أبدى بعض الأكاديميين السعوديين امتعاضهم الشديد من التسميات غير العربية التي استشرت في المرافق العامة والمشاريع، لا سيما المشاريع التي لها ارتباط بتراثنا وهويتنا السعودية. ولعل من أشهر المواقف قضية سوق الزل التي اضطلع بها الدكتور سعد البازعي والدكتور عبدالله الرشيد؛ حيث استجابت الجهات المعنية، مشكورةً، لهذه الأصوات المهمة التي لاقت تأييدًا كبيرًا من عامة الناس ومن كل الطبقات الثقافية، لتغيير الاسم إلى اسم عربي يمثل هويةً نعتز بها، ونبذل قصارى جهدنا في الحفاظ عليها، وزرعها في وجدان الجيل الذي يعاني من وطأة العولمة وحرب الهوية.
وفي إحدى المرات التي نشر فيها الدكتور عبدالله الرشيد ملاحظةً يستاء فيها من موقف مشابه، تجرأت وأرجعت قدرًا كبيرًا من مسؤولية الحفاظ على لغة التعبير إلى الجامعات وأقسام اللغة العربية والآداب فيها خاصةً؛ فهذه الأكاديميات هي التي تُصدّر للمجتمع خبراء اللغة وعلماءها الذين يثق بهم المجتمع، بل يعدّهم مرجعيات لكل قضية لغوية وأدبية، وهي التي يُنتظر منها أن تكون الحصن المكين للغة والأدب.
وربما كنت أكثر جرأة حين حمّلت تلك الجامعات مسؤولية ما ينعكس على المجتمع من عجمة وابتعاد عن اللغة الصحيحة، فضلًا عن الفصيحة، وعزوت ذلك إلى أساليب النقد التي تنتهجها الجامعات، ودورها في ابتعاد الدارس عن الذوق العربي الأصيل الذي سينعكس حتمًا على ممارسته للتعبير ودوره في المجتمع؛ فعالم اللغة الذي يستنكر العجمة في أسماء المطاعم والمقاهي هو ذاته الذي يُصدّر للمجتمع شعرًا كُتب على الطريقة الفرنسية على أنه نموذج أعلى للتعبير عن الذات، وهو ذاته الذي يقلل من طريقة التعبير العربية العريقة، ويسمها بالترهل وعدم المناسبة للحاضر المتمدن!
أسماء الأماكن والمطاعم والمقاهي، وكل ما نراه من حولنا، هي تعبير عن الذات، ولا يعبّر الإنسان عن ذاته إلا بلغة يحترمها. واللغة أكبر من كونها ألفاظًا يختار المرء منها ما يناسبه، بل هي تراكيب وسياقات تُزرع في ذهن الإنسان زراعةً متأنيةً، لتثمر تعبيرًا أصيلًا نابعًا من روحه المتصلة بأسلافه!
ونحن في المجتمع السعودي، وفي هذه الفترة التي يبرز فيها أحد أهم أهداف القيادة، وهو الحفاظ على الهوية السعودية، وإعادة ما فُقد منها، وتخليصها مما علق بها من شوائب، قد نجحنا في أكثر من مجال؛ فطراز العمران السعودي بدا بهيًّا زاهيًا في الكثير من المرافق، بل أُنشئت مدن على هذا الطراز حتى أصبح نمطًا عمرانيًّا يُفتخر به، وفي مجال الأزياء والمظاهر الاجتماعية، بل حتى في مجال الطبخ والأكلات الشعبية.
ولكننا ما زلنا نعاني على الصعيد اللغوي من بُعد عن الهوية وعدم قناعة بها؛ فلم تستطع الهيئات المسؤولة عن اللغة إثبات الهوية اللغوية السعودية حتى الآن. ورغم الجهود العظيمة من وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها، فإن النتائج ما زالت دون المأمول؛ لأن الجهة الأهم في هذا المجال هي ذاتها تعاني مما يقيّد جهودها في نشر الهوية اللغوية التي تنطلق من لهجاتنا السعودية التي تحتفظ بالكثير والكثير من أصالة لغة أجدادنا الجاهليين الذين أبهروا الدنيا ببيانهم وبلاغتهم.
ونحن في هذا الصراع مع العولمة ومقاومة ذوبان الهوية، ننظر إلى الجامعات ومراكز البحث الأكاديمي على أنها الملجأ الآمن والحصن الحصين الذي ننتظر منه الوقوف في وجه كل دعوة إلى العجمة ونعرة للتغريب.
وهنا تقع على الجامعات ومراكز الأبحاث مسؤولية تتجاوز تكرار الدعوة إلى الاعتزاز بالعربية والاحتفال بها كل عام؛ إنها مطالبة بدراسة أثر المناهج الدراسية والنقدية التي تتبناها في الذائقة والكتابة: ما نصيب النصوص العربية من القراءة المتأنية؟ وكيف يتدرّب الدارس على إدراك جمالها؟ وكيف تربط الدارس بهويته السعودية العربية الضاربة في التاريخ؟ وإلى أي حد تستطيع أدوات التقويم المستخدمة أن تفسّر خصائصها؟ ثم كيف ينعكس ذلك كله على لغة الخريج وإبداعه؟
ويحتاج الجواب إلى بحوث تتتبّع المناهج ونتاج الطلاب، وتقارن بين طرائق التعليم وآثارها، حتى نعرف حجم الخلل وأسبابه. ولا بد أن نطرح السؤال الأهم في هذه القضية: هل يخرج الدارس من الجامعة معتزًّا بلغته، ومحترمًا لطرائق التعبير بها، أم يراها كأحفورة مكانها زجاجة محكمة الإغلاق على رف أنيق في المتاحف؟
ولعل أكثر ما يتّصل بذلك مسؤولية النقد الأكاديمي في تكوين الذائقة وصناعة التعبير. فقد اتّجه جانب من الدرس الأدبي إلى العناية بالمذاهب الغربية، واستعارة مقاييسها للحكم على جودة النصوص، حتى أصبح الشعر العربي في بعض القراءات مطالبًا بأن يحقّق شروطًا نشأت من تجارب أدبية وفلسفية مغايرة لتجربته.
وحين تتحوّل هذه المقاييس إلى مرجعية تكاد تستأثر بالتقويم، تتراجع معرفة الدارس بأصول البيان العربي، ويضعف تمرّسه بالنظم والتصوير والإيقاع وطرائق بناء المعنى، وقد يخرج من دراسته قادرًا على شرح المصطلح النقدي، وهو أقلّ قدرة على تذوّق بيت من الشعر العربي، أو إدراك سرّ جودته، أو إنشاء خطاب عربي واضح الدلالة، قويّ الحجة، حسن التأثير.
ويمتدّ أثر هذا التكوين من قراءة الأدب إلى كتابته؛ فالذائقة التي نتعلّم بها الإعجاب هي نفسها التي توجّه محاولاتنا في الإبداع. وحين ينشأ الكاتب على أنّ القيمة الأدبية مرهونة بموافقة نموذج غربي، قد تصبح مفرداته عربية، بينما تتشكّل عبارته وصوره وطرائق انتقاله بين المعاني بمحاكاة ذلك النموذج.
ولمعجم كل لغة تاريخٌ من العلاقات بين الألفاظ والمعاني، ومن أساليب الإفصاح والإيحاء، لا يكتسبه الكاتب إلّا بطول الصحبة لنصوصها. ومن هنا تأتي الخشية من كتابة تحتفظ بعربية الكلمات، وتضعف صلتها بخصائص التعبير العربي وذاكرته الجمالية.
وحين يحظى هذا الاتجاه بالنفوذ في التعليم والنشر والتقويم، يتهيّأ له أن يعيد إنتاج نفسه؛ فيصبح الأسلوب المحاكي معيارًا للتجديد والحضارة، وتضيق فرص الأساليب المتّصلة بالبيان العربي، أو توصف بالقِدم لمجرّد اختلافها عنه. وهذه دائرة تستحقّ الفحص؛ لأنّ استمرارها قد يحرم الأجيال من معرفة طرائق واسعة في التعبير عن ذواتها، ويجعلها تتطلّع إلى صورتها في أدب الآخرين قبل أن تحسن اكتشافها في لغتها وتجربتها!
ولو نظرنا إلى الثقافة اللغوية الممتدة امتدادًا طبيعيًّا من عصرنا ولهجاتنا إلى عصر العربية الأولى ما قبل الإسلام، ونظرنا كيف نشابههم في اختيار أسماء الشوارع والأحياء والتعبير عن الذات، كما كانوا يعبّرون عن ذواتهم وينتقون أسماء الجبال والأودية والمدن والقرى، لوجدنا أن هذا التشابه يقودني إلى التنبيه إلى أمر في غاية الأهمية، ولا أشك في أن الأكاديميين المهتمين بالنقد وصناعة الهوية اللغوية لن يغفلوه.
فحين نجد نصًّا شعريًّا كتبه أحد أجدادنا الجاهليين قبل خمسة عشر قرنًا يشبهنا ويعبّر عن ذواتنا أكثر من نص كتبه شاعر معاصر أفرزه الجو الأكاديمي، فهذا مؤشر خطير يشير إلى أن الوسط الأدبي بدأ ينحو منحًى غريبًا عن ذائقتنا المرتبطة بالهوية التي نتشبث بها جميعًا.
وأقول بكل ثقة: إن المنهج النقدي الذي أفرز طريقة التعبير التي تشبه المجتمع وتعبّر عنه أولى بالعناية والاتباع من مناهج أفرزت طريقة تعبير لا تشبهنا ولا تربطنا بهويتنا. ولكم نحن بحاجة ملحّة إلى بعث ذلك المنهج وإعادة دراسته، لنطوّر أدواته ليكون قادرًا على الإنتاج بروح العصر وعمق الهوية.
وبما أن الشعر هو أدق وسيلة للتعبير عن الذات وأكثرها خصوصية لكل أمة، وبما أنه هو المتأثر الأكبر بما تُصدّره الجامعات من عجمة، فلا بد أن يمتد التأثير إلى كل مظاهر الحياة، وأن تطغى العجمة أكثر مما نتخيل.
وسيرى الدكتور الفاضل الكثير مما يزعجه غير مسمّى يُمهر على لوحة مطعم أو مقهى!
** **
- مفلح البلوي
X: @abuyaara