مناور في رواية «فيلق الإبل» للكاتب أحمد السماوي شخصيةٌ لافتة لأنها تتجاوز حدود الدور الثانوي، لتتحول إلى نموذجٍ سردي يجمع بين الفروسية الأخلاقية، والوفاء القبلي، والقدرة على الترحال عبر العوالم المختلفة. ومن خلاله لا تقدّم الرواية مجرد حكاية رجل بدوي، إنما تقدّم صورة الإنسان الذي يُختبر في الشدة، ويُدفع إلى الهامش الاجتماعي، ثم يظل محتفظًا بجوهره الأخلاقي حتى النهاية.
تبدأ صورة مناور من لحظة إنسانية شديدة الدلالة عندما استغاث به دخيل، فهبّ لنجدته وقتل من أجله، ثم دفع ثمن ذلك طردًا من قبيلته، مع إلزامه بدية ضخمة تمثلت في مئة ناقة. هذه البداية تؤسس لشخصية لا تتحرك بدافع المصلحة والسلطة، بل بدافع المروءة، وهو ما يجعل مناور في الرواية أقرب إلى البطل الأخلاقي منه إلى الشخصية الواقعية العادية. ففعله الأول يضعه في مواجهة مباشرة مع النظام الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يثبت أن الشهامة البدوية قد تكلّف صاحبها حياته الاجتماعية كلها.
ومن هنا تجسد رحلة مناور بعدٍاً أوسع من مجرد التنقل الجغرافي. فهو يتنقل بين جماعات وثقافات عدة، وكأن الرواية تختبر فيه قدرة البدوي على البقاء متماسكًا في عالم متغيّر. هذا التنقل في الرواية يحمل معه قيمه الأساسية أينما ذهب، يعبّر عن إنسان يستطيع أن يتبدل محيطه، لكن لا يتبدل جوهره.
وتبلغ هذه الصورة ذروتها حين يصل مناور إلى أمريكا، حيث لا يفقد صفاته الأولى، إنما يعيد إنتاجها في سياق جديد تمامًا. فمثلاً هناك ينقذ امرأة أمريكية من العصابات، ثم يمضي دون أن يطلب منفعة أو اعترافًا، يساهم في ضبط الأمن والاستقرار كذلك. هذا المشهد مهم لأنه ينقل مناور من دائرة البداوة المحلية إلى دائرة إنسانية أوسع، فيصبح رمزًا للفضيلة العابرة للحدود والثقافات. فالشجاع هنا ليس شجاعًا لأنه ينتمي إلى بيئة معينة، بل لأنه يحمل قيمة داخلية ثابتة لا تتبدل وتظل ثابتة مهما تغير المحيط وتبدل.
أما النهاية التراجيدية لمناور، فهي تمنح الشخصية عمقًا إضافيًا. فموته في أمريكا، وهو لا يزال مشغولًا بالمئة ناقة التي يريدها للعودة لمحيطة الاجتماعي وقبيلته، يكشف أن انتماءه للجماعة لم ينقطع رغم الطرد. وهذه المفارقة هي لبّ شخصيته: فقد أُبعد عن القبيلة، لكنه لم يُبعد القبيلة من داخله. لذلك يبدو موته أشبه بإعلان أخير عن الوفاء، لا عن الهزيمة. إنه يموت وهو يحمل عبء المصالحة والواجب والكرامة معًا، فتتحول نهايته إلى ذروة أخلاقية لا مجرد خاتمة سردية.
وتكمن أهمية مناور روائيًا في أنه يختصر ثيمات الرواية الكبرى في هيئة شخصية واحدة: الطرد، والرحلة، والوفاء، والتضحية، والتماس مع الآخر. وهو لذلك شخصية تصلح للقراءة الأكاديمية بوصفها تمثيلًا للبطل البدوي الذي يخرج من القبيلة، لكنه لا يخرج من قيمها، ويعبر العالم وهو يحمل معه معنى الشرف كما يفهمه هو، لا كما تفرضه عليه الجماعة.
أخيراً مناور يحمل رسالة رمزية عن الإنسان الذي يظل وفيًا لنفسه حتى عندما يفقد كل شيء. وهو من أكثر شخصيات الرواية قدرة على إثارة التأمل، لأنه يجمع بين الضعف الاجتماعي والقوة الأخلاقية، وبين الطرد والانتماء، وبين الغربة والوفاء.
** **
دلال خضر الخالدي - ماجستير في الأدب المسرحي