أتناول مجموعةً قصصيةً بعنوان «نفَس» للكاتبة الدكتورة منى الحضيف، الحاصلة على درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وهي أستاذة جامعية، وأديبة، وكاتبة رأي.
والدكتورة منى شخصية إيجابية وملهمة، ومدربة معتمدة، وكاتبة محتوى، وكاتبة رأي في صحيفة «الرياض».
لديها أربعة كتب مطبوعة، هي: الورد والأزاهير في شعر العصر العباسي، ورسائل من أوراق الياسمين، وسيميائية لغة الجسد في القصة السعودية القصيرة، ومجموعة «نفَس» القصصية، وهي موضوع هذه الدراسة. كما لها عدد من البحوث، وشاركت في مؤتمرات محلية وخارجية، وهي عضو في الاتحاد الدولي للغة العربية، وعضو في جمعية الفلسفة السعودية.
القصة فن متميز استطاع أن يجد مكانه في العقل الجمعي للشعوب، وتمكّن، باقتدار، من التعبير عما يختلج في نفوس الناس؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى السرد والحكي، وهو أسلوب استخدمه القرآن الكريم، ولا سيما في قصص الأنبياء والأمم السابقة.
وتنوعت أجناس الفن القصصي بين الرواية، والقصة، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، والومضة، وغيرها، وكلها تتميز بعدد من العناصر والخصائص، بدرجات متفاوتة، مثل الشخصيات، والأفكار، والزمان، والمكان، والحبكة، والعقدة، والحل.
أما القصة القصيرة فتتميز، إضافة إلى ما سبق، بالتكثيف العالي والتركيز في جميع عناصرها، وقد بلغ الترشيد فيها حدًّا أن تتكون من بضع كلمات فقط. وأسوق نموذجًا لذلك قصة إرنست همنغواي الشهيرة، التي تكونت من ست كلمات:
للبيع: حذاء طفل لم يُلبس قط.
العنوان في العمل الأدبي يحمل مضامين سيميائية تشير إلى البنية الدلالية والفنية للنص؛ إذ يمثل العتبة المفتاحية التي يوضح بها الكاتب قصده، ويبين رؤيته للمتلقي. وللعنوان دور كبير في جذب القارئ؛ لذا يجدر بالكاتب أن يحسن اختيار عنوان عمله.
ويُحلَّل العنوان نقديًا من عدة مستويات، منها: المستوى المعجمي، والدلالي، والتركيبي، والصوتي.
عنوان المجموعة القصصية للدكتورة منى هو «نفَس»، وقد أحسنت الكاتبة حين ضبطته بالشكل؛ حتى لا يقرأه القارئ: «نفْس». وهو عنوان مكوَّن من كلمة واحدة، تتألف من ثلاثة أحرف.
أما من الناحية النحوية والتركيبية، فيمكن قراءة العنوان بتقدير مبتدأ، نحو: «هذا نفَس»، أو «هو نفَس». وهذا هو الوجه الصحيح؛ لأن تقدير الخبر لا يستقيم نحويًا، إذ إن «نفَس» نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة إلا إذا وُجد مسوغ، وهو غير متحقق هنا.
أما من الناحية المعجمية، فالنَّفَس هو الهواء الداخل والخارج في عمليتي الشهيق والزفير، لكنه دلاليًا يوحي بالحياة، بل يمنحها معناها؛ فحياتنا كلها أنفاس، كما قال الشاعر:
حياتك أنفاسٌ تُعَدُّ، فكلما
مضى نفسٌ منها، انتقصتَ به جزءًا
يميتك ما يحييك في كل ساعةٍ
ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا
أما قصد الكاتبة من العنوان، فقد أراحت القارئ من عناء التأويل، إذ عرّفته ووضحت مرادها منه في التقديم بقولها:
«هو أبعاد الروح الإنسانية، فيه تتجلى الحياة، وفيه نجاة من الغرق.»
أما من الناحية الصوتية، فالعنوان يتكون من ثلاثة أحرف: حرفان مهموسان هما الفاء والسين، وحرف مجهور أغن هو النون.
أما عناوين القصص داخل المجموعة، فقد تراوحت بين كلمة واحدة، وهو الغالب، وكلمتين.
فمن العناوين المفردة: بوح، تناسي، مرور، نقاء، إبحار، قسوة.
ومن العناوين المركبة: كتاب مفتوح، وأغلق الملف، هشيم النجاح.
وكما يتلاءم عنوان المجموعة مع مضمونها العام، جاءت عناوين القصص متوافقة مع مضامينها؛ فقد نجحت الكاتبة في اختيار عنوان لكل قصة بما يعكس فكرتها. ولو أخذنا مثالًا قصة «مطر»، لوجدنا الحقول الدلالية للمطر حاضرة بكثافة في القصة، مثل: مطر، سحابة، جرداء، قطرات….
أما لغة المجموعة، فلغة رفيعة، ذات مفردات موحية بدلالات متعددة، وتراكيب عميقة، وجمل مشبعة بالإيحاء.
وتكرر الكاتبة بعض المفردات في قصصها بمشتقاتها المختلفة، مثل: أديم ونفَس، وهو تكرار يوحي بتوكيد المعنى، ويبرز أهمية هذه المفردات داخل السياق.
ومن حيث الصور الفنية، فقد برعت الكاتبة في توظيف الصور البلاغية بعمق وعفوية، بعيدًا عن التكلف، ومن ذلك قولها:
«باتت حديثًا نائمًا على سرير الذكريات.»
وقولها:
«كشهب تزلزل استقرار أديم الرحلة.»
وقولها:
«عامٌ ارتدى لباس التفاؤل، لينقضَّ الوجع عليها كصقر وجد فريسةً لذيذة.»
وغير ذلك كثير من الصور البلاغية اللافتة.
أما الفكرة المحورية التي تسيطر على المجموعة، فهي توظيف فعل الكتابة في التعبير عن مكنونات النفس؛ إذ تكررت مفردة الكتابة في معظم القصص، كما تكرر حضور الرسم، وهو صنو الكتابة. وحتى المقدمة والإهداء لم يخلوا من هذا المعنى؛ إذ قالت في الإهداء:
«إلى الروح التي وُلدت من جديد دون أن تمو ت، وقررت أن تكتب ذاتها.»
كما حضرت الكتابة في بعض عناوين القصص، مثل: كتاب مفتوح.
وتضج المجموعة بالحركة، وتعج بالتحولات، وتأبى السكون والركود؛ إذ نلمح نمو الشخصيات وتطورها، ويتجلى ذلك في كثرة الأفعال الدالة على الحركة والاستمرار، وفي توظيف الاتجاهات والتنقلات، مثل: بداية، نهاية، أسفل، نظر، القمة، السحاب، النجوم، الخطوات، السير، التحليق.
وغاب الحوار عن قصص هذه المجموعة، ويُعد ذلك من فطنة الكاتبة؛ لأن القصص قصيرة، وبعضها قصير جدًا، فلا يحتمل الحوار الذي قد يتشعب ويقود إلى توسيع البناء الفني بما يخالف طبيعة هذا الجنس الأدبي.
وقد غاب الحوار لغرض فني، وسيطر السرد، وهو اختيار موفق. ومن المعروف أن السرد في الفن القصصي يأتي عبر صور متعددة، منها:
* الراوي العليم، الذي يروي الأحداث بضمير الغائب، ويحيط بجميع تفاصيلها.
* الراوي المباشر، الذي يروي الأحداث بضمير المتكلم.
* الراوي المشارك، الذي يتيح للقارئ الربط بين السارد والمؤلف.
وفي مجموعة «نفَس» مزجت الدكتورة منى بين السارد العليم والسارد المباشر، وكان هذا المزج موفقًا، وفق ما تقتضيه الأحداث.
فبرز السارد العليم في قصة «نقاء»:
«دخل إلى قلبها وأراد…»
وبرز السارد المباشر في قصة «بداية من النهاية»:
«فتحتُ عيني، وأشرقت على ملامحي ابتسامة…»
كما تتناص الكاتبة مع الروائي العالمي الطيب صالح في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، حين يقول:
«وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملًا واضحة بخط جريء.»
إذ تقول في قصة «بداية من النهاية»:
«من اليوم سأبدأ الكتابة على صفحة الحياة البيضاء؛ لأدوّن سيرة أيامي.»
وتترك الكاتبة نهاية المجموعة مفتوحة، لتشرك القارئ في إكمال الحكاية، فتقول:
«لا تنتهي الحكايا.»
ثم تمنح القارئ مساحة بيضاء، وتفتح معه قنوات التواصل؛ ليكون شريكًا في صناعة الحكاية.
هكذا بدت لي مجموعة «نفَس» للدكتورة منى، التي ذيّلت عنوانها بعبارة: «قصص قصيرة جدًا»، وإن كان بعض نصوصها لا يندرج بدقة تحت هذا التصنيف.
إنها مجموعة قصصية متميزة، تحمل في طياتها، إلى جانب أبعادها الفنية، رؤية عميقة لكاتبة مستنيرة، أحسنت توظيف أدواتها الإبداعية؛ لتمنح المتلقي متعة الفن، وعمق الفكر، في آن واحد.
** **
- طارق يسن الطاهر