رواية زوربا لنيكوس كازانتزاكيس الكاتب اليوناني باختصار هي قصة صداقة بين غني وفقير التقيا على شاطئ جزيرة كريت في اليونان جمعت بينهما الثقافة.
هذه الرواية محمّلة بما يحمله البشر جميعا من تناقضات؛ رجل سريع الغضب، سريع الفرح، مولع بالنساء، عاشق للعمل، كريم إلى حد التبذير، وقادر على أن يضحك في اللحظة التي يتوقع الجميع فيها البكاء. هذه التناقضات لا تُضعف حضور البطل زوربا، بل تمنحه حرارة الكائن الحي، فيغدو أقرب إلى الناس من الشخصيات التي صُنعت بعناية لتكون كاملة.
على الضفة الأخرى يقف باسيل الشاب المثقف الذي يثقل كاهله الإرث الفكري، فيرى العالم عبر الكتب قبل أن يراه بعينيه. يراقب، يحلل، يتردد، ويؤجل التجربة حتى يطمئن إلى معناها. ومنذ اللقاء الأول بين بطلي زوربا وباسيل يدرك القارئ أن الرواية لا تسرد علاقة بين رجلين وحسب، وإنما ترسم مواجهة بين طريقتين في النظر إلى الوجود وصراعا فلسفيا بين العقل والفطرة وكل حوار بينهما يبدو أشبه بمبارزة صامتة؛ كلمة ينطق بها زوربا تهدم بناءً شيده الراوي باسيل داخل رأسه، وتأمل يتشبث به باسيل يثير دهشة زوربا الذي لا يفهم لماذا يحتاج الإنسان إلى تفسير الشمس قبل أن يقف في دفئها.
هذه الثنائية منحت الرواية حيويتها، لكنها لم تتحول إلى معادلة سهلة ينتصر فيها طرف على آخر. فالمؤلف لا يدعو إلى احتقار الفكر، كما لا يحتفي بالغريزة احتفاءً أعمى. كان يدرك أن الإنسان لا يكتمل بعقله وحده، ولا بشهواته وحدها، وأن المأساة تبدأ حين يبتلع أحد الجانبين الآخر.
تتجاوز شخصية زوربا حدود المكان والزمان. لم يعد ذلك العامل اليوناني الذي يعمل في منجم صغير، بل أصبح رمزا لإنسان ما زال يحتفظ بعلاقته الأولى مع العالم؛ علاقة لا تعرف الأقنعة ولا الحسابات الدقيقة. يواجه الخسارة كما يواجه الربح، ويستقبل الموت كما يستقبل الولادة، وكأن الحياة نهر لا يجوز الوقوف طويلًا على ضفته.
ولعل أكثر ما يدهش في الرواية أن الحكمة لا تصدر عن الخطب الطويلة، بل عن المواقف العابرة. تنهار المشاريع، وتخيب الأحلام، ويمضي الموت بين الشخصيات بلا استئذان، ومع ذلك لا يخيم اليأس على الصفحات. هناك دائمًا نافذة تُفتح على اتساع السماء، وكأن الكاتب يهمس بأن الإنسان يملك قدرة غامضة على النهوض، حتى حين لا يبقى ما يستحق النهوض من أجله.
لغة كازانتزاكيس تمتلك كثافة شعرية من دون أن تفقد صفاءها. صور الطبيعة أنها ليست ديكورًا يحيط بالأحداث، بل روحًا ثانية للرواية. البحر يتكلم، والجبل يصغي، والريح تحمل من المعاني أكثر مما تحمله الشخصيات في حواراتها. لهذا تبدو الأمكنة نابضة بالحياة، ويغدو المشهد الطبيعي امتدادا للمشهد النفسي.
ولم يكن عبثا أن تنتهي الرواية بذلك المشهد الذي أصبح واحدا من أشهر مشاهد الأدب العالمي: الرقصة. لم تكن احتفالًا بنجاح، ولا هروبا من الفشل، وإنما اعترافا بأن الإنسان يظل قادرا على صناعة لحظة جمال وسط الخراب. حين تعجز الكلمات عن حمل العبء، تتكفل الحركة بما تعجز عنه اللغة.
ومع كل ما تحمله الرواية من سحر، فإنها لا تخلو من مناطق تستدعي المراجعة النقدية. صورة المرأة تأتي أسيرة منظور ذكوري واضح؛ تتحول في أكثر من موضع إلى موضوع للرغبة أو وسيلة لاختبار بطولة الرجل، بينما يغيب صوتها كونها ذاتا مستقلة. كما أن تمجيد الحرية الفردية يبلغ أحيانا حد التغاضي عن آثارها في الآخرين، وهي مفارقة تكشف أن زوربا، على الرغم من حضوره الأخّاذ، ليس نموذجًا يُحتذى، وإنما شخصية تُحاور وتُناقش.
تكمن قيمة رواية «زوربا اليوناني» أنها لا تمنح قارئها أجوبة جاهزة. تضعه أمام مرآة واسعة، ثم تتركه يختار الصورة التي يريدها لنفسه. بعض القراء سيرون في زوربا خلاصا من سجن العقل، وآخرون سيجدونه اندفاعا يفتقر إلى البصيرة. وبين هذين التأويلين تبقى الرواية مفتوحة، عصية على الإغلاق، قادرة على أن تُقرأ في كل مرحلة من العمر قراءة جديدة فهي صدرت عام 1946م ولازالت تقرأ.
ولهذا ظل اسم نيكوس كازانتزاكيس حاضرا في الذاكرة الأدبية العالمية. لم يكتب رواية عن رجل يرقص، وإنما كتب عن الإنسان الذي يصر على الرقص، حتى عندما تتساقط أحلامه واحدا تلو الآخر. وتلك، ربما، أصدق صورة يمكن للأدب أن يرسمها عن الإنسان.
** **
- براك البلوي