يمثل غلاف الرواية المدخل الذي يأخذ بيد القارئ إلى عالم التخمين الابتدائي، وهو يعتمد على المؤشرات البصرية المكونة من الصورة واللون واللوحة التشكيلية واللغة المكتوبة على صفحتي الغلاف، وتشمل اسم المؤلف وعنوان العمل وتجنيسه، إذ يستدل بها القارئ على المتن الروائي، فهو يحمل إشارات عميقة لها علاقات وطيدة مع المضمون؛ لذا تلتفت هذه المقالة إلى مكون اللون الأحمر في رواية محمد المزيني (ياقوت أحمر) الصادرة عن دار الانتشار عام 2019م، والذي يحضر على غلاف الرواية؛ أولًا: في العنوان (ياقوت أحمر)، وثانيًا: في امتداد اللون بصفحتيه الأمامية والخلفية بدرجته الخمرية، ثم ينتقل إلى درجة أقرب إلى لون الدم لكتابة اسم المؤلف، ولم ينج من هذا اللون سوى اسم الرواية الذي كتب باللون الأبيض، وهي مساحة ضئيلة قياسًا بالحمرة التي اصطبغ بها الغلاف، وتحيل هذه الثنائية اللونية غير المتكافئة إلى مضمون العمل الروائي الذي يسعى فيه عالم الحمرة إلى طمس عالم البياض.
ويبرز دور العلامة البصرية (اللون) في تكثيف دلالة النص المرتبطة بـ(الياقوت الأحمر) وقوة امتلاكه في السيطرة، وذلك حين يرتبط بالدم وتدفقه عبر الجسم، وتحكمه في أجهزة الإنسان قوة وضعفًا، وهو ما يصرح به قرن الوعل:» بيننا عقد وثقناه بأحبار لا تزول وبصمناه على اللحم بالدم، تفسده الخيانة ونقض الميثاق»، لذا فإن من يمتلك تعويذة الياقوت الأحمر سيحصل على القوة والقدرات المانحة للسيطرة، لكن هذا الحجر لا يمتلك القدرة على تحديد نوع القوة المنبثقة منه؛ لذلك يدور الصراع من أجل الحصول عليه مصورًا الصراعات بين عالمين؛ هما: عالم الجن الذي يبحث عن السلطة والاستحواذ على عالم الإنس، وعالم الإنس الذي يبحث عن أسباب الحماية والتحصن ضد العالم الساعي إلى التمدد من خلال التزاوج بين العالمين وإنتاج مخلوقات تحمل المكونين، هذا مع ما يحمله عالم الجن الخاص من صراعات بين المكونات الخيرة والشريرة.
ويحمل اللون إشارات بصرية -في انتقاله من مادة الصورة إلى الوصف السردي باللغة -تحيل إلى صراعات هذين العالمين، وتظهر جليًا في المشاهد السردية الفاصلة في بناء الأحداث، وفي تكوين بنيتي المكان والزمان، ويحضر اللون بهذه الاستراتيجية بوصفه خيطًا خفيًا يحكم عقد مفاصل الرواية، فهو امتداد لخفاء العالم اللامرئي وفاعليته في الرواية.
وتحدد الإشارات اللونية بناء الشخصية الرئيسة (ضياء) والشخصيات الفاعلة في الرواية، فاللون الأحمر يشير إلى الجنس المختلط لضياء؛ الذي ولد لأب من الإنس، وأم إنسية لكنها: «كانت مخالطة لجني أرضي طرد من سماوات الجن لتعلقه بها»، ونتج عن هذه المخالطة (ضياء) الذي لم تستبد به نطفة الجني إلا في قلبه الذي لا يستشعر الخوف، ولأن هذا الجني لم ينجح في اتخاذ جسد ضياء مسكنًا له فقد سجن بأمر سيد الجن في قعر زجاجة، فـ(ضياء) نتيجة هذا الالتباس الذي غلب عليه الجنس البشري، أما في العالم الآخر فقد خالطت جنية أخرى والد ضياء (خالد) أيضًا و:» أنجبت منه طفلًا اتخذه أحد سادة الجن عبدًا من عبيده، وقد كبر، وينتظر الفرصة ليخرج من شرنقته ويتماهى مع الجزء الضئيل من طبيعته الإنسية، ولن يحدث هذا ما لم يتصل بإنسي ممسوس بشرارة جنية»، هذا الطفل هو (قرن الوعل) الأخ غير الشقيق لضياء، الذي يجد في ضياء الهدف الأقرب لتحقيق ما يصبو إليه، وبالتالي فإن (ضياء) و(قرن الوعل) شخصيتان ساهم الجنس الناري (الأحمر) والجنس الإنسي (الأبيض) في تكوينهما، وطغيان لون على الآخر يحدد هوية كل منهما، دون الاستغناء عن أحد اللونين، فقرن الوعل حين يتراءى لضياء يظهر باللونين: «يبرق بلون أبيض في العتمة ولون أحمر قان.. يخاتل به خلواتنا»، و» تراءت له كتلة لهب حمراء يخالطها بياض كرداء أبيض فضفاض»، وفي المحكمة :» تعلقت صورته القادحة كشعلة نارية في أعلى سقف المحكمة والقاضي ينطق بالحكم الابتدائي على جريمة لم أقترفها»؛ وفي مقابل هذا اللون المهيمن على شخصية (قرن الوعل) يعترف (ضياء) بأنه جزء من مكوناته؛ فالطلاسم التي أعطاها لأبي صالح:» والملفوفة بقماشة حمراء مسحورة، هي جزء من أسراري ومكوناتي الشخصية»، ولكن هذا اللون الأحمر المخيف سيكون عنصر النجاة الذي أهدته ذات الشعاع البلوري لخالد في تعويذتين، هما:
1 -التعويذة اللسانية المحفوظة.
2 -التعويذة المدونة في ياقوتة حمراء، وهي مدفونة بين الماء والنار، وبكلاهما يحترق قرن الوعل، فالتحصين بالياقوت الأحمر يقوي قلب لابسه ويمنحه الشجاعة، وتكشف ذات الشعاع البلوري أسرار الجن لضياء: «تفاديا لأي اختراق جني آخر، شعلة حمراء قانية مشربة بلون المرجان القاني نراها تلمح حتى لو لم يكونا حاضرين كجسدين، فالجان يتعارفون باللون أكثر من الأسماء. أضحت ثيمة بصرية نستدل بها على الضوء المارق».
ويصبح هذا اللون جاذبًا ومخيفًا لضياء في آن معًا، فهو إذ ينذره بحضور (قرن الوعل) من جانب؛ إلا أنه يغريه بحضور امرأة فاتنة، حذره منها والده؛ لكنها فتنت الوالد أيضًا فلحقها وابنه:» جلست بين مصاطب القبور، معقودة بضوء خافت ذي حمرة قاتمة...قدحت شرارة لم يلبث أن انتشر ضوؤها» ، هذه الفتاة التي يرافقها زوجها في تنقلاتها، أصبحت فيما بعد كاشفًا لأسرار العالم اللامرئي، وحضور الشعلة الحمراء هي الرمز الخفي بينها وبين (ضياء) بإعلان وجودها غير المرئي بشكل كامل: «هما زوجان من الجن استأنسا بنا في بعض خلواتنا، دون أن نعلم بوجودهما، وعندما يتناول أبي الربابة ويجر أوتارها على لحن حزين، يتبدى قبس ضوء شارد تلاحقه شعلة نارية حمراء»، لقد أنس (ضياء) بهذين الزوجين؛ معللًا ذلك بقوله: «الفتاة تتحدث بصوت أمي كما أخبرني أبي، والشاب تقمص صوت أبي شابا يافعا»، ويطغى اللون الأبيض على حضور هذين الزوجين، وهما: «العاشقان ذوا الشعلة البلورية؛ لم يستسلما لتقاليد سيد الجان في الارتباط والتزاوج رغم أنه من طبقة الخدم المأمورين بمخالطة الناس وهي من الأسياد وطبقاتهم العليا، فقد أمدته بطاقة نارية أسقطت كل ارتهاناته لأوامر العفاريت والمردة»، ويحضر اللون في ارتباطه بهذه الشخصية المنتمية إلى العالم اللامرئي دالًا على الخير، وليس على الهوية أو الجنس الذي يكونها، وهي تحدد لضياء مصدر هذا اللون الأحمر وهي تحكي حكايتها لضياء:» ثمة لمحة سريعة وخاطفة تسمى القبس الناري المقدس، من استطاع اختراقها فسيتمكن من الالتباس بأي جنية من طبقة الأسياد والملوك، في لمحة القبس الناري المقدس هذه اختطف المسافة إليها وتعلق بشعلتها فانتفض جسداهما واختلطا ما بين الريح والنار، لن يقدر حتى سيد الجن على استخلاصه منها ما داما متماهيين في قبس ناري واحد إلا بطريقة واحدة...».
ويعد اللون الأحمر أداة احتراق حين يُستخدم من كائن مغاير، ضد الكائن الذي يتكون من هذا اللون كما هو الحال مع قرن الوعل، وهو أداة اختراق الجن للكائنات البشرية، حين يجد الكائن الناري منفذًا له مع انفجار الدم بغزارة كما حدث مع والدة ضياء، فاقتربت من ذلك العالم مع ما كان يخالجها من الخوف، وكذلك ضحى ابنة الشيخ التي لاحت على ملامحها خطوط حمراء توحي باختراق جسدها من العالم الآخر، وسيحضر عنصر اللون أيضًا في علاج تلك الحالات الممسوسة كما هي تعويذة ضياء التي تركتها له ذات الشعلة البلورية:» تعويذة أخرى مدونة بياقوتة حمراء سيحترق بها إن قرأتها، وهي هديتي لك ستجدها مدفونة في الزاوية اليمنى من قصر البنت»؛ كما أن المعجون الأسود الذي يستخدمه (خالد) وابنه في العلاج يصبح بعد المزج والإضافات» مائلًا إلى اللون الخمري».
ولابد من الإشارة هنا إلى أن المخالطة والامتزاج في شخصية (ضياء) تتجلى حتى في دلالة الاسم الذي يطلق على المذكر والمؤنث، كما يدل على اختلاط اللونين الأبيض بالأحمر كما في الآية الكريمة {هو الذي جعل الشمس ضياء}؛ فالشمس بلونها الأحمر تنشر ضياء النهار بما فيه من دلالة الإشراق والبياض، هذا التغلغل في تتبع دلالة الاسم يمنح الشخصية سمة خاصة في جملة الصفات المكتسبة من أصلها وجمعها بين البشاعة والجمال والخوف والأمان، كما يشير إلى طبيعتها المتحولة التي تنقل إلى القارئ مشاعر الخوف والتوجس والقلق من هذه الشخصية.
ونظرًا للحضور الكثيف والدور البارز للعلامة اللونية (الأحمر) فإن هيمنة هذا المكون تمتد إلى المكان لتؤطره وتشكل هويته؛ حيث يحضر اللون الأحمر متجليًا في مصادره الطبيعية كـالشمس في الدلالة على الزمان وانعكاساتها على المكان، والرمال والهضاب والقبور وهي أماكن الميلاد والموت، حيث تنسجم الدلالة اللونية مع طبيعة المكان في (العلا) ذلك الموقع الجغرافي الذي تقع فيه تلك الصراعات:» تلوذ الشمس خلف الهضاب الحمر البعيدة»، إذ أن بروز اللون من مصدره الطبيعي يكون أشد قوة في تأثيره وجاذبيته.
ويستعين الروائي المزيني بالتشبيه للكشف عن أبعاد هذا اللون كما في تصويره السماء حين يقصفها الرعد بهالة من البرق فتكشف لعينيه عن:» أيادي سوداء تخنق الكون حتى يتفصد منه دم أسود يغرق الأرض بجيف نتنة «، وفي هذه الصورة تظهر العلاقة اللونية منسجمة مع المكان ودلالته في طغيان للون الأحمر، ودلالته على معاني الخطر.
وتتجلى العلاقة اللونية في دلالة اللون الأبيض على الوضوح والإشراق، والأمل والصفا والتفاؤل، في القصر الذي تقيم فيه ضحى ابنة الشيخ:» كل شيء فيه موشى باللون والضوء»، وهي الفتاة التي يرتبط بها ضياء في علاقة حب سليمة، وكذلك المكان الذي تختاره ذات الشعاع البلوري؛ حيث تضع بالقرب من الضوء هديتها لضياء وهي إحدى تعويذات الحفظ، مدونة بياقوتة حمراء يحترق بها (قرن الوعل) إن قرئت عليه، وقد دفنتها في الزاوية اليمنى من قصر ابنة الشيخ.
ويصبح المكان محركًا للزمن وموجهًا ومؤثرًا في تحديده من خلال علاقة خفية بينهما، تتآلف بحميمة مع الشخصيات، فيتشكل من هذا الارتباط كيانًا زاخرًا بالحركة والحيوية، وهو ما يفسر اختيار الكائنات اللامرئية وقت الظهور في الوقت الذي تنتهي فيه تجليات الشمس بحمرتها، وخلو الفضاء كي يتلون بحضورها؛ فـ:» مع انزياح الشمس إلى أقصى الغرب يقود الرعاة قطعانهم مع حمرة الشفق إلى محاجرها»، لتبدأ زيارات تلك الكائنات الليلية، كما في حضور تلك الفتاة واستدراجها لضياء ووالده إلى تلك الأماكن في ذلك الوقت وبعد غياب الشمس؛ فالفتاة التي تراءت لهما بشعاعها الأحمر ليلًا، وحذر منها ولده، استطاعت فتنته فلحقها ثم لحق ابنه:» جلست بين مصاطب القبور، معقودة بضوء خافت ذي حمرة قاتمة...قدحت شرارة لم يلبث أن انتشر ضوؤها»، وقد اختارت المكان المظلم ليظهر لونها أحمرًا نقيًا فاتنًا.
وحين يختفي الضوء يصبح الصوت دليلًا للسائر في الظلام؛ ووسيلة استدعاء خاصة بين هذه الكائنات، وقد لعب هذا الدور صوت الربابة المنبعث من خيمة ضياء في استدعاء ذو الشعلتين:» جر ربابته بحزن أعمق، فاشتعلت الخيمة بالضوء الناري، وتراءيا لنا مشعين، انتهت معزوفته...ثم سأل: لماذا أنتما مخيفان؟ ألأنكما مؤذيان؟ اتسعت عيناهما وتلونتا بلون لهب أحمر، لوت ذات الإشعاع البلوري عنقها نحو ذي الشعلة النارية وكأنها تستأذنه بالإجابة...»، ولأن الزمن ليس له وجود مستقل مثل الشخصية، أو المكان، فإنه يتسرب بصورة ملحوظة وغير ملحوظة في الإحساس والشعور والأبعاد النفسية، فالغروب الذي يصبغ به الفضاء السردي، يعكس شعور الخوف والرعب والتوترات النفسية المنسجمة مع الدلالة على الصراعين الداخلي والخارجي بين (ضياء) و(قرن الوعل).
ووفق هذه الرؤية اللونية التي تهيمن فيها الحمرة ابتداء بالإشارة الضمنية إلى حضور (قرن الوعل):» بلون أحمر قان... يخاتل به خلواتنا»، وانتهاء بوقوف ضياء في آخر الرواية: «وفي أصابعه عدد من الخواتم أكبرها الخاتم ذو الفص الياقوتي الأحمر البارز»، الذي يعلن انكشاف ظهور (قرن الوعل) المتخفي؛ فـ:»عيناه تشعان في عتمة يخترقها ضوء أحمر ساطع كالمدية الحادة...يقترب منه لتمتد أصابع ضياء باتجاه مرمى نظره رافعًا خاتمه بموازاة عينيه يقرأ التعويذة المنقوشة في فص الياقوت الأحمر..أشع الياقوت، أغرق المكان بضوئه الدموي القاني...»، وكي يقضى على (قرن الوعل) أغلقت منافذ الضوء التي تمده بالحياة، لكن منفذ استمرارية مسيرته تتسرب إلى هذا العالم من عبوره إلى جسد ضياء في المكون المشترك بينهما، وكذلك عبوره إلى جسد خديجة وجسد عمة زكريا، إذ شفيتا بتلك الأدوية التي صنعها زكريا من لحم أبي صالح الذي قتل مخترقًا من جنود قرن الوعل، فستظل هذه الأجساد تحمل عناصر ذلك العالم، وستظل أجسادًا قابلة للاختراق من تلك الأرواح الشريرة.
إن العلاقة بين العنوان والغلاف والضوء الأحمر الذي يغلف وجود (قرن الوعل) ويخترق أفق البياض؛ هي علاقة شارحة لعالم الرواية، تعيد القارئ بعد انتهاء القراءة إلى ربط تلك المفاتيح، التي تحيل إلى رمزيتي البياض والخير والحمرة والشر، وما تحيل إليه من عوالم مرتهنة بدلالة هذا اللون، وانعكاسه على سلوكيات وقيم الشخصيات المنتمية واللامنتمية إلى تلك العوالم.
لقد حاولت هذه الرواية اختراق الهيبة المقدسة الفارقة بين عالمين لا يلتقيان، واقتحام حدودها، لتكشف في رحلة البحث عن الذات المتراوحة بين الوعي واللاوعي في استبطان للنفس والكشف عن ترسباتها الواقعة في اللاوعي الفردي والجمعي في مواجهة التحديات المرعبة الواصفة لهذا الواقع وعلاقاته، وعن التلون العجيب والصادم بين الشخصيات؛ فذات الشعاع البلوري برغم حضور مكونها الناري إلا أن جانب البياض والخير يجعلها تمنح ضياء تعويذة الحفظ، بينما يلجأ حارس ابنة الشيخ بمكونه البشري وغلبة روح الانتقام والشر إلى استمالة الجسد الأنثوي بالسحر والشعوذة.
وقد مثل اللون الأحمر دلالة ازدواجية فعكس الدلالة السلبية السائدة لاستخدامه في رمزيات الشر والسلطة والاستحواذ المرتبطة بالمرجعية الثقافية العربية في تصوير العالم اللامرئي، وذلك من خلال الاختراق لأجساد البشر الذي يحدث مع جريان الدما، كما حمل الدلالة الإيجابية في استخدامه لتحرير المصائر البشرية المرتهنة لتلك السلطة الشريرة، كما في لون المسحوق الذي يصنعه (ضياء) للعلاج الحالات المرضية المستعصية، ومن خلال هذه الازدواجية تخلّقت صورة الصراع الأزلي بين العالمين في محاولة لخلق أنموذج إيجابي فاعل للعالم الإنساني الذي يتكئ على ذلك المكون الخفي.
** **
د. دلال بنت بندر المالكي - أديبة وأكاديمية