تحظى اللغة العربية باهتمامٍ متزايد في أذربيجان، لما تتمتع به من قيمة لغوية وثقافية وحضارية كبيرة، ولما يربطها ببلادنا من صلات تاريخية وثقافية عميقة. فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاءٌ غنيٌّ للمعرفة والفكر والأدب والتاريخ، كما تمثّل جسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة.
ولا يقتصر تعلّم العربية على اكتساب لغة جديدة، بل يفتح أمام الطلاب آفاقًا واسعة للتعرّف إلى الأدب العربي والفكر الإسلامي والتاريخ والثقافة، ويمنحهم فرصًا أكبر للتواصل مع الشعوب العربية والاستفادة من مجالات التعليم والبحث العلمي والعمل.
ومن خلال اهتمامي بتدريس اللغة العربية للناطقين باللغة الأذربيجانية، أدركتُ أنّ المرحلة الأولى من رحلة التعلّم تؤدي دورًا أساسيًا في تكوين اتجاهات الطالب نحو اللغة الجديدة. فحين يجد المتعلّم شرحًا واضحًا ومنهجًا منظّمًا وأسلوبًا تعليميًا قريبًا من لغته الأم، يصبح أكثر ثقةً بنفسه وأكثر قدرةً على مواصلة التعلّم وتحقيق التقدّم. وفي المقابل، قد تؤدي الصعوبات التي يواجهها المبتدئ في بداية الطريق إلى شعوره بالتردّد أو فقدان الحافز، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بتعلّم نظام كتابي وأصوات لغوية تختلف عن تلك الموجودة في لغته الأم.
وقد يواجه المتعلّم الأذربيجاني في البداية بعض التحديات، من أبرزها التعرّف إلى الحروف العربية، والتمييز بين الأصوات المتقاربة، وفهم أشكال الحروف المختلفة بحسب مواضعها في الكلمة، فضلًا عن اكتساب مهارات القراءة والكتابة والنطق الصحيح. لذلك أرى أنّ إعداد مواد تعليمية مناسبة للمبتدئين، تراعي احتياجاتهم اللغوية ومستوياتهم المعرفية، وتقدّم المعلومات بصورة تدريجية وواضحة، يُعدّ خطوة مهمة نحو جعل تعلّم اللغة العربية أكثر سهولةً وفاعليةً ومتعةً.
وانطلاقًا من هذه القناعة، ألّفتُ كتابين، هما: «تعلّم الحروف العربية» و«تعلّم اللغة العربية»، بهدف مساعدة المتعلّمين الأذربيجانيين على بناء أساس لغوي متين يمكّنهم من الانتقال بثقة من مرحلة التعرّف إلى الحروف إلى مرحلة تعلّم اللغة واستخدامها. وقد حرصتُ في إعداد هذين الكتابين على مراعاة احتياجات الطالب المبتدئ، وتنظيم المادة التعليمية بطريقة تساعده على استيعاب المعلومات تدريجيًا، وتمنحه فرصة لتطوير مهاراته اللغوية خطوةً بعد أخرى.
كما أؤمن بأنّ نجاح العملية التعليمية لا يعتمد على كمية المعلومات المقدّمة فحسب، بل يرتبط أيضًا بطريقة عرضها ومدى ملاءمتها لمستوى المتعلّم. فالمادة التعليمية الجيدة هي التي تجمع بين الدقة العلمية ووضوح الشرح والتدرّج المنهجي، وتساعد الطالب على تطبيق ما يتعلّمه في مواقف عملية. ومن هنا، فإنّ تشجيع المتعلّم على الممارسة المستمرة، وتعزيز ثقته بقدراته، وتوفير بيئة تعليمية محفّزة، كلّها عوامل تسهم في تحقيق نتائج إيجابية في تعلّم اللغة.
بالنسبة إليّ، لا تكمن قيمة الكتاب التعليمي في المعلومات التي يقدّمها فحسب، بل في قدرته على تحفيز الطالب، وتخفيف رهبة البداية، وفتح آفاق جديدة أمامه للتعلّم والاكتشاف. وأطمح من خلال عملي في مجال تعليم اللغة العربية وتأليف المواد التعليمية إلى الإسهام في نشر هذه اللغة في أذربيجان، وتعزيز التواصل الثقافي والعلمي بين المجتمعين الأذربيجاني والعربي، وتوفير وسائل تعليمية تساعد الأجيال الجديدة على اكتساب اللغة العربية بثقة واهتمام.
** **
فريدة الله وردييفا - باحثة علمية في معهد التاريخ والإثنولوجيا في أكاديمية العلوم الوطنية بأذربيجان