إذا كان عباس محمود العقاد في مقدِّمته لـ»المغفل وقصص أخرى» لعبدالله بن حبيب يرى أنَّ للقصة شأنًا في حياة الإنسان منذ طفولته إلى شيخوخته الفانية؛ فإنَّه في المقابل يجمع ما بين القصة التي تروى للترويح والتسلية وتزجية الفراغ، والقصة بمعناها الفني.
يفسر العقاد فحوى رأيه، بالإشارة إلى أنَّ الطفل الوافد إلى الدنيا لا نجده إلَّا وهو محب للقصة والخرافة، مستجمع فيها كل ما يدركه خياله من صور الحياة، ثم إذا أيفع وتنبَّه فيه ذلك الشعور الغريب المُسمَّى «الحب» دخل من الحياة في طفولة جديدة تريه الدنيا مرة أخرى، وكأنَّه يراها أول مرة، فيشغف بالقصة في هذه الطفولة القصيرة أشد من شغفه بها في طفولته الأولى، ويحب أنْ يرى لعواطفه وأحاسيسه أمثلةً أخرى في سير الأبطال والعشَّاق، وكأنَّه المشدوه؛ لفرط ما يفاجئه من الشعور، فلا يزال محتاجًا إلى توكيد بعد توكيد، ومثال بعد مثال.
من جانب آخر يربط العقاد بين ولع الطفل بالقصة والخرافة والخيال، باعتبارها صورة حية من صور الحياة، حتى إذا تنبَّه فيه شعور الحب، رأى الحياة بوجه آخر لا كما رآها أول مرة، وهو بهذا الرأي لا يخرج عمَّا عرف عن العقاد نفسه من ولع بالبحث عن البواعث النفسية، وتعليلها. وكثيرًا ما تلعب قصص الخيال دورها في تنمية معرفة الأطفال بالكون والحياة، الأمر الذي من خلاله يتحولون بالتدريج إلى الاقتراب من الحقيقة، وذلك من خلال الانغماس بين صراع الخير والشر حينما تدخل الطفولة إلى عداد الرجال، فيعرف الحياة، وتُلجِئه المعرفة إلى السلوى والتأسي والاعتبار بالحوادث، فيأنس إلى القصة، ويستريح إلى أخبار الناس، ويحب من حين إلى حين أنْ يستعيد غرارات الصبا وأشواقه، فيقرأ القصة ويؤخذ بما فيها من شواهد الصدق والعلم وحسن التمثيل. أمَّا إذا استوى إلى الشيخوخة، فهو يفرغ إلى العمل والتجربة والمشاهدة، فلا يبقى له إلَّا أنْ يقص ما يراه، أو يستمع إلى قصص الآخرين.
ووفقًا لتلك التقسيمات للمراحل التي أشار إليها العقاد؛ فإنَّه في المقابل يتبعها بالتأكيد على أنَّ الأمة كالفرد في العناية بالقصة والأقاصيص، فهي من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة، لا تخلو من القصة القصيرة في عصر من العصور. ومَن يظن القصة القصيرة شيئًا حديثًا من مبدعات هذه الأيام، فهي من أقدم ما عرفته الأمم من آدابها، ولا يرد على الخاطر أنَّها شيء حديث إلَّا أنَّها ذاعت كثيرًا بعد نشأة الصحافة اليومية والأسبوعية، ودَاخَلَها الافتتان؛ لتعدُّد الكُتَّاب واختلاف الأمم، فقيل: إنَّ القصة الصغيرة ظاهرة طريفة، وليست بالظاهرة الطريفة إلَّا الأداة التي استخدمت لنشرها والافتتان بها.
في مقدِّمته لـ«أقاصيص من الهند»، نُلاحظ أنَّ العقاد يشي إلى علاقة البيئة بكتابة القصة، وأثرها في معرفة الأمة، مشيرًا إلى ندرة ما يمكن معرفته عن أمة عظيمة من عشرين قصة صغيرة - هكذا يسميها -، كما تعرف الهند من هذه القصص التي تبتدئ القصة منها وتنتهي في بضع صفحات.
يرى العقاد أنَّ تلك القصص لا تخرج في مجموعها من غير الهند الخالد، ولا تستطيع أنْ تنقلها من بيئة إلى بيئة ولو غيرت ما فيها من أسماء المواقع وعناوين العادات، بل نحسب أنَّ نقل قصة واحدة إلى بيئة أخرى أعسر من نقل مجموعة قصصية واسعة تكتب في أمة فتنسب إلى أمة أخرى.
في السياق ذاته؛ يطرح العقاد سؤالًا ضمنيًّا حول الفارق بين القصة الصغيرة في الهند، والقصص الصغيرة في الأمم المعاصرة التي تكثر منها بجميع الأساليب على مختلف الألوان.
يُرجع العقاد أنَّ الفارق يعود إلى سببين؛ الأول منهما راجع إلى طبيعة الأمة، أمَّا الثاني فيعود إلى عراقة القصة في الآداب الهندية. ويفسر ذينك السببين إلى أنَّ الهند عبر تاريخها الطويل قد عالجت مشكلة الوجود العظمى، وجعلتها في الطليعة بين مسائل العقيدة، ومسائل المجتمع، ومسائل الحياة الفردية، ويرى أنَّ الهند قد طال عهدها بعلاج هذه المشكلة من الناحية الوجودية والاجتماعية، والحياة الخاصة حتى غلب طابعها على طابع تبرزه الصبغة المحلية، والصبغة الشخصية في كاتب من الكُتَّاب، أو أثر من أثر الكتابة.
في حين، يذهب العقاد إلى أنَّ أصدق ما يُقال عن بعض القصص الهندية أنَّها - مع إتقان الفن - قد أفلحت في تصوير جانبين مهمين؛ هما: تصوير النفس البشرية، وتصوير البيئة الهندية، معتبرًا أنَّها في أسلوب الأقصوصة تُجاري أحسن الأساليب المأثورة في الآداب العالمية، وهي بعد هذا صورة صادقة من واقع الهند، وفي نفس الإنسان.
ويبدو أنَّ منهج العقاد يسير على ذات النسق؛ إلَّا أنَّ السؤال الجوهري هو: كيف صورت تلك القصص النفس البشرية، والبيئة الهندية؟، وهل العقاد يعتقد أنَّ فن القص عبارة عن نقل فوتوغرافي، أو صناعة واقع موازٍ؟.
** **
- أ.د. ساري بن محمد الزهراني