صدر كتاب: «بين أحفادي» للعم الأديب محمد بن عبدالرزاق القشعمي (أبي يعرب)، وقد أرسل لي نسخة إلكترونية منه، وكان لهذا الكتاب وقعٌ مختلف؛ فلم يكن مجرد صفحات تُقرأ، بل كان بابًا يُفتح على قلبٍ عاش كثيرًا، وتألم كثيرًا، وأحب كثيرًا.
وما إن بدأت أتصفح كلماته حتى شعرت أنني لا أقرأ مجرد كتاب، بل أستمع إلى نبض عمرٍ كامل، تتداخل فيه الذكريات بالحنين، والدموع بالابتسامات، والصبر بالوفاء.
توقفت طويلًا عند حديثه عن أبيه وأمه، وخصوصًا أمه التي ترك فراقها جرحًا لم يندمل في روحه. كانت كلماته عنها دافئة إلى حدّ البكاء، كأنها ما زالت تسكن تفاصيل أيامه، وترافقه في صمته ووحدته.
شعرت وأنا أقرأ أن الأم لا تغيب حقًّا، بل تتحول إلى دعاءٍ دائم يسكن القلب، وإلى حنينٍ لا يهدأ مهما مرّ الزمن. وكان حزنه عليها صادقًا إلى درجة جعلتني أستحضر كل الوجوه التي أحببناها ثم غابت، وكيف يبقى أثرها فينا أكبر من الغياب نفسه.
ثم انتقلت إلى رسائله لأحفاده، فوجدت فيها أبًا يحمل قلبًا ممتلئًا بالمودة والحرص والدعاء. كانت مراسلاته في مناسبات زواجهم وتخرجهم أشبه بحدائق صغيرة من الكلمات؛ يبارك لهم، ويفرح بنجاحهم، ويوصيهم بالحياة الطيبة، وكأنه يريد أن يترك في أرواحهم أثرًا يبقى بعده. أحسست أن تلك الرسائل لم تكن حبرًا على ورق، بل كانت امتدادًا لعمرٍ من المحبة والتعب والتربية.
أدهشني في الكتاب صدقه الإنساني؛ فلا تصنع في المشاعر، ولا تكلّف في الحنين. كل كلمة فيه خرجت من قلبٍ عرف الحياة بحلوها ومرّها، ولهذا وصلت إلى القلب مباشرة. شعرت بعد قراءته أن الإنسان لا يُخلَّد بكثرة ما يملك، بل بصدق ما يتركه في قلوب من حوله، وبالكلمات التي تظل حية بعده.
لقد ترك هذا الكتاب في نفسي أثرًا عميقًا؛ جعلني أكثر قربًا من معنى العائلة، وأكثر انتباهًا إلى قيمة الرسائل والمشاعر التي نتبادلها قبل أن يسرقنا الزمن. وأدركت أن بعض الكتب لا تُقرأ بعين القارئ فقط، بل تُقرأ بالقلب أيضًا.
دمت، يا عمي صاحب القلب الكبير، في صحة وعافية.
** **
- عبدالرحمن بن محمد القشعمي