الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
انطلقت منصة «أدب ماب» من سؤال نقدي هادئ في صياغته، عميق في دلالته: كيف يمكن قراءة الأدب السعودي بوصفه امتدادًا للمكان، لا مجرد خلفية سردية؟ ومن هذا السؤال تشكّل المشروع بوصفه مبادرة ثقافية رقمية تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الأدبي عبر الجغرافيا، وربط النصوص بسياقاتها المكانية والتاريخية، وتقديم الأدب السعودي في صورة خريطة معرفية تفاعلية مفتوحة.
ولا تقف «أدب ماب» عند حدود التوثيق أو الفهرسة، بل تنطلق من تصور قرائي يعيد الاعتبار للمكان بوصفه عنصرًا بنيويًا في النص الأدبي، كاشفًا لتحولات المجتمع، ومعبرًا عن الذاكرة الثقافية للمدن والقرى والفضاءات التي تشكّلت فيها التجربة الإبداعية. فالمكان هنا ليس إطارًا محايدًا، بل مدخلًا للفهم، ومفتاحًا للقراءة، وأداة تأويل للنص.
وفي هذا اللقاء لـ«الثقافية»، يوضح مؤسس المنصة أحمد المطلق ملامح تشكّل المشروع، منذ بدايته كسؤال نقدي فردي، وصولًا إلى تحوّله إلى مبادرة ثقافية رقمية متعددة المسارات، تجمع بين التوثيق والتحليل والتعليم والتفاعل الرقمي، كما يتناول ما تقدّمه المنصة اليوم، والرؤية التي تحكم توسّعها بوصفها محاولة جادة لقراءة الأدب السعودي على الخريطة… حرفيًا ومعرفيًا.
خارطة الأدب السعودي
كيف نشأت فكرة منصة «أدب ماب» الرقمية، وما هو الدافع إلى قراءة الأدب السعودي عبر الخريطة؟
البداية لم تكن مشروعًا تقنيًا بقدر ما كانت سؤالًا نقديًا. أثناء قراءة الروايات السعودية، كان المكان حاضرًا بقوة داخل النص، لكنه شبه غائب في التلقي. نقرأ عن مدن، وقرى، وأحياء، وصحارى، لكن دون أداة تساعدنا على تتبع هذا الحضور أو تحليله بوصفه عنصرًا بنيويًا. من هنا جاء السؤال: لماذا لا نقرأ الأدب عبر الخريطة؟ لا بوصفها عنصرًا بصريًا فقط، بل كمدخل لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية. هكذا تشكّل “أدب ماب” بوصفه محاولة لربط الأدب بالمكان والزمان، وتقديمه في صيغة تفاعلية قابلة للبحث والتوسّع.
مشروع رقميّ
ما الذي يميّز «أدب ماب» كمشروع رقمي يوثّق الأدب السعودي ويحلّله مكانيًا؟
اليوم يمكن القول إن “أدب ماب” تجاوز مرحلة الفكرة التجريبية إلى منصة ثقافية رقمية قائمة على التوثيق والتحليل. المنصة وثّقت أكثر من 1500 رواية سعودية، وربطتها بالمكان السعودي عبر خريطة تفاعلية، إلى جانب إعداد أكثر من 100 ملف أدبي جديد لأدباء سعوديين لم تحظَ تجاربهم سابقًا بملفات تعريفية موسوعية أو قراءات توثيقية مستقلة.
كما تتيح المنصة تصفّح المحتوى حسب المدن، أو الموضوعات، أو الفترات الزمنية، وتشمل الرواية، والشعر، والقصة القصيرة، وأدب الرحلات. إلى جانب ذلك، تنتج “أدب ماب” تقارير أدبية دورية، وملفات بحثية، وسلاسل معرفية عبر وسائل التواصل، تهدف إلى تقديم محتوى رصين بلغة واضحة، دون تبسيط مخلّ أو تعقيد أكاديمي معزول.
ثنائية القارئ
كيف تتجاوز «أدب ماب» ثنائية القارئ العام والباحث المتخصص في تقديم محتواها؟
نحن لا نؤمن بثنائية القارئ العام مقابل الباحث المتخصص. المنصة موجّهة لطلاب الجامعات، والباحثين، والقراء، وصنّاع المحتوى الثقافي، والمهتمين بالسياحة الأدبية، وكل من يحاول فهم المجتمع السعودي عبر نصوصه. الخريطة هنا ليست أداة ترفيهية، بل وسيلة قراءة وفهم، تسمح بإعادة اكتشاف الأدب بوصفه سجلًا ثقافيًا حيًا.
المحتوى
كيف قاد تراكم المحتوى إلى تحوّل «أدب ماب» من خريطة أدبية إلى مظلّة ثقافية متعددة المسارات؟
نعم، هذا التحوّل كان مقصودًا. ومع تراكم المحتوى، تبيّن أن الخريطة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن أدوات معرفية أخرى. لذلك بدأنا ببناء «أدب ماب» كمظلّة ثقافية تضم عدة مسارات: الخريطة الأدبية التفاعلية، وأكاديمية الأدب، والمكتبة الصوتية الأدبية، والتقويم الأدبي، إلى جانب التقارير والملفات البحثية. والفكرة أن القارئ لا يحتاج فقط إلى معرفة أين كُتب النص، بل كيف يُقرأ، وكيف يُدرَّس، وكيف يُناقش في سياقه الثقافي؟
أكاديمية الأدب
ما الدور الذي تؤديه أكاديمية الأدب ضمن «أدب ماب»، وكيف تعالج الفجوة بين المحتوى الأدبي المتخصص والقراءة العامة؟
أكاديمية الأدب جاءت استجابة لحاجة تعليمية واضحة. هناك فجوة بين المحتوى الأدبي المتخصص والمحتوى المتاح للجمهور العام. الأكاديمية تقدّم برامج تعليمية منظمة في الأدب السعودي، والنقد الأدبي، وقراءة الرواية، وكتابة السيرة الذاتية الأدبية، وغيرها. الفكرة ليست تخريج نقّاد، بل بناء قارئ واعٍ يمتلك أدوات قراءة وتحليل. الأكاديمية تعمل بتكامل مع الخريطة، بحيث يكون النص المدروس مرتبطًا بمكانه وسياقه، لا معزولًا عنه.
المكتبة الصوتية
ماذا عن المكتبة الصوتية الأدبية؟
المكتبة الصوتية تأتي من إدراك أن أنماط التلقي تغيّرت. كثير من القراء اليوم يستهلكون المعرفة عبر الصوت. نعمل على تحويل مختارات من المحتوى الأدبي، والملفات التعريفية، والمواد المعرفية إلى صيغة صوتية، تتيح الاستماع أثناء التنقّل. الهدف ليس استبدال القراءة، بل توسيع منافذ الوصول إلى الأدب.
التقويم الأدبي
ما الدور الذي يؤديه التقويم الأدبي في رصد وتنظيم الفعاليات الثقافية بالمملكة؟
التقويم الأدبي هو محاولة لتنظيم المشهد الثقافي لا تغطيته فقط. نرصد الندوات، والأمسيات، ومعارض الكتب، والفعاليات الأدبية في مختلف مناطق المملكة، ونقدّمها في تقويم واحد يسهل الرجوع إليه. هذا يخدم الباحث، والقارئ، وحتى الجهات المنظمة، ويحوّل النشاط الأدبي من أحداث متفرقة إلى مشهد يمكن متابعته وتحليله.
مسرعة الأدب والنشر والترجمة
ما أثر مشاركة «أدب ماب» في مسرعة الأدب والنشر والترجمة التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة على تطوير المشروع وتوسيع حضوره خارج الإطار الرقمي؟
شارك “أدب ماب” في مسرعة الأدب والنشر والترجمة التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة مطلع 2025، وكانت تجربة مفصلية أسهمت في تطوير نموذج العمل، وتوسيع الرؤية المؤسسية. كما بدأت المنصة بناء علاقات تعاون مع دور نشر، وأكاديميين، ومبادرات ثقافية، وشاركت في معارض كتب وفعاليات أدبية، ما أتاح اختبار المشروع خارج الإطار الرقمي.
التحديات
ما الصعوبات والتحديات التي رافقت تجربة «أدب ماب» في التوثيق والتحليل وتقديم المحتوى الأدبي؟
التحدي الأكبر كان توثيقيًا ومعرفيًا: قراءة وتصنيف كمّ كبير من النصوص، وربطها بالمكان بدقة دون إسقاطات سطحية. كذلك كان هناك تحدي تقديم الأدب بلغة بصرية وتفاعلية دون اختزاله أو تحويله إلى محتوى استهلاكي. التوازن بين الدقة والوضوح مسألة نعمل عليها باستمرار.
القيمة الأدبية
كيف تسعون إلى ترسيخ “أدب ماب” ككيان ثقافي فاعل يتجاوز المنصة الرقمية، مع الحفاظ على القيمة الأدبية؟
المرحلة المقبلة تركّز على ترسيخ “أدب ماب” ككيان ثقافي حي، لا مجرد منصة رقمية. نعمل على التوسّع في التقارير الأدبية المتخصصة، وتطوير البرامج التعليمية، وتعزيز الحضور في المعارض والمهرجانات، وبناء شراكات طويلة المدى. الرهان الأساسي هو أن الأدب يمكن أن يكون مدخلًا للتعليم، وبناء الذاكرة الثقافية، وربما للسياحة الثقافية، دون أن يفقد قيمته الجمالية أو النقدية.
ذاكرة المكان
ماذا تقولون لزائر المنصة لأول مرة؟
“أدب ماب” ليس موقعًا للقراءة فحسب، بل مشروع يعيد وصل الأدب بذاكرة المكان؛ حيث يمكن للقارئ أن يلتقي بنص كُتب عن مدينته، أو أثر شاعر مرّ بحيّه، أو كتابة تعيد تشكيل فهمه للمكان الذي يعيش فيه، ليغدو الأدب جزءًا من الوعي اليومي لا مادة معزولة على الهامش.
** **
ali_s_alq@