه، فالصياغات غدت متشابهة، والمقدمات مصقولة، والعبارات صحيحة لكنها قد لا تلائم المقام، والانتقالات بين الأفكار قد توحي بالترابط أكثر مما تحققه. وقد يصل الأمر إلى أن يقدّم الطالب تعبيرًا لا يستطيع شرح معناه، أو يختار صياغة لا يعرف لماذا كانت أنسب من غيرها. وكأن جانبًا من الخطأ انتقل من سطح النص إلى علاقة صاحبه به: مقدار فهمه له، وانتباهه إلى ما يحتاج إلى مراجعة، وقدرته على التدخل فيه.
من هنا ناقشتُ في الورقة مفهوم «الحكم اللغوي»، مستفيدة من مفهوم الحكم التقويمي؛ أي قدرة المتعلم على تقدير جودة عمله وعمل الآخرين. وأقصد بالحكم اللغوي أن يستطيع الطالب فحص النص، والتحقق من سلامته ودقته وملاءمته، والمفاضلة بين صياغاته، وإعادة تحريره، وبيان مسوغات اختياراته. وهذه القدرة بلا شك تستند إلى المعرفة اللغوية وتحتاج إليها؛ فمن لا يتمكن من القاعدة لن يملك معيارًا واضحًا للحكم على تطبيقها.
وبذلك فإن المعرفة هنا تتسع وظيفتها، فتظهر في الإنتاج والمراجعة معًا، وفي قدرة الطالب على قبول اقتراح أو رفضه عن فهم. ولعل سؤالًا بسيطًا من قبيل «لماذا اخترت هذه الصياغة؟» يكشف أحيانًا ما لا تكشفه صفحة كاملة من العبارات السليمة. وقد وجدتُ في ورش التحرير والتصحيح التفاعلية داخل المحاضرة مجالًا لإظهار هذا الجانب من التعلّم، حيث تعمل الطالبات في مجموعات على نصوص أو مشكلات تحريرية، ثم تُعرض الإجابات أمام الجميع وتُناقش الاختيارات: لماذا وُضعت هذه العلامة هنا؟ ماذا تغيّر في المعنى بعد حذف العبارة؟ وأي الصياغتين أقرب إلى المقصود؟ فيصبح الوصول إلى الإجابة فرصة لفهم الطريق إليها، ويغدو الخطأ نفسه مادة للنقاش، عوضًا عن أن تنتهي علاقتنا به عند تصحيحه.
ويمكن أن يمتد هذا التصور إلى التكليفات الكتابية؛ فيبدأ الطالب بمسودة يكتبها بنفسه، ثم يستعين بالأداة في حدود واضحة، ويقارن اقتراحاتها بما كتب، ويبيّن ما قبله وما رفضه معللًا لذلك. ويمكن أيضًا أن يُعطى نصًا مولدًا آليًا، وتكون مهمته فحصه والتحقق منه وتحسينه. وبذلك يستند المعلم في تقويمه إلى ما كتبه الطالب، وما أجراه من تعديلات، وقدرته على تفسير اختياراته والدفاع عنها.
وقد يعارضني القارئ بحجة أن وقت المحاضرة محدود، وأن متابعة هذه التفاصيل مع أعداد كبيرة من الطلبة ليست يسيرة. لكننا نستطيع تطبيقها على فقرات قصيرة، أو اختيارات محددة، أو بعض التكليفات. ولا أعتقد أن من المجدي أن ينحصر جهدنا في منع الأ دوات التوليدية أو تعقّب حضورها في كل سطر؛ لصعوبة ضبط ذلك في التكليفات جميعها، وإنما الأجدى أن نعيد النظر في طبيعة التكليفات التي نطلبها، ومدى قدرتها على الكشف عن تعلّم الطالب.
فإذا كان الطالب يستطيع الحصول على نص سليم في ثوانٍ، فإن مسؤوليته تجاه هذا النص تبدأ من قراءته وفهمه، وتمتد إلى مراجعته والحكم على ملاءمته لما يريد قوله. وهذه قدرة تحتاج إلى تعليم وتدريب، وينبغي أن يكون لها نصيب في التقويم. ولعل السؤال الذي يجدر أن يصاحب قراءتنا لتكليفاته هو: ماذا تكشف هذه الكتابة عن تعلّمه، وهل يستطيع أن يفسّر لنا اختياراته فيها؟
** **
- د.أريج بنت محمد السويلم