حوار - نورة محمد المعطاني:
تحتفظ اللغة العربية في ألفاظها القديمة وذاكرتها الشعبية بشواهد تكشف أحوال المجتمع وتحولات المعنى، وهو ما ينطلق منه الباحث الدكتور تركي الغنامي في قراءاته للنصوص والموروث.
وفي حواره مع «الجزيرة الثقافية»، يتحدث الغنامي عن قيمة الرواية الشفوية والاستعمال الحي، ودور البيئة والممارسة في تفسير الألفاظ، كاشفًا عن ثراء لغة الإبل وما تختزنه من دلالات. كما يتناول أهمية توثيق الموروث، وما قد يفقده حين ينتقل من التداول الشفوي إلى الأرشيف، ويتوقف عند تحولات شعر المحاورة في البرامج التلفزيونية. ولا يخلو الحوار من آراء نقدية لافتة، أبرزها حديثه عن «نَفَس نسائي فاضح» يلحظه في بعض شعر الرجال وتقاليد التعبير الشعري.
اللفظة الشعبية
حين تصادفون لفظة شعبية بقيت حيّة، بينما تغيّر كثير من الحياة التي كانت تُستعمل فيها؛ ما الذي يمكن أن تكشفه هذه اللفظة عن العالم الذي جاءت منه؟ وما حدود الاعتماد عليها في استعادة ذلك العالم؟
اللفظة الشعبية قد تبقى بعد أن يتغير كثير من العالم الذي كانت تعمل فيه، وقد يبقى معها أكثر من معناها المباشر؛ يبقى أحيانًا شيء من طريقة الناس في تقسيم أفعالهم وأحوالهم وعلاقاتهم.
وهذا يظهر مثلًا في الحيافة والحنشلة. ربما لم يسمع بهاتين اللفظتين كثير من أبناء هذا الجيل، وقد يفهمهما بعض الدارسين والكتّاب على أنهما مترادفتان، بينما الاستعمال المتوارث عند من عرف تلك الحياة يفرّق بينهما، وتحفظ كل واحدة منهما صورة مختلفة من الممارسة. فإذا ضاع الفعل أو بَعُد الناس عنه، كان من السهل أن يضيع معه الفرق بين الاسمين، أو أن يجمعهما من جاء بعد أهلهما في معنى واحد.
وهنا لا تكون اللفظة قد حفظت اسمًا فحسب، بل قد تحفظ طرفًا من النظام الذي كان الناس يفهمون به أفعالهم ويميّزون بعضها من بعض. ولهذا يهمني موضع الكلمة في الكلام، وما يقابلها، ومتى تُقال، ومن يستعملها، وما الفعل أو العادة التي ترتبط بها.
لكن لا ينبغي أن نحمّل لفظةً واحدةً تاريخَ مجتمعٍ كامل. قيمتها تزداد حين نجد معها روايات متفقة، أو ممارسة باقية، أو شواهد أخرى من الموروث نفسه. عندئذ نستطيع أن نستعيد جانبًا من العالم الذي عاشت فيه، لا أن نبني ذلك العالم كله من كلمة واحدة.
البيئة والمكان
تحتل البيئة والمكان مساحة واضحة في قراءاتكم؛ فما الذي تضيفه معرفة المكان والمطر والريح والموسم إلى قراءة النص القديم؟ وما حدود الإفادة منها؟
أنا لا أبدأ من البيئة ثم أذهب إلى النص لأبحث عما يوافقها؛ النص نفسه هو الذي يفتح السؤال. فإذا كان الكلام في مطر أو مرعى أو رحلة أو غزو أو حيوان، فهذه أشياء كانت لها أحوال معلومة عند أهلها. والبيئة لا تخبرنا دائمًا بما يعنيه النص، لكنها قد تخبرنا بما لا يمكن أن يعنيه. فقد يكون التفسير ممكنًا من جهة اللغة، ثم يظهر عند ردّه إلى الموسم أو المكان أو طريقة العيش أنه بعيد أو متعذّر. والقيظ مثلًا ليس مجرد حر شديد؛ له أثره في الحركة والإقامة والماء، كما أن المطر تختلف آثاره باختلاف زمانه وموضعه. لكن البيئة تبقى قرينة ضمن قرائن؛ لا بد أن يوافقها اللفظ والخبر والعرف، وإلا لم تكفِ وحدها للحكم.
الرواية الشفوية
تعتمدون في بعض أبحاثكم على الرواية الشفوية إلى جانب المصادر المكتوبة؛ كيف تتعاملون معها بوصفها مادة بحثية؟ وما الذي يمنحها قيمتها أو يحدّ من حجيتها؟
الرواية الشفوية ليست شيئًا واحدًا. قد يحفظ الراوي لفظًا أو خبرًا كما سمعه، ثم يفسّره بفهمه هو، وقد يختلط عنده القديم بما طرأ بعده. لذلك أحاول الفصل بين ما رواه وبين تفسيره لما روى. ويفيدني تعدد الرواة؛ فقد يتفقون على اللفظ ويختلفون في معناه، فيدل ذلك أحيانًا على بقاء اللفظ وتغيّر تفسيره. ولا أرى أن خطأ الراوي يُسقط ما عنده كله؛ فقد يحفظ الكلمة القديمة صحيحةً، ثم يفسّرها بمعنى حديث، فيصبح موضع الخطأ نفسه شاهدًا على تحوّل الدلالة. ومع ذلك لا تستقل الرواية الشفوية بالحكم؛ توضع إلى جانب النصوص والمعاجم والعرف وسائر الروايات، ويقوى ما فيها بقدر ما تتساند معه الشواهد.
الممارسة والموروث
في بعض أبحاثكم لا تكتفون بالنصوص، بل تستفيدون من معرفة أهل الممارسة ومشاهدة ما يفعلونه؛ ماذا تضيف هذه المعرفة الميدانية إلى قراءة اللغة والموروث؟
هناك أشياء يعرفها أهلها بالممارسة قبل أن يعرفوها بالتعريف. قد يفرّق صاحب الإبل بين حالتين في الركوب أو الحلب، ويستعمل لكل حالة لفظها، ثم لا يستطيع إذا سألته أن يصوغ لك حدًّا نظريًا للفرق. هو يعرفه بالفعل والاستعمال. وهنا تكون المشاهدة مهمة؛ فقد أفهم من المعجم المعنى العام، ثم أرى الفعل فأعرف كيف يقع، ومتى، وما الذي يميّزه من فعل قريب منه. ولا أنسب إلى أهل الممارسة نظرية لم يقولوها؛ دوري أن أراقب الاستعمال ثم أقارنه بالشعر والخبر والمعجم. وقيمة هذه المعرفة أنها تعيد اللفظة إلى وظيفتها، فنفهم لماذا قيلت ومتى تُستعمل، لا معناها المجرد فقط.
الموروث الحي
ماذا يحدث للموروث الحي حين ينتقل من التداول بين الناس إلى كتاب أو أرشيف أو مؤسسة ثقافية؟ وما الذي ينبغي للباحث أن ينتبه له عند توثيقه؟
التوثيق لا ينقل الموروث كما هو تمامًا؛ لأنه يبدأ من الاختيار. حين تُثبت رواية وتترك أخرى، أو تسجّل اللفظة ولا تسجّل موضع استعمالها، فأنت تحفظ المادة وتشارك في الوقت نفسه في تشكيل الصورة التي ستصل إلى من بعدك. وأحيانًا لا يضيع النص، بل ما كان يحيط به: المناسبة، أو الفرق بين لفظتين، أو اختلاف الروايات. ومن أخطار التوثيق أن يحوّل المتعدد إلى صيغة واحدة تبدو بعد زمن كأنها الأصل، مع أن الاختلاف نفسه قد يكون جزءًا من تاريخ المادة. لذلك أحرص على حفظ ما أستطيع من السياق والملابسات ووجوه الاختلاف؛ فقد تبدو تفصيلة صغيرة اليوم، ثم تصبح غدًا المفتاح إلى معنى أو عادة لم يبقَ لها شاهد آخر.
لغة الإبل
اشتغلتم طويلًا على لغة الإبل في المصادر القديمة وفي الاستعمال البدوي الحي؛ ماذا يكشف الجمع بين هذين المستويين مما لا يكشفه الاعتماد على أحدهما وحده؟
لغة الإبل من أغنى أبواب العربية، والقدماء عنوا بها عناية كبيرة، وألّفوا فيها كتبًا مخصوصة، ضاع منها شيء كثير. والاستعمال البدوي الحي قد يحفظ لفظة قديمة بمعناها، أو فرقًا بين لفظتين، أو الممارسة نفسها التي كانت الكلمة جزءًا منها؛ وقد تبقى اللفظة ويتغيّر معناها. لذلك لا تكفيني المطابقة بين لفظ قديم وآخر مستعمل اليوم. الجمع بين المستويين هو المهم: قد يعطيني المعجم معنى اللفظة وتكشف الممارسة موضعها بين الألفاظ والأفعال، وقد يكشف النص القديم مقدار ما تغيّر في الاستعمال الحاضر. وأهل الإبل لم يعرفوا الحيوان في قائمة أسماء منفصلة؛ السن والنتاج واللون والركوب والحركة والمرض والطباع أبواب مترابطة. فإذا جمعنا الكلمات وحدها حفظنا الأسماء وفقدنا العلاقات التي كانت تجعل لكل اسم موضعه.
ميزان التحقيق اللغوي
للاستعمال البدوي الحي حضور واضح في عدد من قراءاتكم للألفاظ القديمة؛ أين تضعون هذا الاستعمال في ميزان التحقيق اللغوي، ولا سيما حين يختلف الشُّرّاح أو لا تسعف المعاجم بمعنى واضح؟
أفرّق بين أن أجد معنى حيًا اليوم وبين أن أثبت أن العربي القديم عرفه بهذا المعنى. الأول يثبته الاستعمال القائم، أما الثاني فلا بد له من شاهد قديم. وفي المقابل لا أرى أن غياب المعنى عن المعجم يكفي لنفيه؛ فالمعاجم حفظت قدرًا عظيمًا من العربية، لكنها لم تجمع كل استعمال، وفُقد من كتب اللغة شيء كثير. قيمة الاستعمال البدوي أنه قد يلفتني إلى معنى أو فرق، ثم أعود به إلى الشعر والخبر. فإذا استقامت عليه الشواهد القديمة، فالقديم هو الذي شهد للمعنى، والاستعمال الحي شهد على بقائه. ولهذا أفرّق بين الشاهد على المعنى والشاهد على بقاء المعنى. والسؤال عندي ليس: هل العامية حجة على الفصحى؟ بل: ما تاريخ هذا الاستعمال، وفي أي بيئة بقي، وما الذي يشهد له من كلام العرب؟
وسم الإبل
اشتغلتم على وسم الإبل وأنسابها؛ كيف تقرؤون الوسم بوصفه مادة بحثية، وما الذي يمكن أن يكشفه عن المجتمع الذي استعمله؟
الوسم في أصله علامة عملية تُعرف بها الإبل وملكها ونسبتها إلى أهلها، وهذه هي نقطة البداية. لكن حين تجمع الوسوم وتتابع فروعها واختلافاتها ومواضع استعمالها، ثم تضعها إلى جانب الرواية والأنساب وأخبار الانتقال، تبدأ معلومات أخرى في الظهور. قد يكشف اشتراك جماعات في أصل وسم واحد عن صلة أو تفرّع أو انتقال، لكنني لا أجعل التشابه دليلًا مباشرًا على القرابة؛ فقد تنتقل الإبل والملكية، وقد تتشابه العلامات لأسباب أخرى. قيمة الوسم أنه شاهد مستقل نسبيًا بقي على الحيوان وانتقل بالممارسة. فإذا وافق خبرًا أو نسبًا ازدادت دلالته قوة، وإذا خالف الرواية أو فتح سؤالًا آخر أصبح واحدًا من الشواهد التي نختبر بها الرواية نفسها.
فن القلطة
شهد شعر المحاورة حضورًا واسعًا في البرامج التلفزيونية والمسابقات المنظمة؛ كيف ترون أثر هذا الانتقال في طبيعة الفن نفسه؟
المحاورة ليست أبياتًا منفصلة عن لحظتها؛ الشاعر يرد على شاعر أمام جمهور تابع ما قيل، واللحن والأداء وسرعة التقاط المعنى كلها تدخل في قيمة البيت. لذلك قد يفقد البيت شيئًا إذا نُقل وحده إلى الورق. والتلفزيون خدم المحاورة؛ حفظ كثيرًا مما كان يضيع ووسّع جمهورها، لكنه أدخل أيضًا شروط البرنامج والزمن والتحكيم وجمهورًا لا يعرف بالضرورة كل سياق الملعبة. والملعبة القديمة نفسها لم تكن عفوية بلا نظام؛ لها أعراف نشأت من داخل الفن. الخطر أن تبدأ قواعد البرنامج في إعادة تشكيل المحاورة. و«فتل المعنى ونقضه» يحتاجان إلى سياق مشترك، بينما قد يدفع التلفزيون إلى معنى أسرع وصولًا وأشد قابلية للانتشار. لذلك فالسؤال ليس: هل التنظيم جيد أو سيئ؟ بل: هل بقيت قوانين الفن هي التي تحكم البرنامج، أم صار البرنامج هو الذي يعيد تشكيل الفن؟
نَفَس نسائي في شعر الرجال!
قلتم في حوار سابق إن بعض شعر الرجال أصبح يُلحظ فيه «النَّفَس النسائي الفاضح»، وهي عبارة لافتة، ولا سيما أن لكم اشتغالًا مبكرًا بشعر المرأة في دراستكم «شعر المرأة في حماسة أبي تمام: دراسة في الرؤية والأداة»؛ ماذا كنتم تقصدون بهذه العبارة؟ وعلى ماذا يُبنى مثل هذا التمييز في النص؟
كانت العبارة ردًا على سؤال يلمّح إلى أن بعض الشعر المنشور بأسماء نسائية قد يكون وراءه رجال، فقلت إن الصورة قد تكون معكوسة أحيانًا، وإنني ألحظ في بعض شعر الرجال «نَفَسًا نسائيًا فاضحًا»، و«الفاضح» هنا بمعنى الظاهر الذي يكشف نفسه. ولا أقصد به الرقة أو الحزن أو الغزل؛ فهذه مشتركة.
المقصود طريقة بناء الموقف، وموقع المتكلم من الطرف الآخر، وطريقة الشكوى والتعلّق والعتاب. ففي جانب كبير من الغزل العربي كان الرجل هو الطالب المتودد، والمرأة في موضع القبول أو الامتناع؛ لذلك لا تجعل شكواه من الهجر شعره نسائيًا. الذي يهم هو تغيّر موقع المتكلم وبناء العلاقة. ودراستي لشعر المرأة نبّهتني مبكرًا إلى أن الخصوصية لا تُبحث في الموضوع وحده، بل قد تظهر في المعجم وطريقة التعبير. وهذه ليست صفات فطرية ثابتة، وإنما تقاليد تصوغها حياة اجتماعية طويلة، ويمكن أن تنتقل أو تختلط حين تتغيّر تلك الحياة.