كيف أكتب عن شيءٍ لم يتشكّل بعد في داخلي، كما لو كان خيالًا من الموجودات غير المرئية، يتضاعف الإحساس به دون أن تتشكّل ملامحه؟ هنا قصة تحاول أن تُفضي إلى الورقة بسلاسة، لكنها تجد مدخلًا يقيّد تشكيلها، وانحناءاتها، وشخوصها.
مهلاً، كيف يمكن أن تتواجد القصة بمقيّدات كثيرة، واشتراطات أكثر، بينما أملك شرطًا وحيدًا، وهو مساحة حرّة وآمنة؟ تُلحّ القصة أكثر، وينفد صبري معها، فتختار أن توجد في فضاء لا يقيّده نهاية، ولا تُبتكر فيه بداية. تقول القصة: دعيني وذلك الفضاء، أسبح فيه بعذوبة كما لو أنني أسبح فيه آخر مرة، ولا تُلحقي بي، ولا تُكرهيني على ما لم يكن لي أصلًا.
وغفوتُ على لوحة المفاتيح غفلةً مني، فولجتُ إلى هناك بأعجوبة، ترقص بين الحاء والقاف.
لكنني، وبرغم عنها، استيقظت، ووضعت لها شرطي الوحيد: الصدق مُقدَّم، والإبداع مُثمَّن، والحرية مساحة بين هذا وذاك. فتمثّلت لي كإنسانٍ حيٍّ يروي ويقول عن امرأةٍ اعتزمت أن تعتزل البشر والحياة ثلاث ليالٍ، وأن تعيش كما لو أن الحياة بلا زمن، وبلا مهام.
في ليلتها الأولى أوجدت لها مكانًا تعتزل فيه، أغلقت هاتفها ورمته داخل إحدى الأدراج، ثم ولجت إلى فراشها. جهازها العصبي يترقّب، وكأنما شيءٌ سيحدث، أو هو ما اعتاد عليه من حالة التحفيز والانتباه، كما لو كان يُقتاد من خلال ذلك المخدّر الذي وضعته في الدرج. تنام بعد تقلّب طويل، ولا شيء يحدث.
نهضت ذلك النهار بلا منبّه، أو ضجيج من يشاركها المنزل عادةً. تسأل: كم الساعة الآن؟ لكن ليس هناك إجابة. تلك الإجابة عادةً ما تجدها سهلة، تتربّع على هاتفها المحمول. تنظر من وراء النافذة، تتكهّن من خلال الشمس وحركتها الظاهرية في السماء؛ لحظة الشروق تدل على بداية النهار، وتواجدها في منتصف السماء يدل على وقت الظهر، وانخفاضها نحو الأفق يدل على وقت العصر، واقترابها من الغروب هو آخر النهار.
استهزأت في سرّها: لا يمكن العيش بلا زمن، لكنها تُصرّ على أن تتحرّر منه. ثم لاحظت شيئًا جديرًا بالملاحظة: أن خطواتها أبطأ، ويدها تمتد إلى معجون الأسنان بنعومة، تتأمّل السطح الرخامي للحوض، فانتبهت للونه كما لو أنها تنظر إليه أول مرة. نهار ساكن، لا أصوات، ولا مهام، ولا إشعارات تتدفّق إلى شاشتها، كما لو كانت سوف تُنقذ ملكوت الله على الأرض.
جلست تشرب قهوتها مقابل النافذة، فكل ما يصل لبصرها سماء ممتدّة، طيور تحلّق في الأفق، وبضع أشجار تتمايل وتأوي طيورًا صغيرة. تُمعن النظر، بصمتٍ ظاهري، وعشرات الأصوات تتعارك لتجد طريقها عبر الحنجرة التي لم تنطق بكلمة منذ ليلة البارحة.
كيف يشعر الإنسان وهو يعيش اللحظة دون أن يكون في عجلة وسباق مع الوقت؟ دون مهام بمواعيد محددة؟ دون مقيّدات تجعل الذهن في حالة قسرية، منسحبًا عن اللحظة الكائنة الآن؟ تستطيع أن ترصد حركة الغيوم لحظةً بلحظة، وانسحاب الشمس لمغربها.
إني أسمعك تقول: ألم تشعر بالملل؟ سألتها، فأجابت: لا. وهي أيضًا متعجّبة، لكنها تتوقّع أن الأمر كله يعود لسببين رئيسين: أحدهما أن جلوسها مع نفسها على مدى السنين الماضية جعلها ونفسها في حالة وفاق وانسجام، والسبب الآخر أنها تعيش حالة دهشة وترقّب، تُشَاهِد فيلمًا، هي المُشَاهَد في داخله. تراقب كيف يشعر الإنسان عندما يتحرّر من الزمن، يسترخي على ضفاف اللحظة، دون أن ترمش عيناه تجاه المستقبل، قد يكون بعد ساعة أو بعد يوم، أو ماضٍ يعرف من خلاله أنه جلس هنا ليقرأ قصة.
ومضى النهار، وذاب في خط الزمن، واستلقت على فراشها، متعجّبة: كيف مضى؟ كيف تشعر الآن؟ ثمّة لذّة تمكث في قلبها، تهمس بسر، همس به الصمت سرًّا، فاحتفظت به، ولم تُخبرني ما هو.
اليوم الثاني يُعيد ما يحدث معها في اليوم الأول، إلا أنه يزيد على سرّها الأول سرًّا آخر، هو جواب لسؤال ظلت تسأله طيلة النهار: من أكون لو أزلت الزمن عن القصة؟ ليس هناك ماضٍ أعرف من خلاله هويتي، ولا مستقبل أترقّب فيه ما أريده أن يحدث. والإجابة: سرٌّ ثانٍ تلقّته في الليلة الثانية.
أما اليوم الأخير فكان سرّ الأسرار، وليس لك إلا أن تجعل من الزمن في حالة موت، أو تجعل في خطّه ثقبًا فيذوب، أو تتخطّاه، ليتخطّاه عقلك، فتنجو من براثنه، وتجرب العيش على ضفاف اللحظة.
** **
- حصة سليمان المحترش