تَطَلَّعَ الشيخ علي الطنطاوي إلى المملكة العربية السعودية منذ إعلان توحيدها عام1932م، بوصفها بلدًا قام على أُسُسٍ متينةٍ؛ مِن قِيَمِ الإسلام، والعروبة، والتاريخ، على يدِ المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز(رحمة الله عليه)، وقد لَقِيَهُ وحَضَرَ مجالسه عام1935م، بعد إعلان توحيد المملكة بعامين، خلال رحلة الكشف عن طريق السيارات الواصل بين دمشق والمدينة المنورة، التي شارك فيها الطنطاوي، وكتبَ عنها؛ معجَبًا أشدَّ الإعجاب بشخصية الملك عبدالعزيز، وممجدًا لإنجازه الضخم، في توحيد أجزاء الجزيرة، في دولةٍ واحدة، وبَسْطِهِ الأمن في أرجائها، فوصفه بـ»الإمام العبقري»، وحين تطرق لشجاعة الملك عبد العزيز؛ قال: «شجاعة الملك عبد العزيز التي جاوزت الأمثال المضروبة للشجاعة»، ويلفتُ الانتباهَ إلى أنها شجاعةٌ اقترنت بحكمة بالغة، فيقول: «حكمته التي منحه الله منها ما لم يُـمنحْ مِثلَهُ إلا القَلِيل».
ووصف مجلس الملك عبدالعزيز بإجلال وتقدير؛ فقال: «دخلنا مجلس الملك فقام لنا، وكان يقوم للداخل.. وجعلنا نحضر مجلسه كل يوم، وكنا نحضر عنده درسًا، لا ليس درساً، بل قراءات جهرية، يُنْصَبُ كرسيٌ لشيخ يوضع له مصباح إلى جنبه، فيقرأ صفحات من كتابٍ في التفسير، والحاضرون يستمعون، وربما عَلَّقَ الملكُ نفسُه على بعض ما قرأ القارئ، وقد لاحظتُ أنه يحفظ كثيرًا من الأحاديث ومن أقوال الأئمة، وقد يشترك بعض الحاضرين فلا يمنعهم، ومنهم من يُعارض رأيه فيناقشُه الملك ويُفَرِّعُ أوجُهَ الرَّدِّ فيقول: أولاً، ثانياً، ثالثاً، ويقيم أمامه ستاراً من الحجج ومن الأدلة، وكُـنَّا نكلم الملك في غير موعد القراءة ونحدثه؛ فإذا رأيتُه منطلق الأسارير سِقْتُ إليه الطرائفَ المناسبة مما أحفظ، وقد رويتُ له من النوادر ما أضحكه مرتين».
وكان يفخر بحضوره مجلس الملك عبد العزيز، فكتب عام1939م: «كنت من قريب (أي قبل أربع سنين) أُجَالِسُ الملك العظيم الذي كان شيخَ الجزيرة، بل كان ملجأ العرب كلهم؛ إليه يَلْجؤون، وإلى حِماه يُهرعون والذي إذا دُعي أجاب؛ الملك عبد العزيز»
ويصف الملك عبدالعزيز كما رآه وعرفه واستمع إليه وحدثه؛ فيقول: «لقد كان الملك عبد العزيز رجلاً من أفذاذِ الرجال؛ ذكاءٌ فطريٌ يصغرُ أمامَه كبارُ الأذكياء، وفكرٌ نَيِّـرٌ يطوي أفكارَ العلماء، وقدرةٌ نادرةٌ على سرعة الفهم، والقدرة على الإفهام، يُدركُ مرادَك قبل أن تُتِمَّ کلامَك، ويُلَخِّصُ في جُمَلٍ معدوداتٍ ما يحتاج إلى محاضرات، خبيرٌ بنقدِ الرجال ومعرفة معادنِـهم، رحمه الله فلقد كان أحد عباقرة التاريخ».
ولم يرد ذِكرُ الملك عبد العزيز في ذكريات علي الطنطاوي إلا مقرونًا بأكمل الأوصاف؛ فهو يقول: «الملك المؤسس العبقري عبد العزيز؛ الذي بنى دولة أقامها على تقوى الله، وساسَها سياسةً أدهشت دهاقين السياسيين مِـمَّن درس في الجامعات وعاش في مراكز الحضارات؛ وهو الذي لم يدرس إلا في جامعة الحياة، وهو الذي عاش شطرًا من حياته في هذه الصحراء التي لا تعرف النفاق».
وهو يرى أن سيرة الملك عبد العزيز ما تزال تتسع للكتابات، والدراسات؛ فيقول: «لقد كُتِبَ عن الملك عبد العزيز الكثيرُ الكثيرُ ولا يزال في سيرته مجالٌ لكتابة الكثير»
وقد كان الطنطاوي يُراسل الملك عبد العزيز، ومن بعده الملوك من أبنائه، وكانوا يجيبون على كُتبه، ذكر ذلك في ذكرياته التي كتبها في ثمانينيات قرن العشرين؛ فقال: «كنتُ أكتبُ إلى جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله.. من أربع وخمسين سنة ويتفضل هذا الرجل العظيم عليه رحمة الله، فيصلني جوابه وأنا شابٌ لا يؤبه له، وكتبتُ بعده إلى أولاده من الملوك، رحم الله من توفاه منهم، وأبقى سالماً موفقاً وأطال عمر الباقين منهم».
وهو يدعو لملوك السعودية في كل مناسبة، ويذكر إحسانهم إليه؛ فيقول: «أدعو بالرحمة والمغفرة للملك سعود ومن قبله الملك عبد العزيز، ومن بعده الملك فيصل، والملك خالد وأدعو للملك فهد، فكلهم أحسن إليَّ أحسن الله إليهم جميعاً، وجزاهم عني خيرًا».
ويؤكد ذلك بكل امتنان في موضعٍ آخر فيقول: «أما المملكة فأشهدكم أنني أقر بفضلها عليَّ؛ من ملوكها الخمسة الذين أدركتُهم إلى آخر واحد من أهلها، رحمة الله على من ذهب للقائه.. ومَدَّ الله في عمر الباقي ووفقه إلى ما يحبه وإلى ما يرضاه؛ المملكة التي فيها مكة والمدينة بلدي الأول وبلد كل مسلم، الدين أشرق نوره منها، والعربيةُ هي أصلُها ومعدنها، وكل البلاد دخلها الاستعمار يومًا إلا المملكة فإن الله سلَّمَها منه وصانها».
وقد كان محل تقدير ملوك السعودية الكرام؛ فمُنح الجنسية السعودية، وعمل أستاذًا في جامعاتها، وموجهًا في مدارسها ومعاهدها، ومتحدثًا دائمًا في برامج إذاعية وتلفزيونية، استمرت عقودًا، ومُنِحَ جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام، وهو يَعُدُّ السعودية بلده؛ وقد أكد ذلك في أول ذكرياته فقال: «أنا أ َعُدُّ هذا البلد بلدي».
وكان محلَّ تَكْرِمَةِ الشعب السعودي بأسره، وهو يصرح بذلك؛ فيقول: «ما وجدت هنا والله إلا البر والإكرام، من الملوك الخمسة رحم الله منهم من ذهب للقائه، وأطال عمر من بقي، وزاده من نعمائه ووفقه إلى رضائه، ومن كل من تضم هذه البقاع الطاهرة، ما لقيت منهم إلا كرمًا وعطفًا وإحسانًا».
ويقول في الجزء الثامن من ذكرياته: «أنا هنا من نحو ربع قرن ما رأيت والله من أحدٍ ما يسوء، ما لمستُ إلا محبة صادقة ووداً خالصًا»
ووصف الأمن الذي عمَّ الجزيرة العربية، على يد الملك عبدالعزيز، في مقالة نُشرت في مجلة الرسالة عام1935م؛ بعد سنتين فقط من توحيد المملكة العربية السعودية؛ فقال: «قد جعل ابن السعود.. أفظعَ مكانٍ في البادية، آمَنَ مِن ميدانِ النجم في باريز»، وميدان النجم: هو ما أصبح يعرف بميدان شارل ديغول، وسط باريس.
وينبه الناس إلى ما تنعم به السعودية من نعمة الأمن، ويأسف لأن كثيرًا من الناس لا يُدركون ذلك؛ فيقول: «لا يعرفُ مَبْلَغَ ما وَفَّقَ الله إليه عبد العزيز من توحيد الجزيرة وإقامة هذه المملكة التي أكرمها الله فجعل لها بين الدول وزنًا راجحًا ورفعها مكانةً عاليةً، ومَنَّ عليها بالمال وبنوابغ الرجال، حتى طرقَ أبوابَـها زعماءُ الشرقِ والغرب، لا يعرفُ هذا إلا من عرف كيف كانت الجزيرة».
ويكرر في مواضع عدة من ذكرياته تنبيه الشعب السعودي إلى وجوب الشعور بما هم فيه من نعمة؛ فيقول: «أقول هذا لتعرفوا قيمة ما أنتم فيه من نعمة الأمان، ولتسألوا الله الرحمة لمن جعله سبباً لتوحيدِ البلاد وأَمْنِها». ويُذَكِّرُهم بالنِّعم التي يرفلون فيها؛ فيقول: «إنكم هنا دون بلاد الله جميعًا، في نعمة من الأمان، ومن السعة.. إنكم هنا في نعمة لا نظير لها، فسيحوا في الأرض كلها فلن تجدوا مثلَها، فاستديموها واستزيدوا منها بشكر الله عليها؛ شكر اللسان وشكر العمل وشكر القلب الراضي عن الله».
ثم يدعونا إلى الوفاء للملك عبدالعزيز بالدعاء له مخلصين؛ فيقول: «توجهوا إلى الله بقلوب مخلصة، وقولوا: رحم الله عبد العزيز».
وفي رحلته الأولى إلى المملكة منتصف ثلاثينيات قرن العشرين، لقي الملك فيصل، وكان نائبًا للملك عبدالعزيز، وسَجَّلَ انطباعه عن شخصيته؛ قائلًا: «خرجتُ من لقاء نائب الملك، أي الفيصل، وأنا ممتلئُ القلب إكبارًا له؛ لسعة اطلاعه، وسداد منطقه، ومعرفته بالدنيا، وأنه يقول الكثير بالألفاظ القليلة، مع أنه كان يومئذ شابًـا».
ويتحدث عن بناء الدولة السعودية على أساس متين فيقول: «وضع عبد العزيز الأساس وأرسى الدعائم، وجاء أولاده يُعْلُونَ الجدران، ويقوون الأركان ويجملون البنيان».
ويُفسِّرُ رموزَ عَلَمِ المملكة العربية السعودية فيقول: «مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحتها [سيف].. كلمة الحق لمن أراد الحق، والسيف لمن أبى إلا العدوان».
وَعَبَّـرَ عن شعورِه لَمَّا وصلَ حدودَ المملكة العربية السعودية في رحلته الأولى إليها عام1935م؛ فقال: «وصلتُ إلى دارِ الأمان، إلى البلدِ الذي لم تُدِنِّسْ ثراه أقدامُ مُستعمر.. البلدِ الذي خُلِقَ حُرًّا، وعاشَ حُرًّا، وبقي حُرًّا».
ويتحدث عن ملوك المملكة العربية السعودية، بحبٍ وإكبار، وشكرٍ لفضلهم؛ فيقول: «وجدت فيها من ملوكها وأمرائها ومن شعبها؛ وجدت شيئاً أكون ألأم الناس لو أهملت ذكره، ونسيتُ شكره، وعرفت خمسة من الملوك، رحم الله من مضى ووفق من بقي، بعضهم من قرب وبعضهم من بعد، ولكنني أحببتهم جميعًا»
ويذكر إنجازهم لوطنهم، وكيف كان، وكيف صار؛ فيقول: «صنعوا له العجائب؛ نقلوه من صحراء تموج فيها قبائل متخاصمة متحاربة، ما عندها إلا حكومات هزيلة ضئيلة فجعلوها كُلَّها حكومَةً واحدةً قويةً عظيمةً ومشوا فيها في طريق التطور والرقي، ما مشت مثله حكومة في الدنيا، لا أستثني، لأن الذي قطعته المملكة في هذا الأمَدِ القصير، لا تقطع مثله الأمَمُ في الزمان الطويل، وإنهم ليستحقون منى أضعاف هذا الثناء».
ويعُدُّ ما امتاز به ملوك المملكة العربية السعودية عن سائر الحكام؛ فيقول: «ليسوا كأكثر من عرفنا من حكامنا، فهم مِنَّا، أنسابُـهم معروفةٌ لنا، وأبوابُـهم مُفَتَّحَةً أمامنا، وهم يحرصون ما استطاعوا على إسداء الخير لنا... إن كل عمل عملوه، وكل طريق مهدوه، وكل معهد فتحوه، إنما هو قصائد باقية في مدحهم».
وقد ارتبط وجدان الطنطاوي بالمملكة العربية السعودية قبل قدومه إليها، وإقامته فيها، فقد كتبَ في مقالة نُشرت عام1956م، يقول: «أفرحُ كُلَّما سمعتُ من الحجاز خبرَ خير، وكلما رأيتُ في أرضِ المملكة تَقَدُّمًا وعُمرانًا».
وفي المقالة سالفة الذكر وصف التطور الذي شهدته الرياض، فقال: «في الرياض لقيتُ عجبًا من العجب؛ تمشي المدن إلى العمران مشيًا، أو تسعى (إن نشطت) سعيًا، وهذه تطيرُ طيرانًا، لقد رَفَعَتْ القريةَ القديمةَ يدٌ عبقريةٌ قادرة، ووضعتْ مكانها بلدًا جديدًا».
ويتحدث بدهشة عما تحقق من نهضة في أرجاء المملكة فيقول: «إن الذي تحقق في جدة وفي مكة وفي الرياض، وفي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل في أصغر القرى الضائعة بين صخور جبال السراة، وفي أوديتها، ما تحقق يتعدى حدود الخيال؛ فهل سمعتم بحقيقة سبقت شطحات الخيال؟ هذا ما وقع في المملكة في خمسين سنة، من زيارتي الأولى سنة 1353هـ إلى الآن». يعني إلى تاريخ كتابة هذه الحلقة من ذكرياته عام1403م.
ويؤكد ذلك في موضعٍ آخر من ذكرياته فيقول: «أما ما بلغته هذه البلاد من الرُّقي والعمران وارتفاع البنيان، فلا يكاد يُصَدَّقُ، ولو أن كاتبًا تخيل ربعه فكتبه قبل ثلاثين سنة لعدوه من شطحات الخيال».
ويقارن تطور المدن السعودية بتطور العواصم العربية، ليبرز الفرق الذي لمسه وقد مرَّ بها جميعًا في أوقات متباينة؛ فيقول: «أنا أعرف القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق.. كيف كانت قبل خمسين سنة وكيف صارت الآن، كلها امتد وتوسع وزاد أضعافًا، ولكن لم يقطع شيء منها شوطاً أبعد مما قطعت مدن المملكة، ولا يَفْهَمُ معنى هذا الكلام، إلا من عرفها في تلك الأيام».
ويرى في مسيرة المملكة العربية السعودية نموذجًا جديرًا بالدراسة والاقتداء، في التطور الحضاري، والحفاظ على القيم، والتقاليد، فيقول: «مَنْ عَرَفَ هذه البلاد قبل خمسين سنة كما عرفتها ورأى ما وصلت إليه الآن في كل ميدان من غير أن تُفَرِّطَ في شيءٍ من عقائدها، أو تدعَ كثيرًا من فضائلها ومن سلائقها، أدرك أن من أرادَ الجمعَ بين التمسك بالدين الذي يكون به النجاة في الآخرة وبين أعلى درجات التمدن والحضارة، التي يكون بها السمو والفخار في الدنيا وجده سهلاً ممكنًا».
ويُثني على مدارس المملكة العربية السعودية فيقول: «المدارس في المملكة عمرها نصف قرن أو ستون سنة، أُسِّسَتْ على التقوى من أول يوم لأنها قامت بأيد مؤمنة، في ظل حكومة مؤمنة».
ويصف النهضة التعليمية، والصحية في المملكة، مقارنًا بين زمنين؛ فيقول: «البلاد التي عرفتها في رحلتي الأولى التي أتكلم عنها ولم يكن فيها سبع مدارس ابتدائية رسمية، صار فيها سبع جامعات، ولم يكن فيها واحدٌ يحمل (فيما أعلم) شهادةً جامعيةً صارَ الدكاترةُ فيها يُتعبون العادِّين والمحصين، والتي لم يكن فيها مستشفى واحدٌ يمكن أن يقال له مستشفى صار فيها عشرات معها عشرات من المستشفيات التي تزاحم بمناكبها في حلبة السباق أفاضل مستشفيات العالم، ولم يكن فيها قبل خمسين سنة لما زرتها مدرسة للبنات صارت فيها مدارس البنات بالمئات».
ويشيد بالطلاب السعوديين وقد عرفهم في المدارس والجامعات؛ فيقول: «وأما الطلاب فأشهد وأنا أُعَلِّمُ مِن سنة1345هـ، من قبل أن أكمل تعليمي، بأنهم من أكثر من رأيت من الطلاب أدبًا مع المدرسين، ورغبةً في الاستفادة منهم، وتكريمًا للمسنين منهم».
أما ما تشهده مشاعر الحج من عناية، ورعاية، وتسهيل وتأمين؛ فقد أبانَ عن المدى الذي بلغته في زمنٍ قياسي؛ فقال: «لو وضعت أمامي الصورة الأولى التي عرفتُ فيها مكةَ والمدينةَ ومواضعَ المشاعرِ فيها، لو ذكرتُ ما كانت عليه، وأظهرتُ ما انتهت إليه لفركت عينَـيَّ، متعجبًا كأنني لا أُصَدِّقُ ما أراه».
ويؤكد مرةً بعد مرة على الدور الضخم، والنجاح الأسطوري للملك عبد العزيز وبنيه في بسط الأمن على طرقات الحجيج، ومشاعر الحج؛ فيقول: «إن ما كان يلقاه الحجاج من الخوف على حياتهم وعلى أموالهم، قبل عهد عبد العزيز، قد ذهب كُلُّه بهذا الأمن المنقطع النظير. هذا كله لا يمكن أن يشار إليه في فقرة من مقالة في جريدة بل تنظم فيه معلقات وتكتب فيه مجلدات، وكل ذلك لا يساوي شيئاً أمام ما يُرجى لمن قام به من ثواب الله في الدار الآخرة».
وينبه إلى ما تمتاز به القيادة السعودية من حَدَبٍ على الشعب، وإخلاصٍ في رعايته، فيقول: «أولياء الأمر في هذا البلد.. يحرصون على إرضاء الله أولاً، ثم على راحة الناس وإسعادهم، لذلك ينفقون الأموال، ولذلك يقومون بالمشروعات، ولذلك يسهرون ويخططون ويدأبون».
وأعلنَ عَجزَه عن الوفاء لهم بما يستحقون؛ فقال: «أنا لا أريد أن أذكر كل ما صنعوه ولا أقدر أن أذكره، ولكن الله يذكره لأصحابه، ويجزل ويزيدهم من ثوابه، وَيُسَخِّرُ أقلامَ المؤرخين لتدوينه وكتابته، وثواب الله خير من ثناء الناس، وذكر المؤرخين».
ويتحدث عن دور الملك عبدالعزيز وبنيه في جعل المملكة دولةً وازنةً بين كبريات دول العالم؛ فيقول: «المملكة العربية السعودية.. صارت من أثقل [الدول] وزنًا وأعلاها صوتًا وأرجحها رأيًا، وصارت مثابةً لعظماء الأمم، من الشرق والغرب».
ويحاول في كل مرةٍ يتحدث فيها عن تقدم السعودية أن يوضح للجيل الجديد مدى التطور الذي شهدته السعودية؛ فيقول: «لا يُدْرِكُ مقدارَ ما تنعم به المملكة اليوم إلا مَن زارها كما زرتها أنا من خمسين سنة». أي في ثلاثينيات قرن العشرين الميلادي، خمسينيات القرن الرابع عشر الهجري.
تُرى ماذا كان الطنطاوي سيقولُ لو رأى ما تَشهَدُهُ المملكة العربية السعودية اليوم؛ من تطورٍ حضاري، وعلمي، وصحي، وتقني، وتقدُّمٍ في كُلِّ نواحي الحياة، بعد مضي أربعين عامًا، منذ كتب ما كتب؟!
لا شكَّ أنه كان سيكتبُ فوق ما كتب، ويُدهش فوق ما دُهِش، وما كان لينحو نحو أولئك الذين مرُّوا بهذا البلد العظيم، ونعموا بخيره، ثم غادروه ثانِـينَ أعطافَهم، كألَّـم يَغْـنَوا بالأمس فيه مُكَرَّمِين، ولا بخيره وأمنه مُنَعَّمِين.
وحين أوشك الطنطاوي على ختام الجزء الثامن والأخير من ذكرياته أواخر ثمانينيات قرن العشرين، حَمِدَ الله أنَّه يَعِيشُ آخر أيامه في السعودية، وعدَّ ذلك مِن نعمةِ الله عليه؛ فقال: «اللهم لك الحمد بأن شرفتني بأن أقضي أواخر أيامي في هذا البلد الطاهر».
وقد استمرت إقامته في المملكة العربية السعودية معزَّزًا مكرمًا، منذ قدومه الأخير إليها عام1964م، حتى رحيله عام1999م، وصُلِيَ عليه في المسجد الحرام، ودُفِنَ في مقبرة العدل، وتلقَّت أسرته التعازي من كبار المسؤولين السعوديين، ومن العلماء، والأدباء، والمثقفين، وأَسِفَ لرحيلِهِ عمومُ الشعبِ السعودي الوفي.
** **
- إبراهيم مضواح الألمعي