حاوره - خالد الدوس:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها....
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفنا في هذه الزاوية الثقافية هو د. أحمد محمد جعوني المتخصص في علم اجتماع التنمية.. نحّول العدّسة لرؤية الباحثين في حقول علم الاجتماع كما يراه علماؤه: نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع..
طرحنا عليه بعض التساؤلات من واقع معطيات علم الاجتماع فكانت الإجابة - وكما يقول- ضيف الزاوية ما يلي:
* يقال إن المجتمعات المعاصرة لم تعد تبحث عن «تنمية» بقدر ما تبحث عن «تطوير» أو «تحول». برأيك، ما الفرق بين هذه المفاهيم اجتماعيًا، وأيها ينطبق على واقعنا؟
- يمكن التمييز بين مفاهيم التنمية والتطوير والتحول بوصفها مراحل أو مستويات مختلفة من التغيير الاجتماعي.
فـالتنمية في الأدبيات السوسيولوجية تُشير إلى عملية شاملة ومخططة تهدف إلى الارتقاء بقدرات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية بما ينعكس على جودة الحياة والعدالة الاجتماعية والاستدامة وهي لا تقتصر على النمو الاقتصادي بل تشمل بناء الإنسان وتعزيز رأس المال الاجتماعي.
أما التطوير فهو مفهوم أكثر ارتباطاً بتحسين الأداء والكفاءة داخل الأنظمة القائمة سواء في المؤسسات أو الخدمات أو الإجراءات. فالتطوير غالباً ما يكون إصلاحاً أو تحديثاً جزئياً يستهدف رفع الفاعلية دون أن يغيّر بالضرورة البنية الاجتماعية أو الثقافية بصورة جذرية.
في حين أن التحول يُعبّر عن انتقال نوعي في أنماط التفكير والقيم والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية بحيث ينتج واقعاً جديداً يختلف في خصائصه عن الواقع السابق.
وأرى أن واقعنا اليوم لا يندرج تحت أحد هذه المفاهيم بمعزل عن الآخر بل يشهد تفاعلاً بينها فهناك تنمية تستهدف بناء القدرات البشرية والاقتصادية وتطوير مستمر للأنظمة والخدمات لكن السمة الأبرز هي التحول الاجتماعي والثقافي؛ لأن ما نشهده يتجاوز تحسين الأدوات إلى إعادة تشكيل أنماط السلوك والقيم والتوقعات الاجتماعية وصياغة علاقة جديدة بين الفرد والمؤسسة والتقنية والمجتمع.
لذلك يمكن القول إن المجتمعات المعاصرة لم تتجاوز مفهوم التنمية بل أعادت تعريفه ضمن إطار أوسع من التحول حيث أصبحت التنمية وسيلة، والتطوير أداة، بينما يمثل التحول الغاية الإستراتيجية التي تعكس الانتقال إلى أنماط جديدة من الحياة والتنظيم الاجتماعي.
* يعد تحول دور المرأة وحضورها في الفضاء العام أحد أقوى مؤشرات التغيير الاجتماعي. ما الذي تغير في المسارات المهنية والاجتماعية والتوقعات العائلية للشابات السعوديات الحضريات..؟ وكيف تتفاوض النساء مع التقاليد لابتكار أنماط حياة جديدة؟
- يُعدّ التحول في أدوار المرأة السعودية أحد أبرز مؤشرات التغيير الاجتماعي والثقافي في المملكة وهو تحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التنموي الذي أوجدته رؤية السعودية 2030 والتي تبنت منذ انطلاقها نهجاً يقوم على توسيع المشاركة المجتمعية والاستثمار في رأس المال البشري بوصفه المحرك الرئيس للتنمية.
ففي الجانب المهني انتقلت المرأة من الحضور المحدود في بعض القطاعات التقليدية إلى المشاركة الفاعلة في مجالات الإدارة والتقنية والاستثمار وريادة الأعمال والصناعات الإبداعية والقطاع غير الربحي وأصبحت شريكاً أساسياً في التنمية وقد أسهمت برامج الرؤية في تهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة لذلك مما أدى إلى ارتفاع معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل وتوسيع نطاق الفرص المتاحة أمامها.
أما اجتماعياً اتسعت مساحة الحضور النسائي في الفضاء العام من خلال دوائر التفاعل والمشاركة المجتمعية والثقافية وأصبحت أكثر مشاركة في المبادرات المجتمعية والتطوعية والأنشطة العامة وصناعة المحتوى والفضاءات الرقمية وهو ما أسهم في بناء هويات اجتماعية أكثر تنوعاً واتساعاً من الأطر التقليدية السابقة وترسّيخ دور المرأة بوصفها مساهماً في صناعة التنمية.
أما على مستوى التوقعات العائلية فإن التغير الأبرز يتمثل في التحول الذي طرأ على التصورات الاجتماعية المرتبطة بأدوار المرأة ومكانتها داخل الأسرة فقد انتقل المجتمع تدريجياً من تصور يربط تحقيق المرأة بأداء دور محدد إلى تصور أكثر شمولاً يعترف بتعدد أدوار ومسارات ونتيجة لذلك أصبحت الأسرة السعودية أكثر تقبلاً لفكرة الجمع بين الأدوار الأسرية والمهنية.
وبالتالي لم يكن التوجه للمرأة السعودية الانفصال عن النسق الثقافي التقليدي بل تمت ممارسة ما يُعرف بـ»التفاوض الثقافي»، أي إعادة تفسير بعض الأدوار والقيم بما يسمح بالتكيف مع التحولات الحديثة مع المحافظة على المرجعيات الأساسية.
* مع التسارع التنموي في السعودية، نلاحظ بروز تحديات مثل الهوية الثقافية، أنماط الاستهلاك، والعلاقة بين الأجيال. كيف يمكن لعلم اجتماع التنمية أن يفسر هذه الظواهر ويقدم حلولاً عملية؟
- الظواهر الاجتماعية المصاحبة للتسارع التنموي لا تُفهم بوصفها آثاراً جانبية سلبية بل باعتبارها تحولات في النسق الاجتماعي تنتج عن انتقال المجتمع من أنماط تقليدية إلى أنماط حديثة أكثر تعقيداً وتركيباً فالتنمية في سياقها المتسارع تُحدث إعادة توزيع في أنماط القيم والمعايير وأنماط الحياة والعلاقات.
فالهوية الثقافية لا تتفكك مع التنمية وإنما يعاد تشكيلها بصورة أكثر ديناميكية من خلال التوفيق بين متطلبات التحديث والمرجعيات الثقافية والدينية. أما أنماط الاستهلاك فتتحول من تلبية الحاجات الأساسية إلى التعبير عن المكانة الاجتماعية والهوية وأنماط الحياة. وفيما يتعلق بالعلاقة بين الأجيال فإن ما يُعرف بفجوة الأجيال يعود إلى اختلاف الظروف والتجارب التي نشأ فيها كل جيل ولا يعني بالضرورة وجود صراع بينهم.
ويقدم علم اجتماع التنمية حلولاً عملية تتمثل في تطوير المناهج والبرامج التربوية لتعزيز القيم والمهارات ودعم المحتوى الثقافي والإعلامي المتوازن وترشيد السلوك الاستهلاكي من خلال التوعية وتعزيز الحوار والتواصل بين الأجيال إضافة إلى تطوير مؤشرات وطنية لرصد التحولات الاجتماعية ودعم اتخاذ القرار المبني على البيانات.