استوقفني مقطع مصور لباحثة وسائحة أجنبية تزور متحفًا في محافظة من محافظات جنوب المملكة، أبدت فيه دهشتها بما شاهدته من إنتاج محلي للعسل والبن والبر والزهور في «صحراء السعودية»، ثم وصفت ببعض الدقة العمق الجيولوجي والحضاري الذي اكتشفته في المنطقة.
تعكس هذه التجربة، وغيرها من التجارب التي يتداولها المسافرون عبر منصات التواصل، أهمية توثيق الخبرة المباشرة للمسافر الواعي، وقدرة هذه الشهادات على إعادة تشكيل الصور الذهنية والتصورات النمطية عن البلدان والشعوب، حتى تتحول الزيارة السياحية إلى رحلةٍ حضارية لاكتشاف الإنسان والمكان والذاكرة الثقافية.
أعادني هذا المشهد إلى ما رواه أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب عن لقائه الأول بالملك عبد العزيز؛ حين التقى بقائد يحمل رؤية لمشروع بناء دولة موحدة ذات ريادة حضارية عميقة الأثر. فكتب بالعربية والإنجليزية عن الجزيرة العربية «من الداخل»، مبتعدًا عن المنظور الاستشراقي الذي طبع كثيرًا من أدب الرحلات في عصره، وما ترتب عليه من تصورات مشوهة غذّتها ترجماتٌ غير دقيقة أسهمت في نقل صورةٍ مضللة عن المكان وسكانه.
أخيراً تكشف هذه المقارنة الصلة الوثيقة بين أدب الرحلات والترجمة؛ فكلاهما يسهم في صناعة الصورة الذهنية للدول. فالرحّالة يصف الآخر من خلال منظومته الفكرية والثقافية، أما المترجم فينقل المفاهيم والقيم والرموز الحضارية، وقد يمنح أصحاب الثقافة فرصةً للتعبير عن أنفسهم في لغةٍ أخرى، أو يحجب عنهم ذلك بسبب ترجمةٍ غير دقيقة. ومن ثم، يسهم كلٌّ من المترجم والمسافر في بناء السمعة الثقافية للدول، والصور النمطية، والحوار بين الحضارات.
** **
د. فادية بنت عبدالله الشهري - باحث مستشار في التبادل الثقافي ودراسات الترجمة والهوية