أبشع جريمة قد تقترفها في حق نفسك، لا ترضاها قوانين الأرض ولا يرضاها قانون السماء، جريمة تأثيرها مثل السم إن دخل الجسد يفتك به على مهل ويجره إلى التهلكة، أو تجره إلى نهاية نفق مغلق لا سبيل إلى الخروج منه إلا بعد نزف كميات مهيبة من دماء الآلام والمعاناة، وخوض صراعات طاحنة مريرة ضحيتها هذي النفس المسكينة، وحروب هوجاء كحرب داحس والغبراء، صراعات وحروب ليس بمقدور جسد ولا عقل بشري مكابدتها والخروج منها دون أي أذًى وأقلها المعنوي، وهي: أن تضع شخصًا في مخيلتك معيارًا تقيس به إنجازاتك التي حققتها على مر السنين كبيرها وصغيرها، وتُصوّر عظيم إنجازاته شمسًا، وصغيرها في عينيك كواكبًا منيرة، إذا طلعت شمسه غشّى سطوع أشعتها الكواكب المنيرة، وهوت لقداستها دنيا أحلامك وإنجازاتك تفاريق وانقضت محطمة يسودها السواد القاتم كغابة سوداء في جنح ليل لا يُرى فيها سوى أغصان متشابكة وسوادٍ يسود الأفق، ولا يُسمع فيها سوى نباح الكلاب وعويل الذئاب الذي يُرعِد من لا يُرعَد! وما هو أبشع وأفظع هو أن تقيس بإحدى كفتي الميزان الجائر محامده ومآثره ومحاسنه وبالكفة الأخرى جلّ مثالبك ومعايبك ورذائلك، وتمضي أبد الدهر تطعن هذي النفس، وتمطر عليها وابلًا من اللوم والعتاب وسهام الأسئلة «أنْ كيف السبيل إلى رجوح كفتي؟ أو حتى تساوي الكفتين؟ وكيف وكيف؟»
لا غرابة ولا سبيل حتى تقلب أساس المعادلة التي شرعتها، وترتدي نظارة الحق والعدل لتصحح معيار نظرك! كل امرئ مهما لاحت لك محاسنه كنور فجر إن بزغ عمّ أرجاء الأفق بريقًا فمحاسنه حتمًا تمتزج بعيوب، لعلها لم تُبدَ لك لأن الكريم كساه - بجميل صنيع - برداء اسمه الستر، أو لأنك لم تعرفه حق المعرفة! ادنُ منه وستطفو معايبه على السطح. ثم مالك ومال الناس؟ دعك عنهم وكُف عن مراقبتهم وتقصّي أخبارهم، فمن راقبهم مات همًّا! انشغل بنفسك وتصحيح عيوبها، وضع معيار مقارنتك «نفسي وحدها» ما كانت عليه بالأمس وما وصلت إليه اليوم. نعم؛ وما المانع صيّرها شمسًا وإنجازاتك كواكبًا! واهوِ ساجدًا بعد كل فرحة إنجاز تغمرك سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، عظّم إنجازاتك وافرح بها، وسيعظم قدر نفسك في عينيك، وستنهي بذلك عناء النفس المظلومة، وسيُغلق ملف القضية الشائكة، وسينام ملء جفونه راضيًا مرضيًّا على سرير العدل والنور!.
** **
- لطيفة السكيت