تحلّ الذكرى التاسعة لمبايعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولياً للعهد، فيما تمضي المملكة بخطى واثقة داخل مسار تحولي واسع، بات يُنظر إليه بوصفه إحدى أبرز تجارب التحديث في القرن الحادي والعشرين. خلال تسع سنوات متتابعة، تحركت مؤشرات التنمية في اتجاه تصاعدي، مدفوعة برؤية إستراتيجية أعادت ترتيب الأولويات، ووضعت المواطن السعودي في قلب معادلة البناء الوطني، انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
في هذا السياق، برز ملف الإسكان كأحد المحاور التي حظيت بعناية مبكرة ومتابعة دقيقة. منذ ليلة السابع والعشرين من رمضان عام 2017، اتجهت السياسات الإسكانية نحو معالجة جذور التحدي السكني، انطلاقاً من فهم عميق لأثر الاستقرار السكني في تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم النمو الاقتصادي. ومع توالي البرامج التنفيذية، انتقل هذا القطاع من حالة الضغط المزمن إلى مرحلة الحلول العملية التي قلّصت فجوة العرض والطلب ووسّعت خيارات التملك أمام الأسر السعودية.
الأرقام تعكس حجم التحول بوضوح؛ إذ ارتفعت نسبة تملك المساكن من 47 في المائة في عام 2016 إلى 65.4 في المائة بنهاية عام 2024، متجاوزة المستهدف المرحلي، ومقتربة بثبات من هدف 70 في المائة المحدد لعام 2030. هذا التقدم لم يأتِ عبر مسار تقليدي، بل عبر حزمة أدوات تمويلية وتنظيمية متكاملة أعادت تشكيل السوق العقارية ورفعت كفاءتها التشغيلية.
عام 2018 شكّل محطة مفصلية مع إطلاق برنامج الإسكان ضمن برامج تحقيق الرؤية، أعيد تصميم منظومة الدعم السكني بصورة أكثر مرونة وشمولاً. ومن خلال منصة «سكني»، استفاد أكثر من مليون أسرة سعودية من حلول تمويلية وسكنية متنوعة، أسهمت في تسريع وتيرة التملك وتقليص مدد الانتظار التي كانت تمثل تحدياً رئيساً في السابق.
التطوير لم يتوقف عند توفير الوحدات، بل امتد إلى أتمتة الإجراءات ورفع كفاءة الخدمات الحكومية المرتبطة بالسكن. وقد لعب تنظيم سوق الإيجار عبر خدمة «إيجار» دوراً محورياً في ضبط العلاقة التعاقدية بين الأطراف، مع حفاظ المنصة على حقوق أكثر من 4.5 ملايين مستفيد، في خطوة عززت شفافية السوق ورفعت مستوى الثقة في القطاع.
يُعزى جانب كبير من هذا التقدم إلى التوجيه والمتابعة المستمرة من سمو ولي العهد، الذي دفع نحو إطلاق مشاريع حضرية نوعية، خصوصاً في شمال الرياض، إلى جانب تأسيس «الشركة الوطنية للإسكان» بوصفها الممكن الرئيس لزيادة المعروض العقاري وتحفيز الشراكات مع القطاع الخاص. هذه المقاربة أسهمت في تنويع المنتجات السكنية وتوسيع نطاق الخيارات بما يلائم شرائح الدخل المختلفة.
وفي بعده الإنساني، حمل عام 2025 مبادرة لافتة حين قدم سمو ولي العهد تبرعاً بمبلغ مليار ريال من نفقته الخاصة لمؤسسة الإسكان التنموي الأهلية (سكن) عبر منصة «جود الإسكان». المبادرة جاءت برسائل واضحة تتجاوز الدعم المالي، تضمنت توجيهاً بإنجاز الوحدات وتسليمها خلال 12 شهراً، في تأكيد عملي على أولوية تمكين الأسر الأشد حاجة وتوفير مقومات الحياة الكريمة لها.
وقد لخّص معالي وزير البلديات والإسكان، ماجد الحقيل، دلالة هذه المبادرة بقوله إن تبرع سموه يجسد استشعار احتياجات المواطن وحرص القيادة على ترسيخ الاستقرار الاجتماعي، وهو توصيف ينسجم مع المسار العام الذي شهده القطاع خلال السنوات الماضية.
رؤية التطوير الحضري اتسعت أيضاً لتشمل القطاع غير الربحي، الذي سجل نمواً ملحوظاً مع ارتفاع عدد المؤسسات العاملة في مجالات الإسكان والتنمية الحضرية إلى 313 مؤسسة بنهاية عام 2025. هذا التوسع يعكس تحولاً في فلسفة التنمية، يقوم على تكامل الأدوار بين القطاعين الحكومي والأهلي، بما يعزز الاستدامة ويرفع كفاءة المبادرات المجتمعية.
وفي موازاة ذلك، برز توجه واضح نحو تحسين جودة الحياة داخل المدن السعودية عبر برامج «أنسنة المدن»، التي ركزت على زيادة المساحات الخضراء وتطوير الحدائق العامة وتهيئة البيئات الحضرية الصحية. هذه الجهود لا تتصل بالمظهر العمراني فقط، بل ترتبط بمفهوم أوسع للرفاه يضع الإنسان في صدارة التخطيط.
ومع دخول العام العاشر للبيعة، تبدو ملامح التحول في قطاع الإسكان أكثر وضوحاً؛ من تقنيات البناء ثلاثي الأبعاد التي تختصر الزمن والتكلفة، إلى المنصات الرقمية التي تتيح إنهاء إجراءات التملك خلال يومين، وصولاً إلى مجتمعات سكنية متكاملة الخدمات. مجمل هذه المنجزات يعكس قوة الإرادة السياسية وصلابة التخطيط بعيد المدى.
المرحلة المقبلة تحمل رهانات إضافية، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن المسار يمضي بثبات نحو تحقيق مستهدفات 2030، في ظل منظومة عمل تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والسكانية.
وفي هذه المناسبة العزيزة على قلوبنا، يتجدد الدعاء بأن يحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يديم على المملكة أمنها واستقرارها، ويبارك مسيرتها التنموية التي تمضي بثقة نحو آفاق أرحب من الازدهار.
** **
- م. حامد بن حمري