حاورته - سارة العَمري:
يفتح الدكتور سعيد الدحية الزهراني، عضو هيئة التدريس بقسم الصحافة والنشر الإلكتروني في كلية الإعلام والاتصال، ملفاً يتجاوز الجدل المعتاد حول كليات الإعلام إلى سؤال يرتبط بمصير الصحافة نفسها، ويرى أن التحولات الرقمية أعادت تشكيل بنية الاتصال، وأعادت توزيع الأدوار بين الصحافة والاتصال المؤسسي، حتى وجد كثير من الصحفيين أنفسهم ينتقلون من مهنة تقوم على الرقابة وكشف الخلل إلى أعمال تنشغل بإدارة السمعة وصناعة الصورة..
وفي هذا الحوار يقدم قراءة فكرية للمشهد الإعلامي، ويطرح أسئلة حادة حول مستقبل المهنة، ودور الجامعات، وقدرة المؤسسات الصحفية على استعادة وظيفتها التاريخية.
* يتردد كثيراً في الوسط الإعلامي أن كليات الإعلام لم تعد قادرة على تخريج كوادر جاهزة للعمل الصحفي، كيف تنظر إلى هذا الطرح؟
- هذا الحديث قديم ومتجدد، وهو في جوهره امتداد للجدل حول العلاقة بين الدراسة والممارسة، وهو جدل تجاوز نصف قرن ولم يتوقف فأنا أسمعه في كل مرحلة، وأنا في الحقيقة فخور باستمرار هذا الجدل، لأنه يعكس أهمية الإعلام وتأثيره في المجتمع. هذا الجدل في تقديري تحكمه مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها مفهوم الصحافة، ودور أقسام الإعلام، والعلاقة بين الدراسة والممارسة، وطبيعة البيئة المهنية، ولذلك فإن أي قراءة تنظر إلى جانب واحد فقط ستصل إلى نتيجة غير مكتملة، ولو لم يكن الإعلام تخصصاً يمس حياة الناس ويقود الرأي العام ويؤثر في الذائقة العامة لما ظل محل نقاش طوال هذه العقود.
لذلك أدعو كل من يطلق هذه الأحكام إلى زيارة أقسام الإعلام والاطلاع على الخطط الدراسية والمقررات والبرامج التدريبية قبل إصدار أي حكم، لأن كثيراً من التصورات المتداولة لا تعكس ما يجري داخل هذه الأقسام.
وهناك جانب يغيب عن هذا النقاش وهو أن البعض يحصر دور الكلية في تخريج طالب يبحث عن وظيفة مع أن دورها يمتد إلى أبعد من ذلك فهي تخرج طلاب البكالوريوس وتقدم برامج الدبلومات والدراسات العليا وتنتج أبحاثاً تقرأ التحولات الإعلامية وتتابع الواقع وتحاول استشراف مستقبل المهنة وعندما يختزل كل هذا العمل في سؤال عن جاهزية الخريج فإن جزءاً كبيراً من دور المؤسسة الأكاديمية يغيب عن المشهد.
أما إذا كان المقصود أن الجامعة مطالبة بتخريج صحفي يمتلك الخبرة الكاملة منذ يومه الأول فهذا تصور بعيد عن طبيعة المهنة فالصحفي يتشكل في الميدان وهناك يكتسب خبرته الحقيقية الجامعة تمنحه المعرفة والمنهج وأخلاقيات العمل وأدواته ثم تأتي الممارسة لتصقل شخصيته وتعلمه كيف يتعامل مع المصادر وكيف يقرأ الأحداث وكيف يتخذ قراره في اللحظة المناسبة.
وأضيف هنا أن الإعلام هو التخصص الوحيد الذي يظل موضع مساءلة دائمة، فلم نسمع أحداً يسأل خريج الأدب إن كان أصبح أديباً، أو خريج النقد إن كان أصبح ناقداً، ناهيك عن خريجي الطب الذين يخفقوا في الحصول على رخصة الممارسة من هيئة التخصصات الطبية، بينما يوجه هذا السؤال إلى خريج الإعلام باستمرار، وهذا يعكس مكانة المهنة وحجم تأثيرها في تشكيل الرأي العام والوعي والذائقة.
س: كيف يمكن لكليات الإعلام مواكبة التحولات الرقمية والتقنية المتسارعة؟
ج: مؤسسات التعليم الأكاديمية الإعلامية تدرك حجم التحول الذي يشهده الإعلام، ولذلك تعمل بصورة مستمرة على مراجعة خططها الدراسية وتطوير مقرراتها، فاليوم ندرس صحافة البيانات، والصحافة التخصصية، وصحافة الذكاء الاصطناعي، والإنتاج الرقمي، وموضوعات لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة، لأن طبيعة المهنة تتغير بسرعة، ومن الطبيعي أن تتغير معها أدوات التعليم.
وهذا التطوير لم يعد مرتبطاً باجتهاد قسم أو كلية، فهناك معايير للاعتماد الأكاديمي تفرض مراجعة البرامج وتحديثها بصورة دائمة، وكل برنامج مطالب بأن يراجع مقرراته ويقيس مدى ملاءمتها للواقع المهني، ولهذا أرى أن أقسام الإعلام اليوم لا تواجه تحدي تحديث المقررات فحسب، وإنما تواجه تحدي مواكبة تحول يتغير بصورة متسارعة، وهو ما يفرض مراجعة دائمة للخطط الدراسية حتى تبقى قريبة من الواقع المهني، يحدث هذا وغيره ضمن استراتيجيات سياسات التعليم العالي ومستهدفات رؤية السعودية 2030م.
الجانب الآخر يذهب نحو أهمية اتجاه المشتغلين بالحقول الأكاديمية الإعلامية والاتصالية إلى التعمق الفكري والفلسفي في قراءة الظواهر وإنتاج المقولات وتكثيف الرؤى حيال قراءة الواقع الرقمي الإنساني والحضاري الذي تحياه البشرية اليوم، اليوم نحن بأمس الحاجة إلى تقديم تشييدات فكرية وفلسفة عميقة ورصينة وجادة تتركز في مقاربة وقراءة وفهم مكون الحضارة الرقمية الاتصالية الجديدة، فمنظومات النظم والبُنى الإنسانية وفقاً للمعيار الحضاري الرقمي الاتصالي قد تحولت بالكلية ولم يعد وفق أنساق السائد والمستقر التقليدي على مختلف المستويات بدءً بالمفاهيم ومرروا بالممارسات والعلاقات وحركة المجتمعات والأجيال والمجالات وليس انتهاءً بمستقبل ما لا يُعرف كُنهه حيال ما بعد الإنسان.
* تحدثتم عن انتقال العالم من نموذج المؤسسة الصلبة إلى نموذج السيولة الرقمية، كيف غيّر هذا التحول مفهوم الإعلام نفسه؟
- ما حدث تجاوز حدود تغير الوسائل والمنصات، فنحن أمام تحول في النموذج الاتصالي نفسه، لقد ارتحلت البشرية من مرحلة الحضارة التقليدية ودشنت مرحلة الحضارة الرقمية، وبينهما فارق كلي لا يجعلهما يلتقيا بالمطلق، فالحضارة التقليدية قائمة على فلسفة البرادايم الصلب الذي يمثله نموذج المؤسسة، بينما الحضارة الرقمية تقوم على فكرة السيولة التي يمثلها الفرد، ففي السابق كانت المؤسسة الإعلامية هي المركز الذي ينتج الخبر ويصوغ الرسالة ويؤثر في الرأي العام، وكانت تقوم على قدر من الاستقرار والتنظيم، في حين يتسيد الفرد اليوم نموذج الأداء عبر منظومات الاشتغال الخوارزمي ضمن تطبيقات الشبكات والتطبيقات، ما يقودنا بالمجمل إلى إطلاق مقولة أن ما تحياه البشرية اليوم هو الزمن الاتصالي أما الزمن الإعلامي فقد ارتحل بارتحال النموذج التقليدي الصلب وذاب في بيئات التسييل الرقمية، وما بقي من الزمن الإعلامي الصحافي فقد تشظى وتوزع بين عمليات اتصالية متعددة تمصلها المنصات الرقمية وصناع المحتوى وإدارات الاتصال والمؤثرين، والحل في تقديري يتطلب تصميم نموذج عمل صحافي جديد يتبع فلسفة المأسسة البديلة تلك التي تستحضر الروح المؤسسية وتتعاطى بهوية سائلية.
بالعموم أرى أن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الأكاديمية والمهنية يكمن في فهم طبيعة هذا التحول والتعامل معه بوعي، فالقضية لا ترتبط بتقنيات جديدة أو منصات حديثة، وإنما بتغير فلسفة الاتصال وآلية إنتاج الرسالة وتداولها، وهذا ما يفرض قراءة مختلفة للمشهد الإعلامي بأكمله.
* وصفتم المشهد الحالي بأنه أقرب إلى أنشطة الاتصال منه إلى الإعلام، ماذا تقصدون بهذا التوصيف؟
- أقصد أن طبيعة العمل تغيرت، فالصحفي يخرج إلى الميدان ليبحث عن الحقيقة، ويقترب من الناس، ويكشف الخلل، بينما يعمل المختص في الاتصال المؤسسي على إدارة الرسائل وبناء الصورة الذهنية للمؤسسة، فلكل مجال رسالته وطبيعته وأدواته، والمشكلة بدأت مع تضاؤل حضور المؤسسات الصحفية واتجاه كثير من الصحفيين إلى إدارات الاتصال والعلاقات العامة، وهنا حدثت أكبر عملية تدجين في تاريخ الصحافة والصحافيين حين تحولوا من صائدي تجاوزات إلى مبرزي منجزات، فارق بين أن تكون صحافياً يكشف العيوب ويحمي المكتسب العام وبين أن تكون صانع صورة يتخصص في أدوات التجميل.
وقد وجد الصحفي نفسه أمام فرص عمل تتركز في هذا القطاع، فانتقل من مهنة تقوم على المراقبة وكشف المشكلات إلى أعمال تهتم بإدارة السمعة والرسائل المؤسسية، وهذا التحول غيّر مسار عدد كبير من الممارسين وأثر في حضور الصحافة داخل المجتمع.
وأقول ذلك مع كامل التقدير للعاملين في العلاقات العامة والاتصال المؤسسي، فقد عملت في هذا المجال وأعرف أهميته، لكن الحديث هنا عن الصحافة باعتبارها مهنة لها طبيعة مختلفة ورسالة مختلفة، وكل خلط بين المجالين يقود إلى فهم غير دقيق لدور كل واحد منهما.
* قلتم إن الصحافة سميت بالسلطة الرابعة لأنها تراقب السلطات وتكشف الخلل، هل تعتقدون أن هذا الدور ما زال قائماً اليوم؟
- الصحافة حملت وصف السلطة الرابعة لأنها قامت على قيمة عليا هي المراقبة، فهي تتابع أداء السلطات، وتكشف أوجه القصور، وتقترب من قضايا الناس، وتطرح الأسئلة التي قد لا يطرحها غيرها، هذه الوظيفة هي التي منحتها مكانتها التاريخية، وهي التي صنعت تأثيرها في المجتمعات.
لكن ما نشهده اليوم أن هذا الدور تراجع إلى حد كبير مع التحولات التي أصابت المشهد الإعلامي، فقد اتسعت مساحة صناعة الصورة والتدشين الإعلامي، بينما ضاقت مساحة الصحافة التي تبحث عن الخلل وتلاحق الحقيقة، فأصبحت إدارات الاتصال وشركات العلاقات العامة تنتج الرسائل وتدير السمعة، في وقت تقلص فيه حضور المؤسسات الصحفية التي كانت تحتضن العمل الرقابي والتحقيقي.
وأعتقد أن المجتمع سيظل بحاجة إلى هذا الدور مهما تغيرت المنصات والأدوات، لأن الحاجة إلى من يراقب ويحلل ويكشف الحقيقة لا تنتهي. قد تتبدل الوسائل، لكن قيمة الصحافة تبقى مرتبطة بقدرتها على الاقتراب من الناس، ومساءلة المؤسسات، وفتح الملفات التي تمس المصلحة العامة، وهذه هي المهمة التي منحتها مكانة السلطة الرابعة منذ نشأتها.
* هناك من يحمل الجامعات مسؤولية أزمة الصحافة وتراجعها كيف تنظر إلى ذلك؟
- تحميل الجامعات وحدها مسؤولية ما وصلت إليه الصحافة فيه كثير من التجني فإذا كانت المؤسسات الصحفية الكبرى بما تملكه من تاريخ وخبرات وإمكانات مالية لم تستطع مواكبة التحول الرقمي أو تطوير نماذج عملها فمن الطبيعي أن نتساءل عن دورها قبل أن نتجه إلى المؤسسة الأكاديمية.
السؤال الحقيقي من وجهة نظري هو لماذا لم تنجح تلك المؤسسات في تجديد أدواتها ولماذا لم تهيئ بيئة تستوعب المهارات الجديدة التي يحملها الخريجون ولماذا بقيت تعمل بالآليات نفسها في وقت تغير فيه المشهد الإعلامي بسرعة كبيرة.
فالجامعات تتحرك باستمرار لتحديث برامجها وتطوير مناهجها بما ينسجم مع احتياجات السوق، وهي تعمل ضمن أنظمة وإجراءات تنظيمية معقدة، في الوقت الذي تمتلك فيه المؤسسات الخاصة مساحة أوسع للحركة واتخاذ القرار، ولهذا أتساءل دائماً: لماذا يوجه اللوم إلى الجامعات التي تراجع برامجها باستمرار، ولا يوجه بالقدر نفسه إلى المؤسسات الصحفية التي لم تستطع إنقاذ نفسها أو تطوير نموذجها المهني؟
وأقول ذلك لأنني ابن الصحافة وأعرف تفاصيلها وأعتز بها وكل ما يصيبها من تراجع يمسني شخصياً لكن أي نقاش جاد حول أزمتها يجب أن يبحث عن الأسباب الحقيقية ولا يكتفي بإلقاء المسؤولية على الجامعات لأن الأزمة أكبر من مؤسسة تعليمية وهي مرتبطة بتحولات طالت الصناعة الإعلامية كلها.
* نلاحظ أن كثيراً من مسؤولي الإعلام والاتصال في المؤسسات لا يحملون تخصص الإعلام، هل يمثل ذلك مشكلة؟
- قبل الإجابة لا بد من التفريق بين الصحافة والاتصال المؤسسي فلكل مجال طبيعته وأهدافه وأدواته وطريقة عمله، فالصحافة مهنة تقوم على الشغف والفضول والبحث والتقصي، واشتغالها اليومي على وجع الناس والمشكلات والعيوب، لذلك تحتاج إلى شخصية تملك حساً صحفياً، ثم تأتي الدراسة لتصقل هذه الموهبة وتمنحها أدواتها العلمية والمنهجية.
أقول دائماً إن الصحفي يولد وفي داخله ما أسميه لعنة الصحافة، ذلك الفضول الذي يدفعه إلى السؤال والبحث وعدم الاكتفاء بالإجابات السطحية، وأقول دائماً إن كل هذا الكلام العاقل ينتجه هؤلاء المجانين، لأن الصحفي يذهب إلى الأماكن التي يبتعد عنها الآخرون، ويطرح الأسئلة التي يخشى كثيرون طرحها.
ما نراه اليوم هو أن عدداً من إدارات الاتصال يقودها أشخاص لا يملكون خلفية إعلامية أو تجربة صحفية وهذا ينعكس على طبيعة الرسائل التي تنتجها المؤسسات وعلى طريقة تعاملها مع الأزمات، وكثير من الأزمات الإعلامية لا تبدأ من الخارج وإنما تنشأ داخل المؤسسة نفسها بسبب رسالة لم تصغ بدقة أو قرار اتصالي اتخذ من دون قراءة كافية للمشهد لأن من يدير الملف يفتقد الخبرة التي تساعده على تقدير الموقف والتعامل معه بالشكل الصحيح، وانعكس ذلك كله على جودة الرسائل الإعلامية، وعلى قدرة المؤسسات في إدارة الأزمات، لأن الرسالة الإعلامية تحتاج إلى معرفة بالمهنة وخبرة بالممارسة، وأي خلل في هذا الجانب ينعكس مباشرة على علاقة المؤسسة بجمهورها.