تكرر هذا السؤال في مسيرتي مرتين، لكنه في الحقيقة لم يكن السؤال نفسه؛ لأن الأسئلة الكبرى لا تبقى ثابتة، حتى وإن احتفظت بألفاظها ذاتها. فالسؤال يتغير بقدر ما نتغير نحن، وقد يبدأ طلبًا لتعريف، ثم ينتهي اختبارًا للوعي ذاته.
كانت المرة الأولى في النادي الأدبي بجدة، حين كنت أرتاد لقاءاته بشغف الطالب الذي يبحث عن المعنى أكثر مما يبحث عن الإجابة. وكانت تلك السنوات جزءًا من مرحلة ثقافية سعودية ثرية، شهدت حراكًا فكريًا ونقديًا واسعًا، تجاورت فيه أسئلة الأدب مع أسئلة الهوية والحداثة والمعرفة.
بعد إحدى المحاضرات، في عام 1986 إذا لم تخنّي الذاكرة، اقترح الدكتور سعيد السريحي -رحمه الله- أن نلتقي في إحدى القاعات الجانبية. كنا مجموعة من الشباب آنذاك، وطرح علينا سؤالًا بدا بسيطًا:
ما هو النص؟ ثم طلب من كل واحد منا أن يجيب، من غير أن يعلّق على الإجابات.
اليوم، وبعد عقود من تلك اللحظة، أدرك أن السؤال لم يكن عن النص وحده، بل عن وعينا باللغة والعالم. كان -من حيث لا نشعر- تدريبًا مبكرًا على الشك المعرفي؛ على اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان هشاشة التعريفات التي كان يظنها صلبة ونهائية.
فالسؤال الحقيقي لا يجعلنا نعرف شيئًا جديدًا فحسب، بل قد يجعل ما كنا نظنه معلومًا غريبًا أمامنا من جديد .وأحسب أن تلك الشخصيات الثقافية الرائدة كانت تؤمن بأن الثقافة لا تبدأ من امتلاك الأجوبة، بل من القدرة على توليد الأسئلة. ولم يكن الدكتور سعيد السريحي وحده من يحمل هذا الهم؛ فقد كانت أسماء مثل الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي، والأستاذ عبدالفتاح أبو مدين، والأستاذ الدكتور محمد الكردي، وسواهم من فرسان المشهد الثقافي في الثمانينيات والتسعينيات، تسهم - كل بطريقته - في نقل الثقافة من دائرة التلقين إلى فضاء الحوار والمساءلة .اختلفوا في الرؤى والمناهج، لكنهم التقوا عند معنى جوهري: أن المعرفة الحية لا تنشأ في طمأنينة اليقين المطلق، بل في الجرأة على السؤال .ولعل السؤال، بوصفه طريقًا إلى المعرفة، ليس غريبًا عن تراثنا الفكري والديني. فالقرآن الكريم لا يخاطب الإنسان بوصفه متلقيًا سلبيًا للحقيقة، بل كائنًا مفكرًا ومدعوًا إلى التأمل. ولهذا تتكرر في آياته الدعوات إلى التفكير والتدبر والنظر: {أفلا يتدبرون}، {أفلا تعقلون}، {أفلا يتفكرون}.
فالتفكر والتدبر والنظر ليست مجرد أفعال ذهنية، بل دعوة مستمرة إلى تجاوز ظاهر الأشياء نحو معانيها الأعمق. كان سؤال «ما هو النص؟»، على بساطته، أكثر تعقيدًا مما توقعنا. وجد كل واحد منا نفسه أمام فراغ لم تملأه اللغة بعد؛ لأن السؤال الحقيقي لا يطلب معلومة فحسب، بل يضع وعينا نفسه موضع المساءلة .في تلك اللحظة بدأت أفهم - من غير أن أمتلك آنذاك القدرة الكاملة على التعبير ـ أن النص ليس «شيئًا» نضعه أمامنا ونحيط به تعريفًا، بل علاقة: بين ذات تكتب وذات تقرأ، وبين ما تقوله اللغة وما تعجز عن قوله، وبين حضور المعنى وغيابه.
وفي نهاية اللقاء حاول الدكتور السريحي أن يقرب لنا الفكرة، لا بوصفها تعريفًا مغلقًا، بل أفقًا مفتوحًا للفهم. وكان مما يميز خطابه النقدي أنه لم يكن يبحث عن المعنى النهائي للنص، بل عن قدرة النص على إنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة. وكأن النص لا يكتمل بالكتابة وحدها، بل يولد من جديد مع كل قارئ. مضت السنوات، وعُدّت لأواجه السؤال ذاته، لكن في سياق مختلف. كانت إحدى أولى محاضراتي في السوربون، وإذا بالأستاذ يطرح السؤال نفسه :ما هو النص؟
تعددت الإجابات وتنوعت المقاربات، ووجدتني أبتسم في داخلي؛ ليس لأنني أملك الإجابة، بل لأنني أصبحت أفهم طبيعة السؤال.
وتساءلت: ماذا لو وقع الاختيار عليّ؟ كيف سأجيب؟
ثم اكتشفت أن السؤال لم يعد يعني: ما تعريف النص؟ بل أصبح يعني: كيف نفكر؟ وكيف تصنع اللغة علاقتنا بالعالم؟ وهل المعنى موجود في النص ينتظر أن نعثر عليه، أم يولد في المسافة بين النص والقارئ؟ بل لعل السؤال الأبعد هو: حين نقرأ نصًا، هل نكشف معناه، أم نكشف شيئًا من أنفسنا من خلاله؟
وهنا أدركت أن السؤال الذي سمعته في جدة لم يكن محليًا أو عابرًا، بل جزءًا من تقليد إنساني طويل. فمنذ سقراط ارتبطت الفلسفة بفن السؤال وإدراك حدود المعرفة، ومن الدهشة التي جعلها أرسطو منطلقًا للتفلسف، إلى هايدغر الذي منح السؤال منزلة تتجاوز كونه وسيلة للوصول إلى جواب، ظل السؤال أحد الأشكال التي يعي بها الإنسان وجوده وعلاقته بالعالم .وهكذا لم يعد النص مجرد بنية لغوية، بل فضاءً تتقاطع فيه الذات واللغة، والتاريخ، والمعرفة، والسلطة.
ومن هذا الأفق نظر ميشيل فوكو إلى الخطاب بوصفه نظامًا يسهم في إنتاج المعرفة وعلاقات السلطة، وزعزع رولان بارت سلطة المؤلف على المعنى، فاتحًا النص أمام القارئ وتعدد القراءة، بينما دفع جاك د ريدا السؤال أبعد حين جعل المعنى عصيًا على الاستقرار النهائي؛ فالكلمة تحيل إلى كلمة، وما نظنه نهاية قد يصبح بداية لتأويل آخر .لكن قيمة هذه الأفكار بالنسبة إليّ لم تكن في أسماء أصحابها ولا في مصطلحاتهم، بل في أنها أعادتني، بعد سنوات، إلى تلك القاعة الصغيرة في جدة وإلى السؤال الأول .بدأت أفهم حينها أن النص ليس فقط ما نقرأه، بل ما يكشفه فينا، وأن القراءة ليست استهلاكًا للمعنى، بل مشاركة في تكوينه.
فالقارئ لا يدخل النص خاليًا؛ يدخل إليه بذاكرته، ولغته، وتجاربه، وأسئلته. ولذلك قد يعود الإنسان إلى النص بعد عشرين عامًا فيجده نصًا آخر؛ لا لأن الكلمات تغيرت، بل لأنه هو الذي تغير .وهنا تكمن إحدى مفارقات القراءة: نظن أننا نعود إلى النص، بينما قد نكون في الحقيقة عائدين إلى أنفسنا.
ولعل أخطر ما يفعله السؤال الحقيقي أنه لا يضيف إلى الإنسان معرفة جديدة فقط، بل يغير طريقته في النظر إلى العالم .ولهذا لم يعد سؤال «ما هو النص؟» بالنسبة إليّ سؤالًا نقديًا فحسب، بل أصبح سؤالًا وجوديًا أيضًا؛ لأن الإنسان يعيش، في نهاية الأمر، داخل نصوص كبرى: اللغة، والذاكرة، والتاريخ، والهوية، وحتى الصورة التي يصوغها عن نفسه .فنحن لا نرى العالم كما هو في ذاته، بل كما تتيحه لنا لغتنا وثقافتنا وتجاربنا. ولذلك قد تكون كل قراءة جديدة للنص اكتشافًا لجزء جديد من ذواتنا .واليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك القاعة الصغيرة في النادي الأدبي بجدة، وإلى ذلك السؤال الذي طرحه الدكتور السريحي علينا قبل عقود، أدرك أنني لم أكن أبحث عن تعريف للنص بقدر ما كنت - من حيث لا أدري - أبحث عن تعريف لنفسي .
فالنص، في نهاية المطاف، ليس مجرد كلمات مكتوبة على الورق، بل الأثر الذي تتركه الكلمات في وعينا، والمسافة التي تفتحها داخلنا بين ما كنا نعرفه وما أصبحنا نسائله .وبين نداء القرآن إلى التفكر والتدبر، وأسئلة الفلاسفة عن المعرفة والوجود، ومحاولات النقاد فهم اللغة وتأويلها، تتجلى حقيقة واحدة: أن الإنسان لا ينمو بما يعرفه فقط، بل بما يجرؤ على مساءلته .ولذلك فإن بعض الأسئلة لا تُطرح لكي ننتهي منها بإجابة، بل لكي ترافقنا؛ فكل جواب نصل إليه قد يكون بداية لسؤال جديد ، ولعل قيمة السؤال ليست فيما يمنحنا من أجوبة، بل فيما يحدثه فينا من تحول؛ فالسؤال الحقيقي لا يغير أفكارنا فحسب، بل يغير العين التي ننظر بها إلى العالم وإلى أنفسنا .ومنذ تلك الأمسية البعيدة في النادي الأدبي بجدة، مرورًا بقاعات السوربون، وحتى هذه اللحظة، ما زال ذلك السؤال يرافقني.
لكنه لم يعد سؤالًا أبحث له عن تعريف؛ فقد أدركت، بعد كل هذه السنوات، أن رحلتي مع السؤال أصبحت جزءًا من جوابه.
ومن بينها، بلا شك، ذلك السؤال البسيط والعميق في آن :ما هو النص؟
** **
- أ.د.فايز بن علي الكفافي