حاورها - د.خالد الدوس:
ضيفتنا في هذا اللقاء الخبيرة الاجتماعية في الدراسات السكانية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، د. شروق الشريف، التي تنشغل بقراءة التحولات الاجتماعية والثقافية والديموغرافية في المملكة العربية السعودية من زاوية قريبة من الحياة اليومية؛ من ثقافة المقاهي بوصفها فضاءً هجينًا تتفاعل فيه الهويات الرقمية مع المكان المادي، إلى الأسرة والخصوبة والهجرة الداخلية والعزلة الحضرية والابتكار الاجتماعي والثقافي. نستضيفها لنقترب من أسئلة المجتمع السعودي المتحوّل: كيف يعيش الناس التغيير؟ وكيف يعيد الشباب إنتاج الموروث والهوية؟ وما موقع الوعي المجتمعي والسياسات المستقبلية في رسم مستقبل البنية السكانية الجديدة؟
• تشير بعض الدراسات إلى أن «ثقافة المقاهي» في السعودية أصبحت «مختبرًا يوميًا» و«إرشيفًا عاطفيًا» للتغير الاجتماعي، تتفاعل فيه الهويات الرقمية مع الفضاءات المادية. من منظورك: كيف تثري دراسة هذه الفضاءات الهجينة فهمنا للتحول السكاني والاجتماعي في المملكة؟ وما الذي تكشفه عن الشباب بوصفهم فاعلين في إنتاج هذا التحول، لا مجرد متلقّين له؟
أعتقد أن أهمية دراسة ثقافة المقاهي في المملكة تنبع من أنها تتيح لنا الاقتراب من التحول الاجتماعي في مستواه اليومي والمعيش؛ أي في الطريقة التي يعيش بها السعوديون هذا التحول الاجتماعي، والكيفية التي يشكّلون بها علاقاتهم وهوياتهم وتصوراتهم عن الحياة. وفي رأيي، لا تتغير المجتمعات فقط عبر القرارات والسياسات والمؤشرات الاقتصادية، وإنما تتغير أيضًا من خلال تفاصيل ربما تبدو بسيطة: أين يلتقي الناس؟ وكيف يقضون أوقاتهم؟ وما الذي يتحدثون عنه؟ وكيف يقدمون أنفسهم للآخرين؟ لذلك لا تبدو المقاهي مجرد منشآت تجارية، بل هي فضاءات اجتماعية تجمع بين الاستهلاك والتفاعل الاجتماعي وإنتاج المعاني، ويمكن من خلالها قراءة تحولات أعمق في بنية المجتمع السعودي، ولا سيما أن المقهى أصبح لدى بعض الشباب، في وقتنا الحالي، مساحة للدراسة والعمل والاجتماعات المهنية، ولدى آخرين مجالًا للتعارف وتكوين الصداقات، أو للتعبير عن الذائقة الشخصية والانتماء إلى أنماط ثقافية معينة.
وعلى صعيد علم الاجتماع، فقد تحدث عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبرغ عن مفهوم «المكان الثالث»، الذي عنى به أماكن التجمعات العامة غير الرسمية خارج نطاق البيت والعمل، ومنها المقاهي، حيث يتمكن المرء من طرح همومه الخاصة، والالتقاء بأناس يتبادل معهم النقاشات الحرة والرؤى حول مختلف الشؤون الحياتية والاجتماعية، بعيدًا عن القيود الرسمية. وبهذا المفهوم، لا تقتصر المقاهي على كونها أماكن عابرة لتقديم القهوة والحلوى، بل هي فضاءات حيوية نابضة تعكس هوية المجتمعات وتاريخها، ومساحات مادية خاصة تمنح المرتاد شعورًا بالانعتاق من قيود التلقين والوصاية المجتمعية التقليدية.
ومع مرور الوقت، وفي قلب المشهد الحضاري الذي يكتسي به الوطن الغالي، تحوّل بعضها إلى حاضنات للإبداع، وساحات نابضة بالحوار الفكري والأنشطة الثقافية المتنوعة. وبذلك نجح المقهى، في بعض الأماكن داخل المملكة، في إحداث تحول اجتماعي لافت بين روّاده؛ فبعد أن كان اللقاء مجرد وقت فائض ومشروب قهوة مع رفيق على طاولة مشتركة، بات المقهى بيئة تفاعلية تصنع النخب، وتدفع بالأفراد ليكونوا عناصر فاعلة في الحراك الثقافي المجتمعي، إما عبر الإنتاج الفكري أو التذوق الواعي.
وفي المشهد الاجتماعي السعودي المعاصر، بات كثير من المقاهي أيقونات جمالية تختزل قيم التمدّن والتحضّر، وملاذات تعبيرية تتجلى فيها فردانية السعودي الذي يسعى إلى التخفف من الأعباء اليومية، والترفع عن منغصات الحياة. وبهذا تتجسد أهمية هذا الفضاء الثالث في قدرته على صهر فئات وطبقات مجتمعية متباينة داخل بوتقة واحدة، وكسر الحواجز التقليدية، وفتح قنوات للتعارف التلقائي بين رفقاء المكان، والتحفيز على نقاشات عفوية تتقاطع في ثناياها الهموم اليومية مع القضايا المجتمعية؛ مما يُسهم بفاعلية في تشكيل الوعي الجمعي وتبادل الأفكار الحرة.
وبرغم ذلك كله، لا يمكننا إخفاء حقيقة أن واقعًا جديدًا فرض نفسه على طبيعة المقاهي ووظيفتها داخل المملكة؛ فمع تنامي التحول الرقمي ونموذج المدن الاستهلاكية الحديثة، تراجعت الأشكال التقليدية للمقاهي لصالح المقاهي العصرية التي تعمل بنظام الامتياز التجاري العالمي أو تسير على نهجه. وباتت هذه الفضاءات تمزج بين تقديم الخدمات المادي ة وتصدير أساليب الحياة الحديثة، لتتحول إلى واجهات تعزز ثقافة الاستهلاك الفردي، وتواكب متطلبات السوق الحرة.
ومن النتائج التي لفتت انتباهي في دراستي أن بعض ممارسات الضيافة المألوفة في المجالس واللقاءات العائلية تُعاد ممارستها داخل المقاهي. فالتنافس الودي بين شخصين على دفع الحساب، وإصرار أحدهما على دعوة الآخر، يحملان معاني الكرم والتقدير المتبادل؛ إذ يصبح دفع الحساب طريقة للتعبير عن العلاقة ومكانة الآخر فيها. وهذا يساعدنا على فهم كيف تستمر بعض القيم الاجتماعية مع تغير أماكن اللقاء وأشكاله.
• يعيش المجتمع السعودي تحولًا ديموغرافيًا متسارعًا، مع انخفاض معدلات الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال، وتقدم عمراني غير مسبوق. من منظور علم الاجتماع السكاني، كيف تقرئين التفاعل بين هذا التحول الديموغرافي والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المملكة؟ وما أهمية الوعي المجتمعي بهذه التحولات في رسم سياسات مستقبلية تستجيب لاحتياجات البنية السكانية الجديدة؟
في الحقيقة، يعيش المجتمع السعودي اليوم مرحلة تاريخية من التحول الديموغرافي المتسارع، وهي مرحلة لا تعكس مجرد تغير في الأرقام والإحصاءات السكانية، بل تشير إلى إعادة تشكيل عميقة للبنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع السعودي داخل المملكة. وبوجه عام، لا تنفصل الديموغرافيا في علم الاجتماع السكاني عن التغيرات الثقافية والاجتماعية، وكل تغير في حجم الأسرة أو متوسط الأعمار هو انعكاس لتغير في القيم والسلوكيات.
وحين نتأمل المشهد السكاني في المملكة من زاوية سوسيولوجية، نجد أن ما تواجهه من انخفاض الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال، أي أقل من 2.1 طفل لكل امرأة، يرتبط مباشرة بجملة من العوامل، لعل أبرزها: التمكين الاقتصادي والتعليمي للمرأة السعودية، وتأخر سن الزواج، وتنامي نمط «الأسرة النووية»، التي تتكون من الوالدين والأطفال، على حساب «الأسرة الممتدة». ويُضاف إلى ذلك أن القيمة الاجتماعية للطفل تغيرت من كونه مصدرًا لـ«العزوة» والسند العددي، إلى التركيز على جودة الحياة والاستثمار في التعليم والرفاه الاجتماعي.
ولا تقتصر المسألة على تلك العوامل، بل إن الانتقال السريع نحو المدن الكبرى، كالرياض وجدة، أو إلى المشروعات الحضرية الجديدة مثل نيوم، غيّر من طبيعة العلاقات الاجتماعية؛ إذ عززت الهجرة الداخلية التمدد العمراني المتسارع، وخلقت أنماطًا من الحياة السريعة الموجّهة نحو الاستهلاك والإنتاجية، الأمر الذي أدى إلى تقليل حدة الضغوط الاجتماعية التقليدية التي كانت تدفع نحو الإنجاب المبكر وكثرة الإنجاب.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن المجتمع السعودي لا يزال حتى الآن شابًا في مجمله، غير أن انخفاض الخصوبة، مع تحسن الرعاية الصحية، يعني أن الاهتمامات المجتمعية ستنتقل مستقبلًا من قضايا الشباب والتعليم الأساسي إلى قضايا المتقاعدين، والرعاية الصحية المتقدمة، والاستقرار الاجتماعي للمسنين.
أما ما يتعلق بأهمية الوعي المجتمعي بهذه التحولات وحتمية إدراك المجتمع لطبيعة البنية السكانية الجديدة، فذلك أمر تقتضيه مصلحة الجماعة، وهو محرك رئيس في رسم سياسات مستقبلية مرنة ومستدامة، يمكنها مواجهة تحدي تناقص العائد الديموغرافي، من خلال دعم سياسات التحول نحو اقتصاد المعرفة والأتمتة والذكاء الاصطناعي، بما يحقق إنتاجية نوعية عالية.
وفي سياق موازٍ، فإن الوعي المجتمعي بالتغير الوشيك في هرم الأعمار ربما يدعم تقبّل سياسات قد تشمل ابتكار حلول سكنية تناسب كبار السن، وتطوير مفهوم الرعاية المنزلية، بدلًا من الاعتماد التقليدي الكامل على الأسرة الممتدة التي باتت تتقلص. وفي الوقت نفسه، فإن البنية السكانية الجديدة تتطلب مدنًا ذكية وصديقة لكبار السن وللأسر الصغيرة، والوعي بهذه الاحتياجات ربما يوجّه المخططين وصناع القرار إلى بناء شقق سكنية أصغر حجمًا، وتوفير وسائل نقل عامة متطورة، وتصميم مساحات عامة تدمج كبار السن في الحياة اليومية.
وفي رأيي، فإن التحول الديموغرافي في السعودية مؤشر نضج تنموي، والتفاعل الذكي معه يتطلب الانتقال من عقلية إدارة مجتمع شاب وفير العدد إلى عقلية إدارة مجتمع مستقر يتمتع بجودة حياة عالية، حيث يصبح رأس المال البشري النوعي هو المحرك الأساسي للاستدامة.
• ناقش المركز الوطني للدراسات الاجتماعية أثر العالم الرقمي في تماسك الأسرة والقيم. من منظور علم اجتماع السكان، هل نحن أمام تراجع كمّي في حجم الأسرة، أم تحول نوعي في وظائفها؟ وكيف ينعكس ذلك سكانيًا؟
في الواقع، تطرح هذه المسألة أحد أكثر الأسئلة الحيوية عمقًا في تشخيص واقع الأسرة السعودية المعاصرة، لكن دعني أولًا أشيد بالدور الرائد والجوهري للمركز الوطني للدراسات الاجتماعية، الذي لا يألو جهدًا، منذ تأسيسه وحتى اليوم، في رصد الظواهر الاجتماعية المستجدة في المجتمع السعودي ودراستها ميدانيًا ونظريًا، ثم تقديم توصيات تستند إلى نتائج علمية يمكن الإفادة منها في صنع السياسات والقرارات الاجتماعية، كما هو منصوص عليه في التعريف الرسمي للمركز ومهامه واختصاصاته.
وعمومًا، فنحن اليوم لا نعيش في المملكة مفاضلة بين تراجع كمّي وتحول نوعي، بل نشهد متتالية سوسيوديموغرافية، وهي سلسلة متتابعة من الأحداث أو المراحل التي يمر بها الفرد أو المجتمع عبر مسارات الحياة المتتالية، منظورًا إليها من زاوية المتغيرات الاجتماعية والسكانية. ومما يجزم به علم اجتماع السكان أن التحول النوعي في وظائف الأسرة يقود بالضرورة إلى انكماش كمّي في حجمها، وهو ما يعيد تشكيل الخريطة السكانية برمتها.
وتاريخيًا، كانت الأسرة السعودية وحدة اقتصادية واجتماعية متكاملة، تُنتج الرعاية، وتصوغ القيم، وتوفر التسلية والتنشئة. أما اليوم، فبفعل الفضاء الرقمي وعصر التسارع التقني، لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للقيم أو المرجعية السلوكية، بل نافستها الخوارزميات والمجتمعات الافتراضية.
ولتوضيح هذه النقطة الأخيرة، يكفي أن نعرف أنه، في ظل العالم الرقمي المعاصر، لم يعد التفكير مقتصرًا على إطعام الطفل، بل امتد إلى توفير بيئة تعليمية وتقنية متقدمة، تمكّنه من المنافسة محليًا وعالميًا؛ وبالتالي قد يدفع هذا الأمر الأسر تلقائيًا إلى تقليل عدد الأطفال مقابل زيادة الاستثمار فيهم.
ومن جهة أخرى، فقد رفع الانغماس في الفضاء الرقمي وسوق العمل من قيمة تحقيق «الذات الفردية» لدى الشباب والفتيات على حد سواء؛ مما أدى إلى تقليص سنوات الإنجاب المتاحة داخل مؤسسة الزواج، ومن ثم انخفاض معدلات الخصوبة الكلية. ومع ذلك، لا تزال مستويات الخصوبة في المملكة مرتفعة إذا ما قورنت بالمستويات العالمية.
• كيف يمكن توظيف «الابتكار الاجتماعي» لمواجهة العزلة الاجتماعية الناتجة عن الهجرة الداخلية؟ وهل يسد الابتكار الرقمي هذه الفجوات، أم يعمّقها حين يصبح بديلًا عن العلاقات المكانية الحقيقية؟ وما دور المجتمع في ذلك؟
عندما نناقش الهجرة الداخلية إلى المدن الكبرى، كالرياض أو جدة أو الدمام مثلًا، فإننا لا نتحدث عن انتقال جغرافي فحسب، بل يمتد الحديث إلى كيفية حماية هذا المقيم الجديد من العزلة الاجتماعية، التي تنشأ عادةً من تقلص شبكات الزيارات والدعم التقليدية، واختلاف أنماط الحياة، وضعف الانتماء إلى المكان الجديد، والافتقار إلى أدوات بناء رأس مال اجتماعي في المجتمع الجديد.
من وجهة نظري، فإن الابتكار الاجتماعي في هذا السياق هو إعادة تصميم للفضاءات الاجتماعية التي تسمح بتبادل الخبرات، ومن الممكن أن يقدم حلولًا جديدة تعتمد على إشراك المجتمع نفسه في صناعة الحل، وذلك من خلال تصميم تطبيقات، أو صياغة سياسات، أو إطلاق مبادرات محلية، تُعنى بالإسهام في خلق مساحات تفاعل جديدة، تتيح للمهاجرين الجدد بناء شبكات اجتماعية تحوّل المهاجر من فرد معزول إلى عضو فاعل في شبكة اجتماعية حضرية مرنة.
إضافة إلى ما سبق، لا ينبغي أن يُحصر دور الابتكار الاجتماعي في مجرد تقديم خدمات منفصلة للمهاجرين الجدد، بل يجب أن يسعى إلى إشراك المهاجرين والسكان الأصليين معًا في ابتكار حلول لقضاياهم وقضايا أحيائهم وتصميمها؛ مما يخلق شعورًا مضاعفًا بالانتماء والاندماج المجتمعي، مع ربطهم تدريجيًا بالمجتمع الأوسع لتجنب الانعزال، وذلك من خلال مراكز الأحياء والجمعيات والجامعات.
أما عن سؤال: هل يسد الابتكار الرقمي الفجوة أم يعمّقها؟ فهذا سؤال يمثل جوهر المعضلة الحضرية المعاصرة. ورأيي المتواضع في هذه المسألة ينطلق من التفريق الحاسم بين الاتصال والتواصل. فلا يمكننا إنكار أن التطبيقات الرقمية والمنصات التفاعلية تُعد طوق نجاة للوافد الجديد أو المهاجر الجديد في أيامه الأولى؛ فهي تمنحه شعورًا بالأمان عبر بقائه على صلة بعائلته وبيئته الأصلية، كما تتيح له التعرف على مجتمعات ذات اهتمامات مشتركة داخل مدينته الجديدة، لم يكن ليعثر عليها بسهولة من دونها. لكن، في المقابل، قد يتحول هذا الابتكار الرقمي إلى فخ حقيقي عندما يُستعاض عن القرب المكاني الحقيقي بحضور زائف خلف شاشات رقمية، وأجواء افتراضية لا حس فيها ولا نبض. لذا، فإن قناعتي الراسخة هي أن العزلة لا تعني غياب الرسائل وتعذر الاتصال، بل غياب اللمسة الإنسانية والتواصل المباشر ولغة الجسد والتفاعل التلقائي غير المبرمج الذي يبني الثقة العميقة بين البشر.
وهنا يأتي دور المجتمع في فتح دوائر التعارف أمام أشخاص جدد، ودعوتهم إلى المشاركة، وإعطائهم دورًا في الأنشطة المشتركة. ويمكن أن تظهر معاني الضيافة والترحيب في صور تناسب حياة المدينة. والهدف هو تهيئة ظروف تسمح للعلاقات بأن تنمو تدريجيًا، حتى يجد المنتقل إلى المدينة أشخاصًا يعرفهم، وفرصًا يشارك فيها، ومكانًا يشعر بأنه جزء من حياته.