«الثقافية» - كُتب:
صدر عن دار كاغد للنشر والتوزيع كتاب «التشكيل الاستعاري للمدينة في الرواية العربية» للدكتورة حنان بنت سالم المالكي، مقدّمًا دراسة نقدية تتناول حضور المدينة في الرواية العربية بوصفها كيانًا دلاليًا فاعلًا، يتجاوز وظيفته التقليدية باعتباره إطارًا مكانيًا للأحداث، ليغدو عنصرًا أساسيًا في إنتاج المعنى وبناء الرؤية السردية.
ينطلق الكتاب من رؤية نقدية ترى أن الاستعارة ليست مجرد أداة بلاغية أو زينة لغوية، وإنما آلية معرفية تسهم في تشكيل الوعي وإنتاج الدلالة. ومن هذا المنظور، يعيد قراءة المدينة الروائية بوصفها نصًا موازيًا يختزن الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية والثقافية، ويمنح المكان أبعادًا تتجاوز حضوره الجغرافي إلى فضاءات الفكر والوجدان.
ويزاوج الكتاب بين التراث البلاغي العربي والمناهج النقدية الحديثة، مستفيدًا من نظريات الاستعارة الإدراكية؛ للكشف عن العلاقة بين اللغة والخيال، وبين الإنسان والمكان. ويقدم قراءةً للمدينة بوصفها خطابًا ثقافيًا يجسد الصراع والاغتراب والانتماء والحنين، ويعكس التحولات التي يعيشها المجتمع العربي.
ومن خلال تحليل نماذج مختارة من الرواية العربية، يبين الكتاب أن صورة المدينة تتعدد بتعدد التجارب الإنسانية؛ فهي قد تظهر فضاءً للألفة والجمال، أو رمزًا للقسوة والاغتراب، وقد تكون وطنًا يحتضن الإنسان أو منفى يطارده، كما قد تتحول إلى حلم يرافق الشخصيات أو واقع يثقل حياتها. ويؤكد أن هذه الصور لا تُقرأ باعتبارها أوصافًا مكانية، بل بوصفها استعارات تكشف عمق التجربة الإنسانية.
كما يتجاوز الكتاب حدود التحليل الجمالي إلى قراءة الخطاب الثقافي الكامن خلف صورة المدينة، متتبعًا ما تحمله النصوص الروائية من دلالات سياسية واجتماعية وتاريخية، وكيف تتحول المدينة إلى مرآة للتحولات الكبرى، وحافظة للذاكرة الجماعية، وفضاء تتشكل فيه أسئلة الهوية والانتماء.
يعد هذا الإصدار إضافة إلى الدراسات النقدية العربية المعاصرة؛ إذ يقدم معالجة علمية تجمع بين أصالة المرجعية البلاغية وحداثة المنهج النقدي، ويفتح آفاقًا جديدة لدراسة المكان في السرد العربي، مؤكدًا أن المدينة في الرواية ليست مجرد فضاء للأحداث، بل شخصية سردية لها خطابها وذاكرتها وحضورها المؤثر في تشكيل النص.