في زمن تزدحم فيه الروايات وتتشابه الموضوعات، تبرز قيمة العمل الروائي في تمكنه من تجاوز كل ما سبق وبراعته في صنع صوته الخاص، وقد تحقق ذلك في رواية «قلوب قاتلة» الصادرة عن دار جدل لعام 2025م للكاتب الروائي المميز حامد الشريف، في تقديمه عالماً له نبرته وملامحه، من خلال العلاقات المعقدة بين شخصياته التي تتحرك في فضاء مأزوم، وأحداثه التي لا تقف عند حدود الجريمة الكلاسيكية المعتادة في البحث عن القاتل، بل تتجاوزها إلى استنطاق خفايا المجتمع الذي أشعل فتيلها وساهم في دفنها. كما أن أكثر ما تميز به العمل براعة الكاتب في توظيف الكثير من التقنيات السينمائية في تصوير فضاءاته السردية، ولم أجد أي قراءة سابقة وقفت عند هذه التقنيات التي كان حضورها لافتاً، لذا فقد خصصت هذه الورقة لاستقراء الملامح السينمائية ومدى حضورها في هذا العمل المشوِّق.
قبل الخوض في القراءة من المهم التنبيه إلى أن علاقة الرواية بالسينما في رواية قلوب قاتلة تقوم على الاشتراك في بناء الحكاية عبر الترتيب، والتقطيع، وتوزيع المعلومات، لا على افتراض محاكاة الرواية الحرفية للكاميرا. وقد جعلت دراسات السرد المقارن بين الأدب والفيلم من الممكن النظر إلى الحكاية بوصفها بنية قابلة للتحقق في وسائط لفظية وبصرية، مع إمكانية استعارة كل وسيط لأدوات الآخر على الرغم من اختلافهما. ولذلك فإننا في سعينا إلى استنطاق التقنيات السينمائية التي لجأ إليها الكاتب في روايته لا نستخدم مصطلح السينمائية بمعنى تقني ضيق، وإنما بمعنى إجرائي واسع يشمل: تحويل الحدث إلى مشهد، وتنظيم أبعاد الحدث ومجاله كما لو كان كادراً، وترتيب الشذرات السردية على هيئة مونتاج، وغير ذلك من التقنيات السينمائية التي سنرى كيف تسهم في تحويل الدلالات وإعادة تشكيلها بطريقة فنية مميزة.
أولاً: مشهد افتتاح الرواية/ اللقطة التأسيسية
تبدأ الرواية بتقديم حلة الصعايدة في صورة تبدو ساكنة، حارة هادئة بعد أيام من اللغط. هذه البداية يمكن أن تشكل لقطة افتتاحية عامة في فيلم جريمة؛ فهي لا تدخل مباشرة إلى فعل القتل، بل تعرض فضاء يومياً يبدو مطمئناً، ثم تكشف أن هذا الهدوء نفسه مشحون بالحكاية والشائعة والرغبة المكبوتة في زوال الضحية، حيث تنتقل مباشرة إلى تداول النساء للحكاية في جلسة يومية؛ وهذا الانتقال يجعل الافتتاح أقرب إلى لقطة تأسيسية واسعة يعقبها دخول إلى بؤرة اجتماعية ضيقة في مشهد جماعي تتداخل فيه الحارة، والشائعة، والضحك، والطعام، والكلام النسائي.
تكشف هذه البداية وظيفة سينمائية مبكرة ترتبط بالبنية الثقافية للمجتمعات العربية، فالجريمة المحتملة لا يتم تقديمها في صورة صدمة مباشرة كما نعهدها في أفلام الجريمة في المجتمعات الغربية، بل في صورة شائعات قابلة للتداول والاستهلاك، حيث يضع النص القارئ داخل فضاء يرى من خلاله كيف تتحول الحكاية إلى مادة للثرثرة قبل أن تتحول إلى ملف جنائي؛ وبذلك تصبح الرؤية المشهدية مدخلاً لفهم بنية المجتمع الذي يسعى إلى محاولة طمس الجريمة داخل الحياة اليومية المعتادة، وكأن شيئاً لم يكن.
ثانياً: الكادر السينمائي
بمعنى ما يدخل في إطار الصورة وما يبقى خارجها، أو بعبارة أدق: حدود الرؤية والاختيار البصري. وتعتمد هذه الرواية على ما يمكن تسميته خارج الكادر السردي؛ وذلك لأن الحادثة المركزية لا تقدم بوصفها لحظة قتل مرئية منذ البداية، بل تأتي عبر آثار لاحقة، حيث تؤكد حادثة العثور على بقايا صالح أن ما وصل إلى الناس والشرطة هو أثر لا فعل؛ فقد عثر على الجثة في منطقة رملية بعيدة، ولم يبق ما يسمح بالتثبت من الحدث الجنائي، لذلك يبقى الفعل الأصلي خارج الكادر، بينما تعرض الرواية ما تركه الفعل من آثار غامضة، وهذا النقص في الرؤية هو الذي ينتج التشويق ويؤسس لعملية بحث الضابط عن الصورة المفقودة.
ينطلق السارد من هذه التقنية أيضاً في رسم حدود علاقة الضابط بعالم النساء والرواشين. فالنساء حاضرات في الحدث، لكن حضورهن غالبًا غير مباشر، إما خلف الرواشين، أو من فتحات العليات، أو عبر الصراخ، أو من خلال ما يتوقعه الرجال منهن؛ الأمر الذي يجعل جزءاً من الحقيقة خارج مجال التحقيق الرسمي. «باب النساء شبه مغلق ومن الصعب، بل شبه مستحيل فتحه، فهن مُغيّبات عن المجتمع ولا يمكن التواصل المباشر معهن». ص 41. «حتى النساء أدّين دوراً مهماً ... بنثر العملات المعدنية فوق رؤوس المحتفلين، من فتحات الرواشين وشبابيك العليّات». ص 42. لذلك يمكن قراءة الرواشين كحدود للكادر الروائي؛ إنها تضع الحقيقة في منطقة خارج الصورة، حيث تصل للضابط آثارها فقط: صراخ، خبر، إشاعة، خوف، أو تلميح. بهذا تصبح الجريمة محمية معمارياً وبصرياً. ليس لأنها تقع في مكان بعيد فقط، بل لأنها موزعة بين فضاءات لا تتساوى في قابلية الظهور، فالسوق والمركاز والبرحة في الضوء العام، أما العالم النسائي وما يدور خلف البيوت ففي الظل وخارج الكادر.
ثالثاً: اللقطة القريبة وجسد المتكلم
من أهم ملامح السينمائية في الرواية أن الحوار كثيراً ما ينقطع لوصف هيئة المتحاورين، وأصواتهم، أو حركاتهم، أو طريقة تحدثهم. وهذا يشبه إلى حد ما وظيفة اللقطة القريبة في السينما، حيث لا تكون الكلمة وحدها كافية لفهم الشخصية، بل تصبح الملامح وردود الفعل جزءاً من إنتاج المعنى. يظهر ذلك بوضوح في مواضع كثيرة من الرواية، ومنها على سبيل المثال: الحوار الذي جرى بين خليل والضابط، إذ يتوقف السارد طويلاً عند علبة الدخان: «يمد يده، ينزع البلاستيك، يخبط العلبة على الطاولة، يخرج السيجارة، يقلبها بين أصابعه، يضعها في فمه، يشعلها، ثم يشفط الدخان ويطلقه»، فيستغرق في تشكيل لقطة تفصيلية قريبة لملامح خليل وهو يدخن وطريقة إمساكه بالسيجارة، وظيفتها ليست إلا الكشف عن شخصية خليل الهادئة، المتمكنة، المراوغة، ومحاولته التخلص من حصار الضابط، بل محاولته شراء وقت كاف للسيطرة على موضوع الحوار وإدارة دفته.
أيضاً في لقاء الضابط بوالد صالح؛ حيث لا يقدم هذا الأخير اعترافاً أو أي معلومة حاسمة، وإنما يكتفي بعبارة عامة حول الدعاء للميت بالرحمة: « لم يسمع منه صراحة إلّا قوله بصوت خافت: «الميت ما تجوز عليه غير الرحمة»، بينما يقوم السارد بربطها بالصوت الخافت وتقطيبة الجبين وتغضن الوجه: «وبدا من ملامحه وتقطيبة جبينه وتغضّن وجهه..» ص 18فينتقل مركز الدلالة من القول إلى الهيئة، وكأنه يضع أمام القارئ لقطة قريبة لوجه يصرح بما يحاول لسانه كتمه. هذه التقنية لا تكشف الحقيقة كاملة، لكنها تمنع القارئ من الاكتفاء بظاهر الكلام. وهكذا يقوم الحوار المقتضب بمحاولة دفن الحقيقة، بينما تقوم هيئة المتحدث على العكس من ذلك بالتلميح إليها أو التصريح بها، ومن ثم فإن تعابير الجسد في الرواية علامة جمالية بصرية وسردية في آن، تثير الريبة وتوسع مجال التأويل.
رابعاً: المركاز بوصفه ميزانسين Mise-en- scène
«الميزانسين»: مصطلح فرنسي يُترجم ترجمة حرفية بـ «الوضع في المشهد»، ويعني تقريباً: «تنظيم عناصر المشهد، أو ما يوضع داخل المشهد»، ويستعمل في النقد السينمائي للإشارة إلى السمات المرئية في الفيلم، وكل التفاصيل الطبيعية أو المصطنعة التي تشكل الفضاء المصوَّر، والتي يمكن أن تنتظم في أربعة محاور: المكان/الديكور، والإضاءة، والزي، والأداء/التشكيل الحركي. وما يهم هنا هو ربط هذه العناصر بمزاج الشخصيات وطريقة أدائها التي تنعكس على إنتاج الدلالة، وفي رواية «قلوب قاتلة» يتحول مركاز العمدة إلى مشهد مركب؛ حيث يصور السارد الضوء الداخل من نوافذ الروشان، ويصف مكان جلوس العمدة، والشيشة، والمروحة، والسجادة، والمساند، والباب الخشبي، قبل أن يستقر الحوار في مجراه. هذه التفاصيل ليست زائدة عن الحاجة؛ فالشيشة والمروحة والروشان والمساند تحدد سلطة العمدة وطبيعة المجلس بوصفه مكاناً للصلح والكلام والاحتواء الاجتماعي. وإذا كان التحقيق الرسمي يبحث عن الدليل، فإن المركاز يعرض سلطة اجتماعية بديلة تؤجل المواجهة والصراع، وتفضل الجهل على المعرفة. وتتأكد الوظيفة السينمائية للمركاز عندما يدخل صوت فرهود على المشهد. فالصوت يأتي من الخارج، ثم يقترب، ثم يظهر الجسد من الباب أو من الروشان، فيتحول المكان إلى مشهد متعدد المستويات: داخل المجلس، وخارج الحارة، ونافذة الروشان التي تسمح بالظهور والاختفاء.
خامساً: الصوت والمشهد السمعي
لا تقوم سينمائية الرواية على الصورة وحدها؛ فالصوت عنصر مركزي في بناء الجريمة، حيث تنهض المواويل الينبعاوية، والسمسمية، وأصوات الأعراس بكل طقوسها الشعبية بوصفها مادة سمعية ملازمة للمكان؛ بوظيفة تظليل مسارات التحقيق وتشتيته. ولذلك يمكن النظر إلى الصوت في الرواية بوصفه خلفية دلالية، وليس مجرد تلوين فولكلوري. ومن ناحية أخرى لا تكفي العناصر السمعية في خلق المشهد الدال، بل لابد من حضور عناصر بصرية أخرى، كما في نواح فرهود المستمر بالعبارة القصيرة الدالة التي كان كثيراً ما يكررها: «قتلوك يا صالح» والتي تقوم بتحفيز حواس المحقق وتوجيه أصابع الاتهام ناحية المجتمع، حيث نجد أن أهمية المشهد لا تنحصر في العبارة وحدها؛ فالسرد يصف صوته المخيف، وحركة يديه كأنه يعزف، ونظرته الغاضبة، وبكاءه، وعودته إلى فتحات الروشان التي أقبل منها، فيجتمع الصوت والحركة والنافذة والوجه ويتداخلون في رسم أبعاد المشهد ودلالاته، وهذا التداخل هو ما يمنح المشهد طابعه السينمائي.
تبلغ وظيفة الصوت ذروتها في مشهد لعبة العجل الذي ينتظم كما لو أنه تتابع سينمائي: برحة، أصوات المرواس والنقرزان، تصفيق، أهازيج، نساء يرمين العملات من الرواشين، أطفال يلتقطونها، ثم فجأة صرخة امرأة. توقف الصرخة الجميع لثوانٍ، ثم يبتلعها الإيقاع العام. «لم يخرجه من هذه الحالة إلا صوت صراخ امرأة... عاد بعدها الجميع إلى سابق عهدهم وكأن شيئاً لم يكن».ص 43. هنا يمكننا أن نقول إن المجتمع لا يطمس الجريمة بالصمت فقط، بل بالصخب واستمرار أداء الطقس الجماعي. وعلى هذا الأساس، يؤدي الصوت وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يوقظ الجريمة حين ينوح بها فرهود أو تصرخ بها امرأة، ومن جهة أخرى يغمرها داخل إيقاع الحارة اليومي حين يتداخل مع الغناء والطرب والمواويل.
سادساً: المونتاج وتقطيع الحقيقة
تبنى الحكاية في هذه الرواية عبر جمع المحقق لأجزاء متناثرة من ذاكرة الحارة، ومن القصص والحوارات، والشهادات الناقصة، والملفات القديمة وبعض الإشارات الجسدية، أو التلميحات العابرة. وهذا البناء يقترب من المونتاج بمعناه السردي؛ إذ لا تعرض الحقيقة دفعة واحدة، بل تتركب من مشاهد وأقوال وقرائن متباعدة. يفتح الضابط ملف قضية صالح ويجد أوراقاً وتحقيقات ومراجعات وبرقيات، لكنه يكتشف أن الأوراق في مجملها لا تكفي لكشف الحقيقة، مما يجعل الملف نفسه مادة مونتاجية، فهو عبارة عن وثائق كثيرة، لكنها لا تنتج صورة مكتملة. لذلك لا يعمل المونتاج في الرواية لصالح الوصول إلى اليقين السريع، بل لصالح إبراز ثيمة التمزق والشتات، فكل مشهد يضيف شيئاً؛ يفتح في الوقت نفسه احتمالاً جديداً. فعندما يتحاور الضابط مع فرج النمس، تنتقل الفرضية من صالح وسلطته إلى خليل والنساء، ثم يغادر فرج فجأة، فيترك الضابط يعيد تركيب المشاهد السابقة دون أن يصل إلى صورة نهائية.
ويعد حوار الضابط مع فرج النمس في «قهوة شكوكو» أمام البحر من أوضح المواضع التي تتقاطع فيها المشهدية مع المونتاج الداخلي للحوار. «وتساءل الضابط باستغراب، وهو يمطُّ شفتيه، ويفتح كفيه أمام وجهه، وقد أمال رأسه قائلاً». ص36 «كان النمس ينظر وقتها إلى البحر ولم يتحول ببصره عنه، وظل صامتاً لأكثر من دقيقة ... وهو يدير أصابع يده اليسرى أمام فمه ويهز رأسه، التفت إليه وقال له: «وهل يشك عاقل في مقتل صالح؟». ص 37. «ابتسم عند ذلك في وجهه وعاد بنظره إلى البحر وكأس الشاي في يده يرتشف منه رشفة بعد كل عبارة». ص 38.
في هذا المشهد تمر المعلومات وتتدفق عبر أداء جسدي؛ فرج ينظر إلى البحر، يصمت، يلتفت، يدير أصابعه، يبتسم بمكر، ثم يقف فجأة. هذا الإيقاع البصري لحركات الجسد يتخلل الحوار ويحوله إلى لقطات متعاقبة، بحيث يصبح الصمت والحركة جزءاً من البناء السردي، وتكمن قيمة هذا المشهد في أنه لا يقدم خيطاً تحقيقياً فحسب، بل يدفع الضابط إلى إعادة ترتيب اللقطات السابقة، ومن هنا يصبح الحوار نفسه عملية مونتاج ذهنية داخل وعي المحقق.
سابعاً: تناوب حركة السرد وتنقله بين المشاهد
إيقاع السرد في الرواية لا يسير على وتيرة واحدة، فأحياناً يتباطأ بسبب استغراق السارد في وصف التفاصيل الصغيرة، وأحيانًا ينقطع فجأة، فينتقل من مشهد إلى مشهد كما يحدث في المونتاج السينمائي. فعلى سبيل المثال، يقوم السارد بإبطاء الزمن عبر سرد تفاصيل المكان أو تعبيرات الجسد، أو غير ذلك كما رأينا في وصفه للشيشة والسيجارة وكأس الشاي، ثم يقوم بعد ذلك بنقل المشهد فجأة إلى مشهد آخر، عبر صرخة، أو موت، أو انسحاب مفاجئ لإحدى الشخصيات من المكان، أو عبارة مباغتة. هذا التناوب يصنع التشويق لأنه لا يعطي القارئ دفقًا متصلًا من المعلومات، بل يضعه أمام توقفات ومفاجآت وإشارات معلقة. ص 46، ص 266. تتكرر حركة الانسحاب المفاجئ عند خليل وفرج وغيرهما، وهذه الحركة تحمل بعداً سينمائياً مكثفاً؛ لأنها تغلق المشهد عند نقطة حرجة، وتترك الضابط والقارئ أمام فراغ تأويلي، تنتهي فيه اللقطة قبل أن يكتمل الجواب.
ختاماً، تنتهي هذه القراءة إلى أن التقنيات السينمائية في «قلوب قاتلة» ليست مظاهر شكلية منعزلة، بل أدوات بنائية تعيد تصور المجتمع للجريمة والحقيقة من منظور مختلف، حيث تجعل آليات الرؤية نفسها موضع سؤال، ومن ثم يمكن عد الرواية نصاً سردياً يوظف العناصر السينمائية لتكثيف الغموض وإبراز صعوبة الوصول إلى الحقيقة.
** **
أ.د.منى الغامدي - جامعة جدة