ما يؤسف حقًّا أنّ كثيرًا من شعرائنا الشباب لم يتزوّدوا بما يكفي من قراءة التراث العربي، وأنّ بعضهم أصدر ديوانًا أو اثنين ولم يفتح بعدُ المعلّقات، ولم يتعرّف إلى دواوين المتنبي وأبي تمام وأبي نواس وأبي العلاء المعرّي، وسواهم من الأعلام الذين شكّلوا ذروة التجربة الشعرية في العصرين الأموي والعباسي وما تلاهما. والأشدّ إيلامًا أن تمتدّ هذه الفجوة إلى شعراء سعوديين بارزين مثل محمد حسن فقي، وحمزة شحاتة، وحسين سرحان؛ وكلّ هؤلاء، من القدامى إلى المحدثين، ليسوا سوى نماذج لامعة لا يمكن لشاعر جادّ، يسعى إلى ترسيخ وعيه وتطوير تجربته، أن يقفز فوقها أو يتجاهلها. ولم أتطرّق هنا إلى نماذج أخرى في النثر العربي، ولا إلى أسماء شاركت في رسم خارطة الأدب السعودي الحديث، وهي أسماء لا غنى عنها لأي قارئ، فضلًا عن أن يكون شاعرًا أو قاصًّا يحاول أن يجد موقعه في هذا الامتداد.
تتشكل فكرة «محاولة قتل الأب» في الوعي الثقافي والفكري المعاصر كأحد أكثر الرموز تركيبًا وثراءً بالإيحاء؛ فهي لا تتعلّق برابطة الدم بين الآباء والأبناء بقدر ما ترتبط بعلاقة الأجيال الجديدة بالروّاد والمؤسسين، وبكيفية تعامل الحاضر مع الماضي بوصفه رصيدًا من التقاليد والرؤى، في مقابل رغبة لا تهدأ في الانفلات والتجاوز. في هذا الأفق يصبح «الأب» اسمًا جامعًا للشعراء الأوائل، وللمفكرين الكبار، وللفلاسفة الذين صاغوا طرائق التفكير، وللكتّاب الذين شكّلوا الذائقة الأولى. ومحاولة «قتله» لا تعني -حين تكون واعية- محوًا أو إلغاءً، بل قراءةً حقيقية، وتأويلًا، وإعادة كتابة. فلا جيل يستطيع أن يتخطّى من سبقه ما لم يقرأه بعمق، ويمتحن منجزه، ويدرك حدود قوته ونقاط ضعفه، ثم يحوّل هذا الإدراك إلى منصة انطلاق، لا إلى قيد يشلّ الحركة. أما الرفض السطحي للماضي فليس سوى انفعال طفل ناقم، لا موقفًا خلّاقًا لفاعل يدرك أنّه حلقة في سلسلة طويلة من التجارب الإنسانية.
على المستوى الجمالي والوجودي معًا، تكشف هذه الفكرة عن صراع داخلي يعيشه كل كاتب ومفكّر حين يضع قلمه على الورق لأول مرة. ثمة ظلّ ثقيل يقف خلف كتفه اسمه: الأسلاف. الكاتب الذي يكتب بالعربية يسمع في لغته أصداء الجاحظ والمتنبي وأبي حيان التوحيدي ونجيب محفوظ؛ والكاتب الذي يكتب بالإنجليزية يلتقط همس شكسبير وميلتون وولتر سكوت وفوكنر. من هنا تنبع الرغبة في التحرر من هذا الحضور الطاغي: كيف يمكن أن يُنتج نصًّا مختلفًا، واللغة نفسها مشبعة بآثار السابقين؟ عند هذه النقطة تظهر صورة «قتل الأب» بوصفها مجازًا لمحاولة التخفّف من سلطة تلك الرموز المؤسسة. غير أنّ ما يحدث في التجارب الكبرى هو عكس ذلك تقريبًا؛ فالمبدع لا يمحو أسلافه، بل يعيد استحضارهم داخل نصّه: يحاورهم، يجادلهم، يعترض عليهم، لكنه في العمق يقرّ بفضلهم ويمنح أسماءهم حياة جديدة داخل عمله، فيتحوّل النص الحديث إلى مساحة تلاقٍ بين الأزمنة لا إلى ساحة معركة.
من النماذج اللافتة التي نظّرت لهذا التوتر واشتغلت به إبداعيًا تجربة ت. س. إليوت، الذي تجاوز ثنائية «التابع» و«المتمرّد»، وطرح تصورًا أدقّ للعلاقة بين «التقليد» و«الموهبة الفردية». فالشاعر عنده لا يكون أصيلًا حقًّا إلا إذا كان منغرسًا في تقليد أدبي راسخ، ممتد في الزمن ومتعدد الأصوات. الأصالة ليست فصامًا عن الماضي، بل اندماجًا خلاقًا فيه، إلى الحد الذي يجعل العمل الجديد يعيد ترتيب صورة الأعمال القديمة في وعي القارئ. عندما يكتب شاعر معاصر قصيدة عظيمة، فإنها تغيّر طريقة تلقّينا للشعراء الذين سبقوه؛ إذ يسلّط النص الجديد ضوءًا مختلفًا على نصوصهم، ويكشف فيها إمكانات لم نكن نراها من قبل. بهذه الرؤية يتحوّل «الأب» من سلطة خانقة إلى جزء من شبكة حيّة، ويتحوّل «الابن» من ثائر غاضب إلى مساهم في كتابة تاريخ متجدد للأدب والفكر.
هذا الفهم العميق يتجسّد، على مستوى العمل الفني، في نصوص مثل «يوليسيس» لجيمس جويس، التي تُعد من أجرأ محاولات إعادة كتابة التراث الكلاسيكي. جويس لم يتّجه إلى هوميروس ليهدمه أو يسخر منه، بل عاد إلى «الأوديسة» بوصفها بناءً ملحميًّا كبيرًا، وأعاد إسكانه في جسد مدينة حديثة هي دبلن، وفي زمن يوم واحد من حياة رجل عادي. هنا لا يُمحى الأب الهوميري، بل يُستدعى إلى الحاضر؛ تُفكّك رمزيته العالية ثم تُركّب في سياق جديد: تتحوّل العودة من الحرب إلى عودة من عناء اليوم الطويل، وتغدو البطولات الخارقة صراعات داخلية ومحاولات صغيرة للنجاة من الملل والوحدة والاغتراب. هكذا لم يُخرج جويس هوميروس من ذاكرة الأدب، بل ضمن له حضورًا آخر في قلب الرواية الحديثة، ودفع قرّاء القرن العشرين وما بعده إلى العودة للملحمة القديمة بعين مختلفة. في الجوهر، ما فعله جويس هو الاحتفاء بالأب عبر تجاوزه، وإثبات أن المؤسس قابل دائمًا لإعادة القراءة.
وبطريقة أخرى، يقدّم خورخي لويس بورخيس نموذجًا مدهشًا لعلاقة مبدعة بالأسلاف، حين يذهب إلى القول إن الكاتب العظيم «يصنع أسلافه». فبعد أن يكتب كافكا نصوصه الغريبة عن البيروقراطيات الكابوسية والعوالم العبثية، نصبح قادرين على اكتشاف عناصر «كافكية» في كتّاب سبقوه لم نكن نلتفت إليها قبلًا. كأن الابن هو الذي يعرّفنا بآبائه، لا العكس. بورخيس نفسه شيّد نصوصه على حوار متشابك مع سيرفانتس وشكسبير والتقاليد الميتافيزيقية القديمة، لكنه لم يكتفِ بالاقتباس أو المحاكاة؛ بل تسلل إلى نصوصهم من الداخل، ولعب بقصصهم، وقلب بعض مسلّماتهم، وخرج بأعمال تجعلنا نقرأ أولئك المؤلفين قراءة جديدة. هنا يغدو «الأب» شريكًا في لعبة مرايا، لا تمثالًا ينبغي كسره أو صنمًا يجب السجود له.
في السياق العربي، يبرز نجيب محفوظ مثالًا لكاتب احتفى بالمؤسسين وهو يرسم لنفسه مسارًا مغايرًا. محفوظ لم يكتب في فراغ، بل انطلق من أرض مشبعة بنصوص تراثية: القرآن الكريم والحديث الشريف، «ألف ليلة وليلة»، السير الشعبية، قصص الأنبياء، وبلاغة النثر العربي القديم. في رواياته الأولى حضرت الأسطورة الفرعونية كخلفية رمزية، ثم تحوّلت الحارة القاهرية لاحقًا إلى مسرح يجمع بين الحكمة الشعبية والأمثال والأنماط البشرية القريبة من شخصيات المقامات والسير، لكن في إطار واقعي حديث. لم يقل محفوظ: «أنا أطيح بالجاحظ والمتنبي وأبي العلاء»، بل فتح نافذة على عالمهم من خلال لغة سردية جديدة، فبقيت جذور التراث منغرزة في نثره من دون أن تتحول إلى عبء شكلي. الأجيال التي جاءت بعده، حتى حين أعلنت القطيعة مع الواقعية أو مع الشكل الروائي التقليدي، ظلّت تتحرك في فلك تجربته، تكتب وكأنها تحاورها، تستأنفها أو تفارقها، لكنها لا تستطيع تجاهلها.
وعلى صعيد الفكر والفلسفة، تبرز تجربة مارتن هايدغر مع الفلسفة اليونانية بوصفها مثالًا آخر على الاحتفاء بالمؤسسين عبر قراءة جذرية لأعمالهم. هايدغر لم يتعامل مع هيراقليطس وأفلاطون وأرسطو باعتبارهم ماضيًا منتهيًا، بل عاد إلى نصوصهم في لغتها الأصلية، وقرأها بتأنٍّ، واستخرج منها أسئلة وجودية جديدة. لم يعلن «إلغاء أفلاطون» بقدر ما سعى إلى مساءلته من الداخل، معتبرًا أنّ تاريخ الفلسفة الغربية برمّته يقوم على سوء فهم مبكر لما قاله اليونانيون الأوائل عن الكينونة. هكذا تحوّل التراث الفلسفي القديم، في ضوء قراءته، إلى ساحة حوار نابضة داخل فلسفة معاصرة، لا إلى طبقة مدفونة تحت غبار النسيان.
وفي فضاء الفلسفة الحديثة أيضًا، بنى نيتشه مشروعه على جدل حاد مع الفلاسفة الذين سبقوه، ومع الأخلاق المسيحية، ومع سقراط تحديدًا بوصفه رمزًا لانعطاف العقل الغربي نحو العقلنة المفرطة. غير أنّ هذا العنف النظري لم يكن يستهدف محوهم من الخريطة، بل إعادة تحديد مواقعهم في تاريخ الفكر، وتفجير الأسئلة التي أبقوها معلّقة. والمفارقة أن نيتشه، الذي انتقد الأنظمة الأخلاقية السائدة، تحوّل هو نفسه إلى «أب» غذّت أفكاره تيارات لاحقة، من الوجودية إلى التفكيك، من دون أن تضطر إلى إنكاره أو إقصائه.
في الرواية الروسية، يمكن استحضار فيودور دوستويفسكي، الذي لم ينفصل عن تقاليد الأدب الروسي قبله، بل استثمر الواقعية الأولى عند بوشكين وغوغول، وأدخلها في أفق روحي وفلسفي جديد. ثم تلاه كتّاب مثل تولستوي، ومن بعدهما أجيال أخرى، فصار دوستويفسكي مقيمًا في ضمير الرواية العالمية كأبٍ من نوع خاص؛ يختلف معه الكثيرون ويجادلونه، لكنهم لا يستطيعون تجاوزه. حتى الروائيون الذين انتقدوا نزعاته الدينية أو رؤاه النفسية ظلّوا يكتبون وشيء من أسئلته حاضرٌ في خلفية وعيهم.
وفي فضاء الحداثة الشعرية العربية، نجد أن كثيرًا من شعرائها البارزين، ممن رُسمت حولهم صورة «المتمرّدين»، كانوا في العمق أبناء أوفياء للتراث. بدر شاكر السيّاب، على سبيل المثال، حين كتب قصائده الحرّة لم يقطع صلته بالشعر العربي القديم قطعًا تامًّا، بل استعاد الأساطير والرموز، واستحضر الخليل عبر الإيقاع والجرس، وعمل على التفعيلة ضمن حسّ موسيقي متجذر في الأوزان القديمة. وأدونيس، أحد أبرز دعاة التجديد، كتب مطولًا عن الشعر الجاهلي وعن المتصوّفة وأبي تمام، ورأى أن الحداثة لا تُستورد من الخارج، بل تُستخرج من قلب تراثنا نفسه، من طبقاته المهمّشة والمنسية.
كل هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها وأزمنتها، تشير إلى حقيقة واحدة: لا يستطيع جيل أن يضيف إضافة جوهرية إلى الفكر أو الأدب أو الفلسفة ما لم يقرأ من سبقه قراءة عميقة مركبة. وحدها الكائنات التي تعيش خارج التاريخ، بلا ذاكرة ولا تراكم، لا تتعلّم من ماضيها. أمّا الإنسان، جيلًا بعد جيل، فلا يتقدّم إلا عبر هذا التراكم: خبرات سابقة تُستوعَب، وتُنتقَد، وتُعاد قراءتها، فتتحول إلى درجات في سلّم يصعده الجميع. والأدب أحد أوضح الحقول التي تتجلى فيها هذه الحقيقة؛ فكل قصيدة تُكتب اليوم تحمل في طياتها صدى قصائد بعيدة، وكل رواية جديدة هي، على نحو ما، تلميذة في مدرسة كونية بدأت منذ أول حكاية رواها إنسان لإنسان.
لذلك فإن النظر إلى «قتل الأب» بوصفه فعل محوٍ رؤية قاصرة. أمّا الفهم الأكثر نضجًا فيرى أن تجاوز الآباء لا يتحقق إلا باحتضانهم معرفيًا وجماليًا، وبإدخالهم في حوار مفتوح لا ينتهي. الجيل الذي يحترم رموزه الثقافية لا يجمّدها في قداسة تعطل حركتها، ولا يسيء إليها بنسيانها، بل يعيد تعريفها في ضوء أسئلته الخاصة. عندئذ يتحوّل الماضي من عبء إلى طاقة، ومن سلطة إلى أفق، ويغدو الأب شريكًا في المغامرة، لا خصمًا في معركة متخيّلة.
** **
- إبراهيم زولي