القيادة الملهمة هي القوة التي تعيد تشكيل وعي الأمم وتفتح أمامها مسارات التفوق. ومع الذكرى التاسعة لبيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، تتجه الأنظار إلى فلسفة نهوض متكاملة أعادت ترتيب أولويات الدولة، ودفعت بالمملكة إلى آفاق السيادة المعرفية بثقة وثبات. تسع سنوات حملت مشروعاً واضح المعالم، ارتكز على بناء الإنسان وتعظيم قيمة العقل الوطني بوصفه الثروة الأثمن والأكثر استدامة.
منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، تموضع الاستثمار في المعرفة في قلب التحول الوطني، فانتقلت بوصلة الاقتصاد، بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد، نحو تعظيم المحتوى العلمي والابتكاري. الرؤية انطلقت من قناعة راسخة بأن ازدهار الدول يرتبط بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوطين التقنية، وهو ما انعكس في إعادة هيكلة منظومة البحث والتطوير، ورفع كفاءة المؤسسات العلمية، وتوسيع دوائر التمويل الموجه للابتكار.
الأرقام الموثقة تعكس حجم التحول الهيكلي؛ فالإنفاق على البحث والتطوير، الذي بلغ نحو 6.75 مليار ريال في عام 2015، شهد خلال السنوات التسع الماضية قفزات تمويلية نوعية، استهدفت بناء قاعدة بحثية صلبة تعزز تنافسية المملكة إقليمياً وعالمياً. هذا التوسع المالي ارتبط بسياسات حوكمة دقيقة، وبرامج تحفيز للجامعات والمراكز البحثية، الأمر الذي أسهم في رفع جودة المخرجات العلمية وزيادة النشر في الدوريات المحكمة، وتحسين مواقع الجامعات السعودية في مؤشرات التصنيف الدولي.
وفي سياق تعزيز المنظومة المعرفية، اتسعت شراكات المملكة مع بيوت الخبرة العالمية، ضمن نهج «الانفتاح الواعي» الذي يجمع بين نقل المعرفة وتوطينها. التعاون مع مؤسسات أكاديمية مرموقة أتاح للباحث السعودي فرص الاحتكاك المباشر بأحدث المدارس العلمية، وأسهم في ترسيخ ثقافة الابتكار المؤسسي، بما يضمن استدامة النمو المعرفي وتطوره الذاتي.
هذا الحراك العلمي انعكس بصورة مباشرة على مسار التحول الرقمي، حيث جرى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في القطاعات الحيوية، لتتحول المؤسسات الحكومية والخاصة إلى منظومات أكثر كفاءة ومرونة. كما برز مشروع «نيوم» نموذجاً تطبيقياً لاقتصاد المستقبل، بما يحمله من بيئات اختبار متقدمة للروبوتات والطاقة النظيفة والتقنيات الذكية، الأمر الذي يعزز مكانة المملكة كمختبر عالمي مفتوح للابتكار.
وفي امتداد طبيعي لهذا التقدم العلمي، شهد القطاع الطبي نقلة نوعية مدفوعة بالبحث التطبيقي والتقنية المتقدمة. الاهتمام لم يقتصر على التوسع في البنية التحتية الصحية، بل توجه إلى دعم الأبحاث الدقيقة التي تمس جودة حياة الإنسان. برزت مراكز بحثية متخصصة في مجالات النانو والتقنيات الحيوية، وأسهمت في تسجيل براءات اختراع دولية، وفتح آفاق جديدة في التشخيص والعلاج المتقدم.
كما تسارع توطين الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية، بالتوازي مع توظيف الذكاء الاصطناعي في المنظومات الصحية، مما رفع دقة التشخيص، وحسّن كفاءة العمليات الجراحية المعقدة، وعزز إدارة البيانات الطبية الضخمة. هذه الخطوات أسست لقطاع صحي أكثر استدامة، وجعلت المملكة بيئة جاذبة للباحثين والمبتكرين في علوم المستقبل الصحية.
التحول الذي تقوده المملكة يتجاوز حدود البرامج المرحلية، إذ يستهدف بناء اقتصاد معرفي متكامل يبدأ من المختبر وينتهي بالمنتج الصناعي. ولهذا يركز سمو ولي العهد على تحفيز القطاع الخاص للمشاركة في تمويل البحث العلمي، بما يخلق دورة ابتكار مستدامة، ويخفف العبء عن الميزانيات الحكومية، ويرفع مساهمة الاقتصاد القائم على المعرفة في الناتج المحلي.
ومع حلول الذكرى التاسعة لهذه البيعة المباركة، تتضح ملامح مستقبل طموح يضع المملكة ضمن الاقتصادات الأكثر تنافسية في البحث والتطوير. الإرادة السياسية الحازمة، مقرونة باستثمار منهجي في الإنسان والتقنية، تمهد لمرحلة تتقدم فيها المملكة بخطى واثقة نحو الريادة العالمية.
إن مسيرة الأعوام التسعة الماضية تقدم نموذجاً وطنياً يبرهن أن الرهان على العلم هو الخيار الأجدى، وأن الاستثمار في عقول الشباب يمثل الضمانة الأقوى لاستدامة النهضة.
وفي هذه المناسبة الغالية، يجدد المواطنون ثقتهم في رؤية قيادية جعلت من أرض المملكة فضاءً رحباً للابتكار، ورسخت حضورها الدولي بوصفها دولة تصنع المعرفة وتنافس عليها بثبات وطموح.
** **
- د. م. فهد بن إبراهيم العمار