تمضي مواهب كثيرة في الحياة كما تمضي الرسائل التي لم تصل إلى أصحابها؛ تحمل معناها كاملًا، ثم تذوب بصمت لأن أحدًا لم يتوقف أمامها في اللحظة المناسبة.
وربما هنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية للمؤسسات الثقافية؛ في قدرتها على إنقاذ الإنسان من أن يعيش صوته حبيس التردد، ومن أن تنطفئ موهبته قبل أن تجد من يؤمن بها.
كانت المكتبة في تلك السنوات أكثر الأماكن شبهًا بي؛ فضاءً ممتلئًا بالأصوات الصامتة، وبالحكايات التي تسكن الورق. كنت أفتح دفتري، أكتب وأمزق، وأراقب الكلمات كما يراقب الإنسان شيئًا يخاف ظهوره بقدر ما يخشى ضياعه.
في ذلك العمر، يحمل الإنسان شكَّه بنفسه في أدق التفاصيل؛ في نبرة صوته المرتعشة، وفي محاولاته المستمرة لإخفاء شغفه حتى لا يتحول إلى خيبة علنية. ولعل أكثر ما يرهق الموهبة في مهدها هو ذلك الشعور المربك بأنها أكبر من صاحبها، وأنها تطلب منه شجاعة لم تكتمل أدواتها بعد.
حين سمعت لأول مرة عن مسابقة الأمير خالد الفيصل، بدت لي شيئًا يخص الآخرين؛ الفصحاء، والمتميزين، الذين يولدون وهم يعرفون مواقعهم في العالم. لكن شيئًا داخلي دفعني إلى إرسال النص، ثم جاءت المفاجأة: التأهل إلى التصفيات النهائية في مكة.
لا أزال أذكر مشهد الوصول إلى القاعة في ذلك اليوم؛ كانت الأضواء ساطعة، والأصوات متداخلة، والمتسابقون أكبر مني سنًا وتجربة. بعضهم كان يتحدث بثقة لافتة، والآخر بدا وكأنه وُلد للمسرح، أما أنا فكنت أدخل بذلك الشعور المرتبك الذي يعرفه الطموح جيدًا: أملٌ صغير يحاول النجاة من الخيبة.
حين جاء دوري، وبدأت الحديث، شعرت للمرة الأولى أن الكلمات خرجت كما ينبغي لها أن تخرج؛ واضحة، حية، ومنتمية إليَّ بالكامل. خفتت الأصوات من حولي تدريجيًا، واتسعت المسافة بيني وبين القاعة، وشعرت أن اللغة وجدت مكانها الصحيح داخلي.
لم يكن المركز الأول جزءًا من سقف توقعاتي؛ كانت غايتي أقرب إلى الطمأنينة منها إلى الانتصار. كنت أطمح إلى مكان متواضع بين الأسماء؛ طمأنينة صغيرة تقول لي إن الطريق الذي تميل إليه روحي ليس حلمًا مستحيلًا.
ثم أُعلنت النتيجة:
«مها… المركز الأول على مستوى المنطقة».
كان ذلك من تلك اللحظات التي يعجز الإنسان فيها عن التمييز بين الفرح والفقد؛ فقد الصورة القديمة التي عاش طويلًا داخل حدودها. فبعض الانتصارات تهدم الإنسان القديم بهدوء، ثم تتركه واقفًا أمام نفسه الجديدة دون استعداد كافٍ.
لكن اللحظة الأشد أثرًا جاءت لاحقًا، حين وقع الاختيار عليَّ لتقديم الحفل الخاص بسمو الأمير خالد الفيصل. أتذكر أنني وقفت طويلًا أمام المرآة تلك الليلة، أحاول استيعاب التناقض الذي أشعر به: الخوف، والفخر، والذهول، والمسؤولية. كنت فتاة بالكاد تستوعب فوزها الأول، ثم وجدت نفسي فجأة أمام مهمة مخاطبة شخصية ارتبط اسمها طويلًا بالفصاحة والثقافة والهوية السعودية.
بعد انتهاء الحفل، قال الأمير خالد الفيصل عبارته التي بقيت تتحرك داخلي لسنوات: «إننا نسير مع النخب أمثالكم على الطريق إلى العالم الأول.. وستكونون رموزًا للثقافة وجنودها».
استقرت هذه العبارة في داخلي بطريقة أعادت تشكيل علاقتي باللغة وبنفسي. قبل تلك الليلة، كنت أظن أن الكتابة مساحة شخصية أهرب إليها، ثم فهمت أنها مسؤولية، وأن للكلمة قدرة على توسيع أثر الإنسان إلى ما هو أبعد من حدود حياته الضيقة.
ورأيت لاحقًا ما الذي تفعله المؤسسات الثقافية العظيمة حقًا؛ فهي تلتقط الموهبة في لحظة هشاشتها الأولى، قبل أن تستهلكها الحياة، وقبل أن يقنعها العالم بأن أحلامها أكبر من حقها.
ومع مرور السنوات، بقي أثر تلك التجربة حيًا داخلي، على نحوٍ لم أكن أتوقعه. بدأت أقرأ بطريقة مختلفة، وأتحدث بطريقة مختلفة، وحتى حضوري في أبعد الدول صار أكثر وعيًا بما أحمله من لغة وهوية وانتماء.
وحين وقفت بعد أعوام في قاعات لندن الأكاديمية، وسط ذلك الزخم الثقافي الهائل، فهمت أخيرًا ما الذي قصده الأمير خالد الفيصل حين تحدث عن «رموز الثقافة». فالثقافة لا تعبر العالم عبر الخطب والشعارات بقدر ما تعبره من خلال التفاصيل الصغيرة التي يحملها الإنسان معه أينما ذهب: في طريقته في الحديث، وفي احترامه للغته، وفي قدرته على تقديم نفسه دون انقطاع عن جذوره.
يغادر الناس أوطانهم بطرق شتى، لكن القلة هم من يحملون أوطانهم داخلهم؛ ليغدو حضورهم العالمي امتدادًا حيًا لذاكرة اللغة وروح الثقافة. فصورة الوطن تتجلى في أسلوب حضور الإنسان أمام العالم قبل أي شيء آخر.
ومن هذا المنطلق، يأتي تدشين المؤسسة الثقافية الجديدة تجسيدًا لرؤية آمن بها الأمير خالد الفيصل طويلًا؛ الإيمان بالإنسان مشروعًا حضاريًا متحركًا، وباللغة وعاءً للهوية يصون الوعي التاريخي للأمم. فالحضارات تُستنطق في الختام بمنطقها في سرد قصة وجودها، وبالإنسان الذي يمثلها بيقين العارف بقيمة ما يحمله في أعماقه.
وفي طموح سموه الثقافي والحضاري، تجاوزت الكلمة وظيفتها التقليدية لتكون منطلقًا لترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء؛ لذا ظل خطابه تجاه الشباب ممتلئًا بذلك الإيمان الذي يمنح الطمأنينة للمواهب المرتبكة في بداياتها، ويزرع في الروح مسؤولية رفيعة تجاه الفكر والصوت، لتمضي الموهبة أمانةً يحملها الإنسان بكرامة، ويواجه بها العالم بوصفه شريكًا حقيقيًا في بناء الحضارة.
** **
مها بنت حمدان الرفاعي - محاضرة بجامعة أم القرى