«أنا والذينَ على (ثُغُورِكَ) عَسْكَرُوا
سِيَّانِ؛ يصهرُنا بكَ الإيمانُ
كُلٌّ يُهَيِّئُ للفِدَاءِ سِلَاحَهُ
ولَدَيْهِ من أفكارِهِ ميدانُ
فـأَخِي على (ثغرِ) القِتَالِ مُرَابِطٌ
حيثُ الرِّباطُ قنابلٌ ودُخانُ
وأنا على (ثغرِ) الجَمَالِ قصيدةٌ
تَحمِيكَ حين يَخُونُكَ الغربانُ»
صوّر الشاعر جاسم الصحيح رباط الشعر والفن، فهما سيان مع رباط السلاح وحراسة الثغور، فلكلٍّ منهما سلاحه الفتّاك وميدانه، ومن هنا يقف الشعر جنبًا إلى جنب مع الجيش والسلاح؛ يحمل الجندي أمانة الأرض، ويحمل الشاعر أمانة معناها في القلوب، هذا يسهر عند الثغر، وذاك يبعث في النفوس يقظةً تحفظ للثغر مكانته، وبينهما من الوفاء صلةٌ تجعل القصيدة تبلغ موقع الحراسة، فيسمعها الجندي، ويعلم أن وراءه قلوبًا تستودع الله خطاه، وأن تعبه محفوظٌ في ذاكرة أهله، وأن الوطن الذي يحرسه يذكره.
إن المتأمل للوضع الراهن الذي تمر به المملكة العربية السعودية، يلحظ جيشًا اتخذ من منصات التواصل الاجتماعي درعًا يدافع بها عن الوطن، فجهز ترسانته اللغوية، واستدعى شعراء الوطن، يهبون لنصرته، بكلماتهم الرنانة، وشكلوا جيشًا يضع الحجة تلو الحجة ولا يوجد أفصح من حجة الشعر، والمدهش أن الأزمة كشفت حجم ثروتنا التي تضاهي ثروة النفط، أنها ثروة الشعراء، وترسانة من الشعر والشعراء لا مثيل لها في الوطن العربي، إنه سلاح ضارب في أرض المعركة.
وفي شعر الحماسة لدى الشعراء السعوديين امتدادٌ لمعانٍ عرفها تراثنا الشعري؛ من استنهاض العزائم، والإشادة بالبطولة، والاعتزاز بالأرض وأهلها، وتتجلّى بعض هذه الصلات في الموازنة بين أبي تمام وخلف بن هذال؛ فقد قال أبو تمام في قصيدته في فتح عمورية اقتبس منها:
«السيفُ أصدق إنباءً من الكتبِ
في حدّه الحد بين الجد واللعب
إلى أن يقول:
بَصرت بالراحة الكبرى فلم ترها
تُنال إلا على جسر من التعبِ
فبين أيَّامك اللاتي نُصرت بِها
وبين أيام بدر أقرب النسبِ»
وبين أبي تمام وخلف بن هذال صلةٌ يعقدها الإيمان بالفعل؛ فكلاهما ينظر إلى الميدان بوصفه الموضع الذي تُختبر فيه الأقوال، وتنكشف فيه أقدار الرجال، ففي قصيدة أبي تمام:
«السيفُ أصدق إنباءً من الكتبِ
في حدّه الحد بين الجد واللعب
جعل من النصر حجّةً تُبطل مزاعم المنجّمين، وردَّ إلى الوقائع حقَّ الفصل فيما تنازعته الظنون، وبعد قرونٍ، يقول خلف بن هذال:
«حنا هل الحرب والكلمة نبرهنها»
فيجعل للكلمة عهدًا، وللميدان برهانَه؛ فما يُقال في ساعة التحدّي تحمله الرجال أمانةً حتى تشهد له أفعالها.
وخلف بن هذال شاعر الوطن، بل هو شاعر ساحات الوغى، يقول بن هذال:
«بقوة الأيمان حنا هل الخيل
الألوية باسم الجهاد نعقدها
في الحرب نثبت في وجيه الأباطيل
مواقف من شافها ما جحدها
من حبنا للموت نهبل هوابيل
والنفس قبل تموت تاخذ سددها
الى أقبل المهزوم حنا المقابيل
كم وقعت شعب الجزيرة شهدها
والا نوى الا الزحف نزحف جحافيل
جحاف التوحيد في راي اسدها
بقيادة الي يركي المتن للشيل
عنا ثقيلات المحامل صمدها»
وقد أتاح الفضاء الافتراضي لقصيدة خلف بن هذال حياةً تتجدّد كلّما أعاد الناس الإصغاء إليها؛ فاتحدت الصورة مع صوت الشاعر مع وقع الكلمات، فالصوت الذي انطلق يومًا من منبرٍ محدود، في زمان محدود، صار يطرق أبوابًا لا يحصيها صاحبه، ويبلغ سامعين لم يشهدوا مناسبة القصيدة، وربما لم يكونوا قد وُلدوا حين أُلقيت، يحمل أحدهم المقطع إلى الآخر، ويستدعيه في ساعةٍ يجد فيها أنّ الكلمات القديمة قد أدركت شعوره الحاضر، كأنّ الشاعر قالها في هذا اليوم لا ذاك.
وفي هذه المقاطع تتآزر الصورة والصوت والكلمة على استثارة النفس وإشعال الحماسة؛ ترى الجندي ثابتًا في موقعه، وتبصر الراية تتحرّك فوقه، ثم يبلغك صوت خلف، بجهارته ونبراته ووقفاته، فاجتمعت في وجدانك دلالة البيت وهيبة المشهد، وربما قرأتَ الكلمات وحدها فأعجبتَ بها، فإذا سمعتَها ورأيتَ ما يصاحبها أحسستَ أنّ المعنى قد دنا منك، وأنّ بينك وبين أولئك الرجال صلةً لم تكن تستشعرها بهذه القوّة.
ولصوت خلف في هذا الإلقاء شأنٌ؛ ففي ارتفاعه عزم، وفي وقفته انتظارٌ يستجمع له السامع قلبه، وفي إشاراته ما يُتمّ معنى العبارة، وهنا يستطيع المقطع القصير أن يوقظ في النفس شعورًا يطول مقامه بعد انطفاء الشاشة.
وقصائد خلف بن هذال تنوب عن التصريح، إذ وجدنا توظيفها في منصات التواصل الاجتماعي، ومعرفة موقف صاحب الحساب من خلال قصيدة خلف بن هذال، ففي زمن الحرب تشتدّ حاجة القلوب إلى ما يجمعها؛ حتى تأتيها كلمةٌ تعرفها، وصورةٌ تألف رايتها، وصوتٌ تثق بصدق عاطفته، فتجد فيه ملتقى لشعورها، ويتناقل الناس المقطع، وكلٌّ يضيف إلى تداوله شيئًا من نفسه؛ هذا يبعثه اعتزازًا، وذاك يرسله مؤازرةً، وثالثٌ يستعين به على الإفصاح عن حبٍّ ضاقت عنه عبارته، وآخر يعبر به عن موقف، وهكذا يصير تداوله واسعًا، ولأهداف متنوعة.
ذلك بعض ما تصنعه القصيدة حين تحملها وسائل هذا العصر: يتجدّد مقامها، ويتّسع جمهورها، ويشارك متلقّوها في توجيه معناها، الذي ارتسموه، بما يختارون لها من صورٍ ومشاهد، ولعلّ أكرم ما يبلغه شعر الوطن أنه يوقظ في سامعه عزيمةً، ويرسّخ حب الوطن، ويحثُّ على الثبات.
وإن ما يثبت أهمية الشعر هو توظيف الحسابات الرسمية له، وذلك لرفع المعنويات، وإرسال رسالة النصر، والعز، والفخر، والقوة، والثبات، والاطمئنان، بلغة الشعر، وللشعر في النفس مسالك خفيّة، ورد في حساب وزارة الحرس:
«حنا ليا ثار العسام ونثرناه
نسقي خصيم الدار كاس المنية»
حمل النَّص الشعري رسالة أبلغ من التصريح، وفيها تهديد ووعيد للأعداء، وطَمأنة للشعب.
ختامًا:
إن خلف بن هذال واحد من كوكبة كثيرة من شعراء وطني، لا تستطيع مقالة حصرهم، فقد كان لكلٍّ منهم صوتٌ بلغ القلوب، وقصيدةٌ استودعها من محبّة بلاده ما أبقى لها مكانًا في ذاكرة أهلها، ولئن اقتصر الحديث هنا على خلف بن هذال، فإنّ وراء صوته أصواتًا، ومن حول قصيدته قصائد، تلتقي جميعها على الوفاء لهذه الأرض، وتنهض بالكلمة حين يدعوها واجبها.
ولأولئك الشعراء في وجدان الوطن حقٌّ يستحقّ أن يُذكر؛ آنسوا النفوس في ساعات القلق، واستنهضوا العزائم حين اشتدّت المحن، وحفظوا للأيام الجليلة صداها، وما أكرم أن يبقى للشاعر من شعره بيتٌ تستدعيه أمّته إذا احتاجت إلى الثبات والنُّهوض، وتجري به ألسنتها إذا فاضت بالاعتزاز؛ فتجد فيه، على تعاقب السنين، تجدد معناه، وكلمةً ما زالت تؤدّي مبتغاها.
يقول الشاعر مشعل بن محماس:
«سواعدنا تشمر للقا وسيوفنا جريد
بفعل ايماننا كل ٍبياخذ ماتهياله
تحت ظرف ٍمعين نقبل التخفيف والتشديد
يا ويل اللي نشددها عليه ونكرب حباله
كرامتنا يعيش ابها الرجل والا يموت اشهيد
حدا الامرين ما نرضى سواه وما حييناله»
** **
- رحمة القرشي