عندما تكون التجربة الإنسانية صلبةً ومتماسكة ومحتشدةً بالقيم التراكمية معززةً بالمضمون الطامح والأسلوب الرقراق، فلا شك أنها ستجذب انتباه المتلقي وتجعله يتفرّس في ملامحها ويبحث عن المشترك الإنساني بينه وبين المؤلف بحيث يجده معبراً بطريقة شفافة عنه، من ثم يتمثل المتلقي كُنْهَ التجربة ويتحرر من عبء رواية تجربته الخاصة ويكون التماهي مع الكاتب حافزاً للمتلقي للغوص في ثنايا سيرة الكاتب بطريقة لا تخلو من متعة وعزاء.
هذا أول خاطرٍ ألمّ بي وأنا أشرع في قراءة كتاب (خلاصة الأيام) لمعالي الدكتور فهاد الحمد.
إنه الابن البار الذي يصحب أباه؛ يساعده بيد وبيده الثانية يمسك حقيبته المدرسية، وهو الرؤوف بوالدته وهو الشفيق بأخيه والأب الحاني على أسرته والصديق الصدوق لأصدقائه.
ولعل أهم ما يسترعي الانتباه هو أسلوب الكاتب الممهور بالفن الذي يتجلى ألقه من بين سطوره، ما ينم عن أن جذوة الفن لم تزل متقدةً بين جوانحه وإن ترك تخصصه في الفن إبان بداياته التعليمية، إنك تلتمس وهج هذه الجذوة في وصفه للطبيعة فالحقول ماثلة أمامك بشتى أريجها والسّواني تستمع لعزف صريرها مرفوداً بخرير السواقي ونسمات الليل تكاد تمس محياك هفهافةً لدنة.
لكن الكاتب الباحث لا يرضى بمجرد اللغة الشعرية على قيمتها السامية، إنه طموح حتى في توثيقه وكأن التجربة البحثية أعادت صياغته فلم يرضَ إلا أن تكون اللغة العلمية رديفةً للغة الشعرية.
والكاتب يمتلك روحاً وثّابة من طرازٍ فريد فما انفك يردد (إن البدايات الصحيحة تقود إلى نهاياتٍ أجمل) فمن مدرسٍ للتربية الفنية بالمتوسطة إلى المثابرة للحصول على الثانوية العامة من ثم تجشم المشقة للانتساب لجامعة الملك عبدالعزيز بجدة والتخرج بمرتبة الشرف وهكذا حتى حط رحاله بمعهد الإدارة ليدلف من بوابة المجد الإداري التليد ويبدأ عمله في اللجنة العليا للإصلاح الإداري وهي صانعة الخبراء، وعلى نفس الوتيرة حتى عاد إلى أرض الوطن مظفراً بالدكتوراه ليبدأ تجربته الثرية كقائد إداري يمضي جل وقته بين الدراسات والبحوث والتدريب هذا القائد قل مثيله فيما تسنّم من مناصب حتى ترجل قائدا إداريًا ووزيراً كريماً.
** **
- عبدالله بن متعب السميِّح