يبدو الحديث عن أساليب البلاغة العربية في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتشابك فيه الرسائل ضربًا من العودة إلى الماضي. إلا أنّ المتأمل في حياتنا اليومية بتفاصيلها يدرك أن البلاغة ليست تراثًا لغويًا فحسب، بل أداة حيّة تُوجّه المعنى وتُشكّل طريقة تواصلنا، حتى في أبسط العبارات.
ومن بين هذه الأساليب التقديم والتأخير، وهو فن دقيق يمنح اللغة قدرتها على التأثير والإقناع، لما يتيحه من مرونةٍ في ترتيب عناصر الكلام بما يخدم الدلالة ويعزّز قوة التعبير.
يعد التقديم والتأخير مبحثًا دقيقًا في نظم الجملة؛ أي: ترتيب الألفاظ في النطق تبعًا لترتيب المعاني في ذهن المتكلم، ويختلف ترتيب الكلمات من متكلم إلى آخر -بل عند المتكلم نفسه- إذا اختلف المعنى، فقد تقدم بعض الكلمات على بعض، وقد يؤخر بعضها على حسب الغرض الذي يقتضيه المقام ويقصده المتكلم، وعلى حسب أهميته في الكلام.
فمن أغراض التقديم والتأخير الحصر ومنه ما جاء في قوله تعالى: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) فتقديم الخبر الجار والمجرور (إلى ربك) على المبتدأ (المستقر) أفاد حصر استقرار الخلق يوم القيامة عند الله وحده فقط أي: لا مستقر يوم القيامة إلا عند الله وحده فقط.
وقد أشاد عبد القاهر الجرجاني في وصفه للتقديم والتأخير بقوله: «باب كثير الفوائد جَمُّ الْمَحَاسِن، واسع التصرف بعيد الغاية، لا يزال يَفْتَرُّ لك عَنْ بَدِيعَةٍ، وَيُفْضِي بك إلى لَطِيفَةٍ، وَلَا تزال ترى شعرا يَرُوقُكَ مَسْمَعُهُ، وَيَلْطُفُ لديك مَوْقِعُهُ، ثم تنظر فتجد سبب أَنْ راقك وَلَطُفَ عندك أَنْ قُدِّمَ فيه شيء أَوْ حُوِّلَ اللفظ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان».
ويشير مختار عطية إلى أنه ثمة ضابطٌ ينبغي أن يراعيه المتكلم عند التقديم والتأخير، وهو وجود الفائدة من تقديم المتأخر أو تأخير المتقدم، فإن انعدمت الفائدة فإنه يجعل هذا الإجراء من قبيل الإلغاز والتعمية اللذين ينأى عنهما الدرس البلاغي.
فالتقديم والتأخير فن يقصد به إبراز معنى، أو تقوية دلالة، أو لفت انتباه السامع والقارئ إلى فكرة بعينها. فمثلا في قوله تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ)، فهذه صفة من صفات النار أنها مطبقة عليهم، فتقديم الجار والمجرور من باب الاهتمام والترهيب، وتأكيدها بـ(إن) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة.
فترتيب الكلام ليس ثابتًا، بل يُظهر براعة المتكلم وقدرته على تطويع اللغة لخدمة المعنى. تقديم الألفاظ وترتيب الكلام إنما هو نتاج ترتيبه وتصوره في الذهن، فــ» التقدم في اللسان تبع للتقدم في الجنان».
ويقوم التقديم والتأخير على أغراض تحتاج إلى عناية ودراسة، تتجلى في حياتنا اليومية، حتى إن الجملة من الكلمات تصبح بتكوينها تابعة لمنهج نفسي، يتقدم عندها ما تجد النفس تقديمه أفضل من تأخيره، ومع ذلك فإنها بهذا التقديم والتأخير تحرص على أن تشير إلى المغزى والهدف من ذلك، فلا جرم أن يتقدم في الجملة كما تقدم في النفس.
ومن التقديم المرتبط بالتركيب البلاغي، التقديم الذي يُفيد الترتيب، لا التقديم الذي يغيّر مواقع الجمل، ما جاء في قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).
فائدة هذا الترتيب أن المرء يَفِرُّ منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا، وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أقرب وأحب، كأنه قال: يفرّ من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه. وقيل: يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات.
ومن إعجاز القرآن أنه يصوّر هول ذلك اليوم من خلال ترتيب أصناف القرابة في الآية ترتيبًا تصاعديًا؛ يبدأ بالأخ لشدّة الألفة، ثم بالأبوين لقوة الصلة، وتُقدَّم الأم لمزيد القرب، ثم يُنتقل إلى الزوجة والبنين وهم أقرب الناس ملازمة. فجاء هذا التدرّج في ذكر القرابات أبلغَ في استحضار صورة الفزع من أن يُقال مباشرة: يفرّ المرء من أقرب قرابته.
ومما يرد فيه التقديم لإفادة التشريف ما جاء في تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ).
فقدم القرآن الإنس على الجن في الآية الكريمة؛ لشرفهم على الجن، فالإنس أشرف من الجن؛ لأن منهم الأنبياء والرسل.
وتبعًا لذلك فالتقديم والتأخير في آيات القرآن الكريم لم يقتصر على الغايات الجمالية أو النحوية فقط، وإنما ذكر لغايات وأغراض بلاغية عظيمة، تكمن وراء ظاهرة التقديم والتأخير، وكان من أهمها: الاختصاص، والقصر، والاهتمام، والترهيب، والتفضيل، والتشريف، والنفي، والتشويق، والغلبة والكثرة، والسببية، والتعظيم، وغيرها.
ولأسلوب التقديم والتأخير سياقات وأسرار تحوي لطائف عميقة، ومعاني دقيقة تسهم في إبراز الدلالات، ومقاصد المتكلم من وراء استخدام هذا الأسلوب البلاغي الأنيق، وسنفسح المجال لما يتيسر من أمثلة في كلامنا اليومي، التي توضح الأغراض البلاغية الكامنة وراء ما قدم أو أخر فيها، وكيف يسهم هذا الأسلوب في إضفاء قوة ووضوح وجمال على التعبير.
للوهلة الأولى يبدو هذا الأسلوب حكرًا على القرآن الكريم والنصوص الأدبية، لكنه في الحقيقة حاضر في كلامنا اليومي دون أن نشعر.
فنحن نستخدمه حين نريد التأكيد أو لفت الانتباه أو التعبير عن مشاعرنا بوضوح أكبر. فعندما نقول: «أنت السبب»، فنحن نقدّم الضمير لإبراز المسؤولية، وعندما نقول: «إلى المدرسة ذهبتُ اليوم»، فإننا نقدّم الجار والمجرور لنُظهر أهمية المكان أو لننفي تهمة التأخر مثلًا. وحتى نجده حاضرًا في الإعلانات نسمع: «بجودة عالية نقدّم لكم منتجاتنا» حيث يُقدَّم الوصف لجذب الانتباه.
إن ترتيب الكلمات ليس مجرد بناء نحوي، بل هو وسيلة للتأثير في المتلقي، سواء كان قارئًا أو مستمعًا. فعند قولنا: «أنا أحبك» يختلف وقعها عن قولنا: «أحبك أنا»، رغم أن المعنى واحد، إلا أن الإحساس مختلف.
ولا نغفل أثر التقديم والتأخير في عصر وسائل التواصل الحديثة، إذ أصبح أداة مهمة لصياغة الرسائل القصيرة المؤثرة. فالتغريدة أو المنشور يعتمد على ترتيب الكلمات لإيصال الفكرة بأقوى صورة ممكنة، فمثلا نقول: «للوطن نعمل» أقوى وقعًا من «نعمل للوطن»، و»بك نفتخر» أبلغ من «نفتخر بك». وفي الصحافة كذلك نجد أسلوب التقديم والتأخير في صياغة العناوين، نقرأ مثلا: «في الرياض...مشروع جديد لدعم الشباب» أو مثلا: «بعد انتظار طويل...صدر القرار» فالعنوان ليس مجرد جملة، بل هو ترتيب مقصود للكلمات يهدف إلى شدّ القارئ وجذب انتباهه.
في عالم التواصل الرقمي، قد تختصر التغريدة فكرة كاملة في سطر واحد، مما يجعل ترتيب الكلمات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالتقديم يمنح الجملة قوة وتركيزا، والتأخير يضفي عليها إيقاعًا وتأثيرًا، وكلاهما يصنعان أثرًا لا تحققه الصياغة العادية.
وبهذا، فالتقديم حينًا والتأخير حينًا آخر ليس ترفًا لغويًا، بل أداة لصناعة التشويق ولفت انتباه القارئ.
وهكذا يظل التقديم والتأخير فنًا حيًا، يتجدد ويحيا مع كل وسيلة تواصل جديدة، ليسا مجرد ظاهرة لغوية، بل هما أداة بلاغية تمنح الكلام روحًا وعمقًا. يوجّهان المعنى، ويُبرزان المهم، ويُضفيان على اللغة جمالًا وإيقاعًا، وفي حياتنا اليومية، نستخدمهما دون وعي لنؤكد، ونُخصّص، ونُعبّر بوضوح أكبر. وهكذا يظل هذا الأسلوب شاهدًا على مرونة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة العصر دون أن تفقد أصالتها.
** **
د. نورة بنت عبد الله بن إبراهيم العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055