يعيش المرء عمرا يظن أنه وصل إلى المعرفة الكاملة، لكن كل يوم يعيشه يثبت له أن هناك معرفة أخرى لم يمتلكها، وشيء آخر عليه أن يتعلّمه، وشيء آخر يمكن أن يراه. فما الذي يجعل شاعرا يدّعي أنه رأى كل شيء؟!
يعنون فايز ذياب ديوانه بـ«أنا الذي رأيت كل شيء» ورغم أنه لا توجد قصيدة تحمل هذا العنوان، إلا أنه اختار بأن يكون عنوان الديوان ادّعاء لا يذكر في متن قصائده، فما الذي رآه فايز ذياب ليختار هذا العنوان؟
هل تجاوز حدود الإدراك العادي؟ هل امتلك طريقة أخرى للرؤية تختلف عن رؤية الإنسان العادي؟
الشاعر يرى باللغة، يحدس بها، يتلّمس بها العالم، فتقوده اللغة إلى الرؤية الكاملة، إلى رؤية كل شيء، فيعلن أن الشعر هو وسيلة الرؤية والطريق إلى الحقيقة:
بيني وبين حقيقتي
لغةٌ
قدّتْ قميصي
دونما رهبِ (من قصيدة تجلٍّ عرفاني)
لم يكن العنوان مجرد عنوان أو جملة عابرة، بل كان ملخّصا، تفصيله في القصائد. باختصار، إن امتلاك طريقة الرؤية ووسيلتها هو الشعر.
الشعر يجعله يتنبّأ بالمجهول، ويشهد على العالم، أن يقول شخص «أنا الذي رأيت كل شيء»، لا يعني أنه بلغ النهاية، بل إنه يحاول، ويجعلنا نحاول معه.
تحمل قصائد الديوان شعور الدوران، أو هذا ما شعرت به، تبدأ القصائد وتنتهي دون أن تشعر أنك وصلت للمعنى، بل مررت به فقط، مشيت في طرق مشى بها، أو عَبَرَها، ثم توقفت فجأة. يمشي بك الشاعر في طرق المعنى، لكنه لا يصل، ربما متعمدا. ينتقل بك من السؤال إلى الصمت؛ لأنه لا إجابة عن الأسئلة. من الحضور إلى الغياب؛ لأن الحضور لم يعد مغريا كالغياب. تصل في النهاية إلى أن الشعر ليس إجابة عن شيء، الشعر هو فقط نافذة نطل منها على الأسئلة. الشعر ليس رؤية مكتملة، هو فقط محاولات للرؤية.
الشاعر لم ير كل شيء، بل كان يحاول أن يرى كل شيء عبر الشعر؛ لأنه يظن أن الشعر وحده من يفهمه:
ما عاد من صحبتي إلاه يفهمني
مع أنني
طول هذا العمر أجهلني (من قصيدة ما زلت لي)
يشكّل المعنى عبر الشعر ليراه، يشكّل الحياة عبر الشعر ليراها، يشكل التجارب عبر الشعر ليراها، يحاول أن يفهم، يستدعي الفكرة والشعور والتجربة بالشعر ليراها، يجعل الشعر طقسا من طقوس الخلق والاستعادة، والتذكر، وأحيانا استشرافا للحياة الآتية.
يعيد تركيب اللغة شعرا؛ ليعيد تركيب العالم، يجعل القصيدة رمزا للألم، ورمزا للفرح، ورمزا للحنين، ورمزا للمقاومة، يغذّيها بالذكريات والمشاعر والمعاني، فتنتصب لتمثّل هذا الرمز المقاوم الذي يفتح مساحات للتأمل.
لا تتمكن القصيدة من تفسير العالم بسهولة، فتكرر محاولاتها، تمزج الخيالي بالأسطوري مرة، وتمزج الغياب بالحضور مرة، وتمزج الفرح بالحزن مرة، وتمزج الأمل باليأس مرة. يصرح بعدم إمكانية تفسير الشعر حينما يقول:
فقلتُ:
مَن يملك التأويلَ، يُرشدني!!
ففتنةُ اللفظِ فاقت
حدَّ مقدرتي (من قصيدة مدينة الذاكرة وجدار المعنى)
تتحول الحكاية الموروثة لديه إلى واقع، وتصبح القصة رمزا، وتصبح الأسطورة استعارة، تساعده على تأويل الحياة وموجوداتها. وعلى تسمية ما يصعب تسميته، وعلى الإمساك بما يصعب الإمساك به.
كلكامش، ليلى، قيس، يأجوج، طائر الرخ، زرياب، النيل، النفري، شوقي، بلقيس، فينوس، نرسيس، السامري، السموأل كلها كانت إحالات ثقافية، يجعلها الشاعر رموزا يرى نفسه فيها؛ ليمثّل الحاضر. بل إنها هي من تطلبه أحيانا:
كَلكَامشٌ يأتي
بدلوٍ فارغٍ .. مستجديًا
قلبي الحزين، ودمعتي (من قصيدة صوتان)
لغة الشعر ليست مفهومة تمامًا؛ لأنها مخاتلة، وكل منا يحمل تفسيره المختلف لها. لكنها تظل الوحيدة القادرة على احتواء هذا الكم من الحنين، ومن القلق، ومن الرغبة في الخلاص.
لغة الشعر مخاتلة، لا يمكن أن نفهم ما تعنيه تماما، كل منا يحمل في عقله نظام تفسير مختلف، لغة قابلة للفهم، لكنها لا تفهم تماما.
اللغة هي مادة الشعر، وهي سلاح الشاعر، ما يستخدمه ليعبر به إلى المعنى، ويعبر بنا إلى المعنى، لكنها اللغة، كائن حي، يموت ويحيى:
طقسٌ كهذا
تمادى في غوايته
كي يعلن الآن
موتَ الموتِ
في لغتي (من قصيدة مدينة الذاكرة وجدار المعنى)
اللغة كائن حي يميته الشاعر ويحيه، لتقوم بمهمتها في تشكيل العالم وفق رؤية الشاعر، أو وفق وجع الشاعر.
ومع ذلك لا يدعي الشاعر سهولة اللغة وانقيادها له، الشعر يتفتت كلما حاولنا القبض عليه. وحين يحاول الشاعر العبور إلى المعنى، تتمرد اللغة وتستعصي، ترفض الخضوع، وتتمرد، فيظل دائرا فيها محتارا:
تلك المعاني
حين ضاقت بي
على قدمٍ وقفتُ
وبينهنّ أدورُ (من قصيدة أوّل الباءات)
ويعود الأمل، حين يعود سحر اللغة، حين يقرر أن يبني لغته الخاصة من اللغة:
فقال
مَن لم يزلْ بالشعر ملتبسًا:
ستبتني لغةً أخرى
من اللغةِ (من قصيدة مدينة الذاكرة وجدار المعنى)
يحاول الشاعر بلغة الشعر أن يخرج من حدود اللغة، ليجعلها وسيلة إلى الحقيقة:
ونردد الأشعار
داخل كهفِنا
حتى نزحزحَ
صخرةً عن صخرةِ (من قصيدة صوتان)
رغم كل تعريفات للشعر، وكل الأوصاف التي يمكن أن يطلق عليه، ألا أن أهم دور للشعر، هو أنه وساطة للحياة، يشبه الشعر الأب الذي يرافق طفله في اليوم الأول من المدرسة، ثم يتركه تدريجيا ليتعود على الحياة، الشعر وساطة للحياة ترفض كل أنواع الوساطات الأخرى.
الشعر يحتوي كل شيء، الشعر يحتوي الحياة، الداخلية والخارجية، الوعي واللاوعي، يلفت انتباهنا للحياة. الشعر انتباه للحياة. تقول سوزان سونتاغ « إن الفن في أحد جوانبه عبارة عن تقنية لتركيز الانتباه، وتعليم مهارات الانتباه.»
الحياة دوامة لا يمكن الخروج منها إلا بالفن، ليس خروجا نهائيا، إنما هدنة واستراحة، شيء يشبه التخلي عن خشبة المسرح للعودة للكواليس قليلا. يعلّمنا كيف نرى وكيف نشعر وكيف نلتفت لما اعتبرناه مسلمات لا قيمة لها. الشعر يفتح لنا أفقا لا يمكن أن يفتحه سواه.
الشاعر لم يرَ كل شيء فعلا، بل رأى الشعرَ في كل شيء. وهذه وحدها رؤية لا يجرؤ عليها إلا من أدرك أن اللغة يمكن أن تنفتح على الكون كله، حين رأى الشعر ظن أنه رأى كل شيء.
الشاعر لا يدّعي أنه رأى كل شيء لأنه امتلكه، بل لأنه أمعن النظر وحاول، ليقول إنه لم يجد المعنى، لكن الشعر يفتح بابا إليه. الشعر يجعلك تتردد، تتعثر، تتألم. الشعر تلمُّس للوجود من خلال اللغة.
ينتهي الديوان، فتتفق مع الشاعر في قوله «أنا الذي رأيت كل شيء» وأنت تعلم أنك لم تصل إلى تمام الرؤية بل إلى هشاشتها ومرارتها.
** **
د.عبير علي الجربوع - جامعة الملك سعود