- لا يكاد موقف عباس محمود العقاد يختلف كثيرًا عمَّا سبق القول به حال النظر إلى مجمل القصص، ومنها قصص «جي دي موباسان»، حيث يُلاحظ في أثناء عرضه لحياة هذا القصَّاص، بالاعتقاد أنَّ حياته القصيرة قد هيأت له في نشأته، وأعماله، وهواياته؛ سُبل الاتصال بكل طائفة من طوائف قومه وغير قومه، من المترددين على باريس، أو على الشواطئ الفرنسية، أو ممَّن رآهم في رحلاته العارضة إلى البلاد الخارجية.
- وهذه الحياة القصيرة -حسب رأى العقاد- تُعدُّ الذخيرة الوافية التي يحملها «موباسان»، فهي مَن يستمد منها وعيه المتيقظ المستوعب كل ما حشده في قصصه من الشخوص الحية التي يظهر بينها الفلَّاح، والصيَّاد، والسائس، والموظف، والرئيس، والنائب، والوزير، والقائد، والجندي، كما يظهر بينها مئات الشخوص من الرجال والنساء على اختلاف الأمزجة والأخلاق والمنازل الاجتماعية، والأفكار العامة والخاصة، وتتألَّف منها جميعًا «دنيا» عامرة يحسها القارئ كما يحسها في الدنيا التي يضطر فيها الأحياء، وتتمثَّل فيها الطبيعة البشرية على صورة «الحقيقة المتواضعة»، فلا تزويق فيها ولا مبالغة، ولا رأي فيها للكاتب غير الرأي الذي يراه الإنسان فيمن يعاشرهم من صحبه وعشرائه، بغير حاجة إلى التحليل والتفصيل، بل هي البداهة التي نلتقي بها من الطبيعة والحياة؛ وحي الخبرة، والعادة، والحس المطبوع. ومجمل تعويل العقاد يقوم على صوت المبدع، وحفاوته بالقاص «موباسان» حفاوةً بالفن الذي ينقض رأيه السابق.
- ومن الملاحظ -أيضًا- أنَّ رأي العقاد لا يكاد يختلف كثيرًا فيما ذهب إليه حيال ما سمَّاه بـ»الوجهة الاجتماعية» التي يجدها فيما كتبه ديكنز في «أوليفر تويست»؛ إذ يرى أنَّ «ديكنز» كتبها في العصر الذي برزت فيه مشكلة الفقر، ومشكلة التطور في جميع أنحاء الحياة الإنجليزية، بل الأوروبية على جملتها، من اجتماعية أو سياسية أو فكرية، وعولجت هذه المشكلة باعتبارها حينًا مشكلة «الفائض» من نفايات السكان، وحينًا على اعتبارها مشكلة الحقوق الدستورية، وحينًا آخر على اعتبارها فرعًا من فروع قضية التطوير وتنازع البقاء، وحينًا غير هذا وذاك على اعتبارها مشكلة المال والعمل وتفسير التاريخ من الناحية الاقتصادية.
- مع ذلك؛ يرى أنَّ تطبيق هذه النظريات جميعًا يسفر عن سخافة كل فلسفة تهمل الحقائق الإنسانية، والعوامل النفسية، لتحصر مقادير الإنسان فردًا أو جماعةً في نظرية من نظريات الحساب والأرقام، أو نظريات الفروض والآراء، وهذه هي السخافة التي كاد ديكنز يسخر منها كلما سخر من الفلاسفة ودعاة الأخلاق والفضائل على الأوراق.
** **
- أ.د.ساري بن محمد الزهراني