«الجزيرة» - الاقتصاد:
برهنت السياسة النفطية السعودية عبر عقود على نجاعتها في مواجهة الأزمات والتحديات والتقلّبات من خلال رؤية عميقة ومنهجية إستراتيجية ثابتة كان لها تأثيرها الإيجابي في خارطة الاقتصاد العالمي، حيث أكدت الأحداث والشواهد على عمق الدور السعودي وأثره الكبير في استقرار أسواق الطاقة العالمية، فكانت صمام الأمان وقبلة العالم الباحث عن الحفاظ على مكتسباته الاقتصادية في مواجهة الأزمات والتقلّبات الناتجة عن العوامل الجيوسياسية، حيث تتعاون المملكة مع الدول للحفاظ على توازن أسواق النفط واستقرارها ودور اتفاق «أوبك+» التاريخي في ذلك. ويبرز التصعيد الأخير في الخليج العربي ضمن الأزمات المحيطة بالإمدادات النفطية كأحد العوامل المؤثرة في ارتفاع متوقع لأسعار النفط خلال الفترة المقبلة. فيما شدَّد خبراء إستراتيجيون على أهمية ما تقوم به المملكة العربية السعودية، من تكريس الجهود الحثيثة وقيادة التقاربات، لتحقيق استقرار القطاع حيال الاقتصاد العالمي، كذلك الدول المنتجة والمستوردة. ولفت المختصون إلى تعزيز المملكة اتخاذ القرار الجماعي، وفق تحالف «أوبك+» لزيادة الإنتاج، في حال تطلب ذلك ومعالجة الإشكالية الرئيسية، برؤية بعيدة المدى، مؤكدين في الوقت ذاته، أن المملكة تُعتبر صمام أمان الطاقة العالمية، مشيرين إلى أنه في حال وجود نقص في إمدادات الأسواق فإن «أوبك +»، تقوم بدورها المعهود بالاستجابة المطلوبة بعيدة المدى. وتقوم المملكة بدور تاريخي وإستراتيجي في حفظ توازن أسواق الطاقة، وتتفهم أهمية استقرار أسعاره على الاقتصاد العالمي وعلى الدول المنتجة والمستوردة، حيث أثبتت المملكة في مناسبات كثيرة أنها المؤثر الأهم في أسواق النفط، لأنها إضافة إلى القدرات الإنتاجية وحجم الفوائض الضخمة، لديها قدرة لقيادة اتفاقيات تضمن سلامة الأسواق من التذبذبات الكبيرة.
حيث منحت هذه الإمكانات، أسواق النفط عمقًا إستراتيجياً، لكون المملكة تملك فائض إنتاج يفوق 3 ملايين برميل في اليوم، وقادرة على ضخّها للأسواق، في حال وجود عجز في الإمدادات لأي سبب كان، كما أنها تستطيع خفض الإنتاج بكميات كبيرة في حال تخمة المعروض، من دون أن يتأثر اقتصادها، وبالإضافة إلى امتلاكها دوراً قيادياً في منظمة «أوبك» و»أوبك +» سخّرته دائمًا في خدمة الأسواق. وقد أثبتت المملكة خلال أزمة «كوفيد - 19» وأثرها البالغ على أسواق النفط العالمية، أنها صمام أمان الطاقة العالمية، ولن تنسى أسواق العالم الدور الذي لعبته خلال انهيار الأسعار في أبريل (نيسان) 2020، حين قادت اتفاقية أكبر خفض في الإنتاج في التاريخ، شاركت فيه جميع دول «أوبك +» ومنتجون مستقلون، مما أنقذ الأسواق، وعادت الأسعار بوتيرة سريعة إلى مستويات مقبولة للمنتجين والمستهلكين. وقد التزمت منظمة أوبك + مؤخراً بتصريحات المملكة بشأن خفض الإنتاج لضبط سوق النفط في ظل تراجعات الأسعار العنيفة التي اندفعت صوب أدنى مستوياتها منذ يناير 2022، حيث أوصت اللجنة الفنية المشتركة في أوبك+ بخفض أهداف إنتاج النفط 100 ألف برميل يومياً في أكتوبر، رغم رفض روسيا خطة خفض الإنتاج. وقفزت أسعار النفط عقب الإعلان بما يقرب من 4 % بعد موجة من التراجعات العنيفة نزل خلالها خام برنت القياسي دون مستويات الـ 100 دولار متجهًا إلى 90 دولاراً بينما سقط خام نايمكس دون الـ 88 دولاراً للبرميل. وعزا الاجتماع الوزاري لأوبك + خفض الإنتاج إلى التأثير السلبي للتذبذب وانخفاض السيولة على سوق البترول، والحاجة إلى دعم استقرار السوق وكفاءة تعاملاتها. وقالت أوبك + إن التذبذب الشديد وحال عدم اليقين المتزايدة تتطلبان تقييماً مستمراً لظروف السوق، والاستعداد لإجراء تعديل فوري لمستويات الإنتاج بطرقٍ مختلفة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأضافت المنظمة أن لدى أوبك بلس من الالتزام والمرونة والوسائل، ما يمكنها من التعامل مع هذه التحديات وإرشاد السوق، ضمن إطار الآليات الحالية لإعلان التعاون.
وترفض المملكة زج النفط في الصراعات الدولية، بين أمريكا والصين من جهة، والحرب الدائرة بين روسيا والغرب في أوكرانيا، وتود أن يكون لمنظمة «أوبك +» مظلة خارج التجاذبات، حيث معظم الصادرات السعودية والخليجية تذهب إلى الشرق، ومن أهم تلك الأسواق الصين والهند، في وقت تود المملكة أن تبقى علاقاتها مع أمريكا وأوروبا متينة، كما أن توازن أسواق النفط يتطلب التعاون بين السعودية وروسيا، رغم أنها في حالة اشتباك مع الغرب، ولكن هذا الاشتباك مؤقت وسينتهي، لكن التنسيق بين السعودية وروسيا حول قيادة أسواق الطاقة سيستمر لفترة طويلة من الزمن، على أقل تقدير إلى منتصف هذا القرن الحالي، حيث سينعكس هامش المناورة في سوق الطاقة على مستقبل أسواق الطاقة، وهي نظرة مستقبلية أكثر منها نظرة آنية أو قاصرة تصب في صالح العالم أي أنها تصب في صالح الدول المنتجة والمستهلكة، وترفض المملكة وضع النفط كأداة سياسية ستضع منطقة الشرق الأوسط في حالة عدم استقرار، ويجب التفريق بين المرحلة الحالية ومرحلة الحرب الباردة عندما كان الغرب هو المستورد الرئيس للنفط، مما يفرض أن تكون علاقة السعودية متوازنة من خلال علاقة جيدة مع كافة القوى الكبرى مع الشرق والغرب دون تحيز، خصوصاً بعدما أصبحت الأسواق الرئيسة في الشرق، فتصدر السعودية للصين يومياً خلال شهري يناير وفبراير 1.81 مليون برميل، فالجميع شركاء للسعودية. وأجمع كل المحللين على أن طفرات أسعار النفط تعود للعوامل الجيوسياسية وحدها، وليس هناك نقص في المعروض، كذلك الغرب يتحمّل الأخطاء التي ارتكبها، وسبق أن حذرت السعودية من المبالغة في التحول نحو الطاقة النظيفة الذي أقدم عليه الغرب وطالبت في أن يكون التحول تدريجياً مدروساً، والمطالبة بتحويل الاستثمارات من الطاقة إلى الأحفورية جعل هناك افتقار إلى اكتشافات جديدة للنفط والغاز، مما يضعف قدرة الأسواق على مواجهة الأزمات، وخصوصاً أن إنتاج النفط الصخري الأمريكي متأرجح يجعل اختلاف طاقاتها على المدى الطويل، حيث لا يزال الانضباط الرأسمالي قائماً لمنتجي النفط الصخري الأمريكي بسبب اختناقات التوريد ونقص العمالة، كما انخفض الإنفاق لدى الشركات النفطية الكبرى في الاستكشاف من 40 في المائة عام 2010 إلى 25 في المائة. وقد استمر المنتجون باتباع سياسة الزيادة التدريجية للإمدادات في الوقت الذي تؤثر فيه العوامل الجيوسياسية في ارتفاعات الأسعار، و»أوبك +» تعل كل ما تراه ضرورياً لدعم الاستقرار في أسواق النفط والغاز العالمية، ولكن هناك قناعة بأن السوق مزوّدة بشكل جيد، وأن طفرات الأسعار تعود للعوامل الجيوسياسية وحدها، ولذلك تميل التوقعات إلى أن التحالف لن يغير إستراتيجيات الإنتاج والتصدير الخاصة به، كما سيحافظ التحالف على الشراكة مع الوجود الروسي المحوري في المجموعة الذي يقود المنتجين من خارج «أوبك»، رغم ذلك تبقى «أوبك» تحتفظ بقدرة إنتاجية احتياطية صحية فيما تتمتع المملكة بقدرة إنتاجية أعلى وطاقة احتياطية واسعة، وهي تحرص رغم ذلك على العمل الجماعي والتوافق داخل التحالف. وستبقى صمام أمان الطاقة في حالة حدوث أزمة عالمية، ويمكن الاعتماد على «أوبك +» في حالة حدوث مشكلة جيوسياسية أو تقنية مفاجئة تمنع تدفقات الطاقة، فهناك إجماع على استدامة «أوبك +» لتجنب مفاجآت ظروف المستقبل.