الثقافية - متابعة:
غيّب الموت مساء الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م الشاعر والمفكر محمد العلي «أبو عادل»، عن عمر ناهز 94 عاماً، بعد مسيرة أدبية وفكرية وتربوية امتدت نحو سبعة عقود، جمع خلالها بين كتابة القصيدة والمقالة، والعمل في التعليم والصحافة، وأسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي، ومواكبة تحولاته وأسئلته وقضاياه.
وبرحيله، تستعيد الأوساط الثقافية تجربة أحد أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة، ممن ارتبطت أسماؤهم بالتجديد، والانفتاح على المعرفة، ومساءلة المفاهيم، والبحث عن آفاق أرحب للتعبير. وقد تجاوز حضوره حدود القصيدة إلى الكتابة الفكرية والنقدية، فترك منجزاً تتجاور فيه حساسية الشاعر وتأملات المثقف، ويحتل السؤال فيه موقعاً أساسياً.
وتوالت كلمات الوفاء التي استذكرت الراحل، كاشفة عن وجوه متعددة من تجربته؛ فإلى جانب مكانته الشعرية والفكرية، حضرت صورته معلماً وصديقاً وأباً معنوياً لأجيال، ومثقفاً يتسع للاختلاف، ويحتفي باستقلال الأصوات الجديدة. واستعاد كتاب وشعراء مواقف شخصية وذكريات قراءة وصحبة، أضاءت أثره في حياتهم ووعيهم ومساراتهم الإبداعية.
الغذامي: محبة لا يفسدها الاختلاف
واستذكر الناقد الدكتور عبدالله الغذاميمكانة العلي وأثره في أجيال من المثقفين، وكتب عبر حسابه في منصة «إكس»: «فقدنا هرماً شامخاً عمّر ثقافتنا لعقود منذ السبعينات شاعراً وناقداً وأباً معنوياً لأجيال من الشعر والوعي والوطنية»، مستحضراً امتداد حضوره في الحياة الثقافية، وما مثّله من مرجعية أدبية وإنسانية.
وتوقف الغذامي عند علاقته بالراحل، وما جمعهما من صداقة وما وقع بينهما من اختلاف، واصفاً إياه بأنه كان وفياً وصافياً في محبته، وخصماً شريفاً في مخالفاته. وأشار إلى أن الخصومة لم تفسد الود بينهما، مستعيداً جانباً من أخلاق العلي في علاقاته، وقدرته على صون المحبة مع اختلاف المواقف.
وتمنح هذه الشهادة صورة للعلي تتجاوز حدود المنجز المكتوب؛ إذ تستحضر أثر الصحبة والحوار، وما يبقى من احترام بين المثقفين حين تتباين الرؤى. كما تضع إلى جانب ريادته الشعرية مكانته لدى أجيال وجدت فيه حضوراً معرفياً وإنسانياً، وارتبطت به عبر القراءة والنقاش والتجربة الثقافية المشتركة.
الشريان: جمال العبارة يقود إلى الفكرة
من جانبه، أكد الكاتب والإعلامي داود الشريان، عبر حسابه في «إكس»، أن العلي كان شاعراً كبيراً وناثراً كبيراً أيضاً، موضحاً أن بلوغ الشاعر منزلة رفيعة في الشعر لا يعني بالضرورة أن يوازيها نثره، بينما استطاع «أبو عادل» أن يجمع المكانتين، ويمنح كتابته النثرية عذوبة الشعر وعمق الرؤية الثقافية.
ورأى الشريان أن مقالات العلي تتميز بقدرتها على إثارة الأسئلة، وأنه يتحرر فيها من دور المعلم، وهي عنده صفة من صفات المبدعين. وأشار إلى أن جمال عبارته يأخذ القارئ إلى الفكرة، ثم تظل الفكرة تحرضه على السؤال بعد انتهاء القراءة، بما يمنح النص أثراً يتجاوز لحظة تلقيه.
وتوقف عند قصيدة «آه متى أتغزل»، التي يخاطب فيها العلي أبا الطيب المتنبي، مستشهداً بقوله: «وأغمدت جرحك بالشعر لكن ما عندنا كيف يغمد». وقرأ فيها مقابلة بين جرح المتنبي ووجع الحاضر، واستدعاءً للشاعر القديم للتأمل في حدود القصيدة، وما تستطيع أن تقدمه لصاحبها في مواجهة ألمه.
وأشار الشريان إلى أن العذوبة في شعر العلي ونثره رافقها كرم ثقافي وشجاعة، وأنه كان يسعد بتجاوز الأبناء للآباء، ويسمي ذلك «العقوق الإيجابي». ورأى أن الرائد الذي يشجع الأجيال الجديدة على تجاوزه يمنح المستقبل حقه، ويترك لتجربته فرصة الحياة في تجارب تختلف معها وتذهب أبعد منها.
وخلص إلى أن استقلال القادمين يكشف سر ريادته، وأن فرحه بتجاوزهم له يفسر استمرار أثره، مستذكراً ما تركه من جمال النص وقلق السؤال. وبذلك جمعت شهادته بين قراءة خصائص الكتابة عند العلي، واستعادة موقفه من التجديد بوصفه ممارسة تتجدد مع الأجيال، ولا تقف عند حدود تجربة صاحبها.
القشعمي: أثر لا تمحوه الأيام
وفي كلمة وفاء، عبّر الأستاذ محمد القشعميعن حزنه لرحيل العلي، مؤكداً أنه لم يكن بالنسبة إليه مجرد صديق، بل أباً روحياً ورفيق فكر وإنساناً ترك في حياته أثراً لا تمحوه الأيام. واستعاد مكانته الشخصية لديه، وما أودعته تلك العلاقة في ذاكرته من مواقف، وفي قلبه من محبة وامتنان.
ورأى القشعمي أن قيمة الراحل لا تُقاس بطول الصحبة، ولا يمكن اختصارها في الكلمات، وإنما تتجلى فيما يمنحه للآخرين من معرفة ومعنى وأثر طيب. وتوجه إليه بكلمات تستحضر ما جمعهما من ود وتقدير، مؤكداً أنه سيظل حاضراً في وجدانه بما تعلمه منه، وبما أضافه إلى حياته.
وأكد أن الوفاء للعلي سيبقى ما بقي في العمر متسع للذكرى والدعاء، مقدماً تعازيه إلى كل من عرفه وأحبه. ودعا له بالرحمة الواسعة والمغفرة، وأن يجزيه الله خير الجزاء عن علمه وخيره وأثره، في شهادة غلب عليها صوت الصديق الذي يستعيد خسارته الشخصية ومكانة الراحل في نفسه.
الصحيح: منجز للأجيال القادمة
ووصف الشاعر جاسم الصحيح، عبر حسابه في «إكس»، الراحل بأنه رائد الحداثة الشعرية في المملكة، وقامة فكرية ونقدية عالية، مؤكداً أنه ترك وراءه إرثاً عظيماً من منجزاته الأدبية والثقافية للأجيال القادمة. واستحضر رحلته الطويلة في ميادين الكتابة، وما أسفرت عنه من عطاء يتصل بمستقبل الثقافة وقرائها.
وأعرب الصحيح عن حزنه لرحيله، مقدماً تعازيه إلى أسرته والأسرة الأدبية في المملكة والوطن. وركزت كلمته على اجتماع الريادة الشعرية والمكانة الفكرية والنقدية في تجربة العلي، وعلى بقاء المنجز بعد غياب صاحبه، ليكون متاحاً لأجيال جديدة من المبدعين والباحثين والمهتمين بالأدب السعودي وتحولاته.
زولي: صوت القصيدة في الذاكرة
واستعاد الشاعر إبراهيم زولي أثر العلي في تجديد اللغة الشعرية، وفتحها على قلق السؤال ودهشة الرؤيا، مستذكراً استماعه إلى قصيدته «لا ماء في الماء» مسجلة على شريط «كاسيت» أواخر الثمانينيات الميلادية. وتوقف عند صوت الشاعر وهو يقدم نصه بعبارة «هذه رشوة صغيرة للخليل بن أحمد»، ثم يمضي في إنشاده.
ونقل زولي من القصيدة: «وتقولين لي سحائبك البكر / ظماء إلى عناق الصحاري»، مستعيداً تجربة الإصغاء إلى النص بصوت صاحبه، وما تركته في ذاكرته. وقد حضرت القصيدة في شهادته بوصفها صلة شخصية بالراحل، وواحدة من العلامات التي ارتبطت باسمه وتجربته لدى قرائه ومحبيه.
كما أشار إلى مواكبته كتابات العلي عبر زاويته الثقافية «وقوفاً بها» في مجلة «اليمامة»، وما كانت تتيحه من أفق فكري يشتبك مع الوعي ويستنطق المستقبل. ورأى أن غياب الشاعر يطوي فصلاً من فصول التنوير والجمال، فيما يبقى ماء قصيدته متدفقاً في الذاكرة، عصياً على الانحسار.
فوزية أبو خالد: رفقة الشعر والثقافة والوطن
واستحضرت الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد مكانة العلي الشعرية والفكرية والوطنية، واصفة إياه بـ«أستاذ الأساتذة»، لما جمعه من شعر حديث ومعرفة تراثية وفكر مجدد مستنير. وأكدت اتساع انتمائه إلى الوطن بكل امتداداته، مستذكرة فيه الشاعر والمفكر والصديق، وما يمثله رحيله من فقد للمشهد الثقافي.
وقالت إن غيابه أعاد إليها ألم رحيل الشاعر علي الدميني قبل أربع سنوات، مستحضرة ما جمعهما من رفقة شعرية وثقافية ووطنية. وقدمت تعازيها إلى أسرة العلي وأبنائه وبناته وأحفاده، وإلى الشاعر أحمد العلي، جامع بعض أعماله، وإلى الشعراء والكتاب والمثقفين في المملكة والعالم العربي، ودعت للراحلين بالرحمة.
القرني: إرث يستحق الدراسة
وأكد الأستاذ حسن القرني، عبر حسابه في «إكس»، أن العلي أحد أهم رواد الحداثة والقامات الفكرية والأدبية والثقافية، وأنه ترك إرثاً سيعكف عليه المختصون والمهتمون أعواماً طويلة بالدراسة والفحص. واستذكر هدوءه ومحبته، معبّراً عن استمرار حضوره بقوله: «سيبقى خالداً ما خلدت الفكرة والقصيدة والإنسان».
تأبين مؤسسة «نخيل عراقي»
وفي سياق التفاعل مع رحيله، أشار الشاعر زكي العلي إلى تأبين مؤسسة «نخيل عراقي» للأديب والشاعر السعودي، مستعرضاً عدداً من مؤلفاته الشعرية والفكرية، وداعياً له بالرحمة وحسن المآب. وتضاف هذه الإشارة إلى شهادات استحضرت منجزه، وأعادت تداول عناوين كتبه، وما تركه من كتابة تتوزع بين الشعر والفكر والنقد.
من الأحساء إلى التعليم والصحافة
وُلد محمد العلي عام 1932م في العمران بمحافظة الأحساء، وتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. ثم انتقل مع والده إلى النجف بالعراق لمواصلة تعليمه، وتخرج في كلية الفقه عام 1962م، قبل عودته إلى المملكة عام 1964م، وبدء مرحلة عمله التربوي.
واستهل مسيرته المهنية مدرساً في ثانوية الدمام عام 1965م، ثم انتقل إلى إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية، وقضى نحو تسعة عشر عاماً في الميدان التربوي. كما عمل مشرفاً تربوياً بالهيئة الملكية بالجبيل بين عامي 1986 و1993م، جامعاً بين مهامه المهنية واهتماماته الأدبية والفكرية وكتابته المتواصلة.
وفي الصحافة، تولى رئاسة تحرير صحيفة «اليوم» لمدة عامين، وعُرف بزاويته «كلمات مائية»، التي تناول فيها قضايا أدبية وفكرية. وإلى جانب تجربته في التعليم، أتاحت له الكتابة الصحفية مساحة للحوار مع القراء، وطرح تساؤلاته ومناقشة المفاهيم التي شغلت تجربته، وحضرت لاحقاً في مجموعات من مقالاته وكتبه.
مؤلفات وتكريمات
وترك الراحل مؤلفات، من بينها ديوان «لا ماء في الماء»، وكتب «كلمات مائية»، و«هموم الضوء»، و«درس البحر»، و«نمو المفاهيم: تساؤلات وآراء في الوجود والقيم»، و«البئر المستحيلة: محاولات لتجاوز السائد في الثقافة والمجتمع»، و«حلقات أولمبية: مقالات في قضايا التنوير والحداثة»، و«لا أحد في البيت».
وحظيت تجربته باحتفاء المؤسسات الثقافية والأدبية؛ فحملت الدورة الأولى لمهرجان بيت الشعر بالدمام اسمه عام 2015م، وفاز عام 2022م بجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي في فرع «التجربة الشعرية»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته.