كثيرٌ من السرديات التاريخية التي وصلت إلينا لم تخضع لفحصٍ علمي دقيق، وإنما انتقلت عبر التناقل والرواية الشفهية والكتابية حتى اكتسبت مع الزمن سلطة (الحقيقة)، بغض النظر عن مدى تماسكها المنطقي أو توافقها مع الشواهد المادية والأدلة المستقلة.
وعلى سبيل التمثيل لا الحصر، ترد في بعض المرويات سردية تتحدث عن قبيلة عددها ستمائة فرد، خرجت من موطنها إثر صراعات داخلية وفتن مع أبناء عمومتها، ثم ارتحلت مسافات بعيدة حتى استقرت في أرض جديدة، تسكنها قبائل ذات عددٍ وعدة، ولها فرسانها وتاريخها الحافل بالانتصارات، ورغم ذلك استطاعت في فترة زمنية قصيرة أن تخضع القبائل، وتفرض نفوذها على رقعة واسعة تفوق موطنها الأول، وتحافظ على حضورها وهيمنتها لأكثر من 1300 عام وحتى اليوم.
وحين نتأمل هذه السردية تأمل الباحث عن الحقيقة، لا العابث ولا ذلك المتفاخر، فإنّ هذه السردية لابد وأن تثير فينا أسئلة مشروعة تستحق الدراسة الجادة:
- كيف استطاعت هذه القبيلة معالجة العوامل النفسية والمعنوية المترتبة على طردها من موطنها الأصلي وإعادة بناء قوتها بهذه السرعة؟
- وما طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية والبيئية التي سمحت لها بالتمدد والاستقرار في الموطن الجديد؟
- وهل كانت القبائل الموجودة في تلك المناطق ضعيفة إلى هذا الحد، أم أن السردية أغفلت عناصر أخرى أكثر تعقيداً مثل تفاعلات القوى والتحالفات القبلية والاقتصاد؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني نفي السردية بالضرورة، وإنما إخضاعها للفحص النقدي. فالفرق كبير جداً بين (التشكيك العلمي) الذي يسعى إلى التحقق من صحة السردية، وبين (الإنكار المطلق) الذي ينبع من موقف مسبق؛ فالتاريخ لا يُبنى على التسليم الأعمى بالسرديات التاريخية، ولا على الهدم العشوائي، بل على الدراسة المنهجية والمقارنة والاستقراء، المبنية على التساؤلات المنطقية.
وتشتد الحاجة إلى هذا الفحص حين تعتمد الرواية على مصادر متأخرة زمنياً عن الحدث بوقتٍ طويل، أو حين تنفرد بها رواية واحدة دون شواهد موازية تعضدها. ذلك أن الزمن يُغيّر الذاكرة، وتؤثر البيئة والثقافة والانتماء والسلطة في صياغة الروايات. وقد أشار ابن خلدون في (المقدمة) إلى مثل هذه الظواهر حين نبّه إلى أثر العصبية والميل إلى التعظيم والتهويل في نقل الأخبار.
كما أن بعض السرديات التاريخية قد تُعاد صياغتها عبر الزمن لخدمة شرعية سياسية، أو لتعزيز هوية جمعية، أو لإنتاج مجد رمزي تتناقله الأجيال، مما يجعل التعامل معها أكثر احتياجاً للفحص والمقارنة والنقد.
كما أن غياب الشواهد المساندة يفتح باب التساؤل المشروع؛ فالأحداث الكبرى عادةً ما تترك آثاراً متعددة في الشعر، والنقوش، والروايات المعاصرة، والذاكرة الجمعية للشعوب المجاورة، وغياب هذه الشواهد لا ينفي الرواية بالضرورة، لكنه يوجب التعامل معها بحذر أكبر.
ومن هنا، ينبغي ألا تُقبل السرديات التاريخية لمجرد شيوعها، ولا تُرفض لمجرد استغرابها، بل تخضع لمنهج علمي منظم يقوم على ثلاث مراحل أساسية:
أولاً: اختبار التماسك المنطقي الداخلي للسردية، ومدى توافقها مع المعطيات الاجتماعية والسياسية والجغرافية.
ثانياً: إخضاعها للنقد والمقارنة مع المصادر المستقلة والشواهد المادية.
ثالثاً: الوصول إلى حكم علمي يقوم على الترجيح والاحتمال، لا على العاطفة أو الانحياز أو الدفاع عن الهوية.
كما أن الأحكام التاريخية ليست جميعها على درجة واحدة من اليقين؛ فبعضها تدعمه شواهد متعددة ومتقاطعة تجعله أقرب إلى اليقين أو الاطمئنان العلمي، في حين يبقى بعضها الآخر في دائرة الترجيح أو الاحتمال لضعف الأدلة أو نقصها. ولذلك فإن الباحث المنهجي لا يتعامل مع جميع السرديات التاريخية بوصفها حقائق متساوية في القوة والثبوت، ولا ينبغي أن يتعامل معها من مبدأ (الصواب والخطأ)، بل يزنها بقدر ما يسندها من شواهد وقرائن مستقلة، حتى يتوصل لحكم علمي يتوافق مع إحدى درجات الثبوت: (قوية، راجحة، محتملة، ضعيفة).
ويُفضل أن تُدرس هذه السرديات في ضوء النقوش الحجرية، والآثار الموجودة، والشواهد الشعرية، والروايات المعاصرة في محيطها الاجتماعي، مع الاستفادة من الدراسات اللغوية، والجغرافيا التاريخية، وعلم الأنساب المقارن، والمناهج الحديثة في تحليل النصوص والاستقراء التاريخي؛ فالحقيقة التاريخية لا تتشكل من رواية منفردة، بل من تقاطع الأدلة المتعددة وتكامل الشواهد المستقلة.
إن أخطر ما يمكن أن يؤثر على مصداقية التاريخ حين يتحول من ميدان للبحث عن الحقيقة إلى أداة للدفاع عن الهوية أو الانتصار للذات؛ فالحقيقة التاريخية لا تُقاس بمدى توافقها مع رغباتنا أو احتياجاتنا السياسية المعاصرة، بل بقدرتها على الصمود أمام الفحص النقدي والأسئلة الجريئة.
وأخيراً! فإن الإيمان المطلق بالسرديات التاريخية دون دراسة وتمحيص ليس موقفاً علمياً معرفياً سليماً، بل هو تعطيل للعقل وإلغاء لدور النقد؛ فالوعي النقدي والمنهج الاستقرائي يظلان من أهم أدوات الاقتراب من الحقيقة التاريخية، بعيداً عن التسليم المطلق أو الإنكار المطلق.
** **
- خالد بن مرشد الصاعدي