تخيّل أن تدخل مكتبة وتتجه إلى قسم النقد الأدبي، فتفاجأ بأن الكتب اختفت، ولم يبقَ على الأرفف إلا ورقة كُتب عليها: «إعلان: للبيع قسم نقد أدبي في إحدى أعرق الجامعات، لانتفاء الحاجة إليه، ومعه مكتبة ضخمة، ورسائل جامعية، وأعمار أُنفقت في البحث؛ تُحسب جميعها بسعر الورق المستعمل»، أحسب أن الأمر سيهولك، فتلتفت إلى البائع مذعورًا وتسأله عن هذا الإعلان الصادم، ويجيبك بكل ثقة: إن «المجدّد» أسامة المسلم قد صرّح بأن النقد ليس تخصصًا، ولكنه مجرّد وجهة نظر، فأخرج بذاك البشرية من ظلمات كانت تتخبط فيها منذ أفلاطون وأرسطو إلى يوم الناس هذا! وقد تمعّنّا في اكتشافه، فوجدنا أن الآمدي والقرطاجني وإيمانويل كانط ورولان بارت بلغ بهم الفراغ أن ألّفوا الكتب، وأقاموا المناهج، وشغلوا الناس بوجهات نظرهم؛ ولو كان فيهم خير لنفعوا أنفسهم!
والحق أن وراء هذا المشهد الفانتازي تصريحات حقيقية خرج بها علينا أسامة المسلم في لقائه مع منصة «ثمانية»، وأثار فيها جملةً من القضايا، سأتناول بعضها هنا، ولكي يكون القارئ على بيّنة مما أناقشه، فهذه أبرز القضايا التي طرحها في اللقاء: وصف نفسه بالمجدّد، وجعل المتعة أساس الرواية، ووصف النقد بأنه ليس تخصصًا، وأنه مجرد وجهة نظر، ثم احتجّ على النقاد بعدم شهرة كتبهم، وذكر أن ستين أو سبعين بالمئة ممن يتحدث عنهم من النقاد كُتّاب نشروا كتبًا لا يعرفها الناس، قائلًا: «لو فيه خير نفع نفسه» ووصف كلامهم بأنه «كلام فاضي»، كذلك استدلّ بنجاح تجربته على أثرها في القراءة، وقال إن القراءة انتشرت بين فئة عمرية «ما كانت ستقرأ».
ولنبدأ من اللقب الذي منحه لنفسه «مُجدد». وهنا أتساءل: التجديد في ماذا؟ أفي الموضوع، أم اللغة، أم بناء الزمن، أم طرائق السرد؟ كتابة رواية جديدة شيء، وأن تُجدّد فن الرواية شيء آخر؛ فقد تأتي بعنوان جديد، وشخصيات جديدة، وأحداث لم تُروَ من قبل، ثم تصوغ ذلك كله في قوالب مطروقة وبأدوات مألوفة؛ فتكون قد أضفت رواية إلى الأرفف -حتى وإن كانت ناجحة- دون أن تضيف جديدًا إلى طرائق السرد أو اللغة أو الرؤية، ولو كان الإصدار تجديدًا، لاستحق كل ما يخرج من المطبعة كرسيًا في تاريخ الأدب. ولكن لن أتعجّل ولنختبر الدعوى بمعيارين، يقول طه حسين: «وليس كل محافظة على القديم تقليدًا، ولا كل إضافة إلى القديم تجديدًا»؛ فمجرد إضافة رواية إلى الموجود لا يثبت تجديد فن الرواية. ومن شكلوفسكي نستخلص معيارًا آخر: التجديد في طريقة تقديم الأشياء بما يحرّر إدراكها من العادة. فأين التحول الذي أحدثتَه في اللغة أو المنظور أو تركيب السرد؟ أرنا شاهدًا من نصك، ومقارنةً تكشف ما تجاوزتَه؛ فهذه دعوى تحتاج إلى إثبات الإضافة الفنية، وتذكّر أن كثرة القراء لا تقوم مقام هذا الإثبات. ولهذا أنصحه بقراءة كتب النقاد الذين يهوّن من شأن اختصاصهم، لتحرير المصطلح الذي منح نفسه لقبه.
ثم ماذا؟
ثم تأتي المتعة، وأنا معه فيها؛ هو يقر بوجود فوائد للرواية، ويجعل أساسها الإمتاع؛ فلا يصح تحميله إنكار كل فائدة، بيد أن تعميم غاية واحدة على جنس تتعدد مشروعاته يحتاج إلى برهان. نعم، من حقك أن تكتب للتسلية؛ ولكن من أين جاء حقك في تحديد أساس الرواية كلها؟
ثم ماذا؟
ثم ثالثة الأثافي: النقد ليس تخصصًا، وإنما وجهة نظر! وما أشد غفلة الباحثين الذين ملؤوا المكتبات بالمناهج والمصطلحات، وكان يكفي أحدهم أن يقول: أعجبتني الرواية، ثم يذهب لشرب قهوته! لقد شقّوا على أنفسهم بتتبّع بناء الشخصيات، وتحليل اللغة، وفحص ترابط الأحداث؛ وكل هذا العناء كان يمكن اختصاره في إعجاب أو تثاؤب. وأقولها بكل حزم وصراحة: على أقسام النقد وبرامج الماجستير والدكتوراه أن تراجع أوضاعها بعد هذا الاكتشاف! لقد بالغَت في تعقيد أمر يسير، وأرهقت الطلاب بالمراجع، وأجلستهم سنوات أمام الكتب، ثم استدعت لجانًا لمناقشتهم، مع أن سؤالًا واحدًا كان يفي بالغرض: «ما رأيك؟» فإن أجاب الطالب: «لم يعجبني»، سألناه: «وكم بعت أنت؟». وهنا أسأل المسلم عن موقف سبق أن وثقتُ بعضه في كتاب «المعارك الأدبية: جدلية البعث والفناء»: حين قال: «أصبح للأدب السعودي نظرة مختلفة عن السابق.. وكنت سببًا في هذا التغيير»، ثم: «وأعتز برأي د. عبدالله الغذامي وكان منصفًا جدًّا»، لماذا استوقفه رأي الدكتور؟ ألِقيمة حجته، أم لأنه وافق ما يريد سماعه؟ والغذامي لم يكتب مجرد استحسان عابر؛ قرأ «خوف»، وربط تلقيها بمفهوم الفصحى المحكية، واستحضر تقاليد الحكي الشعبي، وميّز بين الأحكام الذوقية والمنهجية، فهل هذا أيضًا كلام بلا اختصاص؟ وإذا كانت أدوات النقد تضيف قيمة حين تنصفك، فما الذي يسلبها قيمتها حين تخالفك؟ وهل اعتراضك على فساد حجة بعينها، أم على نتيجة لم تعجبك؟ وهذا سؤال بريء عن اتساق المعيار، لا تفتيش في النيات.
ثم ما حكاية الستين والسبعين بالمئة من النقاد الذين كتبوا ولم تُعرف كتب هم؟ من أحصى هؤلاء، ومن شمله الإحصاء، وما معيار الشهرة؟ ولنفترض جدلًا أن النسبة صحيحة؛ هل اكتشفنا بذلك خطأً واحدًا في نقدهم؟ ما زلنا نحتاج منك إثبات أن قلة شهرة الكاتب تُفسد قدرته على التحليل، وهل أصبح رواج كتب الناقد شرطًا لصحة نقده، حتى نردّ حجته لأن كتبه لم تشتهر؟ فنكون عندها قد انتقلنا من فحص الكلام إلى تفتيش سجل صاحبه في الانتشار. وأما وصف اعتراضاتهم بأنها «كلام فاضي» فحبذا لو دلّنا على «الكلام الممتلئ» وهو المُجدد. وقولك: «لو فيه خير نفع نفسه»، ما حل هذه المعضلة في رأيك؟ هل نطلب من الناشر زيادة مبيعاته حتى يصبح كلامه صحيحًا؟ ألا تعلم أن الرجل قد يُخفق في تسويق كتاب، ويُصيب في كشف تناقض، وقد تتصدر أنت المبيعات وتَعجز في ذات الوقت عن دفع ملاحظته. الأمران يجتمعان، مهما أزعجك اجتماعهما، ولو صح منطقك، لأمكنك أن تردّ على دراسة كاملة بإرفاق كشف مبيعاتك؛ ويا له من فتح معرفي: تُناقَش الأدلة في المكتبات، وتصدر الأحكام من صندوق المحاسبة!
وأوافقه أن تقريب القراءة إلى الناس شيء جميل، وقد تكون رواياته مدخلًا لبعض قرائه، وهذا فضل لا داعي لإنكاره، ولكن القول إن فئة ما كانت ستقرأ لولاه دعوى سببية أكبر بكثير: كيف عرف ما كانوا سيفعلونه في غيابه؟ أين أثر الأسرة والمدرسة والمعارض والناشرين والمنصات؟ شهادة قارئ بأنه بدأ بك تثبت بداية تجربته معك؛ ولا تثبت أنك الاحتمال الوحيد الذي كان يمكن أن يفتح له كتابًا.
ختامًا أقول:
من زاوية نفسية يمكن تناول هذا التفاوت في ضوء «التحيز لخدمة الذات»؛ أي الميل إلى نسبة النجاح إلى قدرات الفرد وجهده، وإرجاع النتائج السلبية إلى عوامل خارجية، بما يحافظ على تقديره الإيجابي لنفسه؛ ففي حديث المسلم يتقدم أثر تجربته عند تفسير إقبال القراء، بينما تتقدم نقائص المعترضين عند تفسير أغلب الهجمات عليه، وقد تؤدي هذه الطريقة في الإسناد وظيفة دفاعية، بمعنى أنها تحافظ على صورة النجاح وتخفف أثر التقييم المخالف، ولا يكفي الاعتزاز بالإنجاز وحده لإثبات هذا التحيز؛ ولكن موضع الملاحظة هو اختلاف معيار تفسير التأييد والاعتراض، والمأخذ أن تفسير الاعتراض بإخفاق صاحبه أو سوداويته حلّ محل فحص مضمونه، فيصبح النقاش متعلقًا «بحال الناقد» أكثر من «سلامة نقده»، وحتى لو صح تفسير دوافعه، فإنه لا يثبت خطأ حجته.
يا أسامة، احتفظ بقرائك وبثقتك وبحقك في الاختلاف، ولكن قدّم للتجديد شاهدًا، وللإحصاء مصدرًا، ولرد النقد حجة. وأما الألقاب التي يكتبها المرء لنفسه، فأيسر ما في الأدب إعلانها، وأصعب ما فيه إثباتها.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث.