في موعد تتجدد فيه صلة الإنسان بالكتاب، وتلتقي فيه الثقافات على أرض المعرفة، احتضنت الجزائر، من 28 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 2026، فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، بقصر المعارض بالصنوبر البحري، تحت شعار «الغد بين دفتي كتاب»، وتأتي هذه الطبعة محمّلة برهانات ثقافية ومعرفية تتجاوز حدود العرض والبيع والترويج للإصدارات، لتجعل من الكتاب فضاءً للحوار واستعادة الذاكرة واستشراف المستقبل، بمشاركة 1567 دار نشر تمثل 51 دولة، تتقدمها المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الدورة.
وليس اختيار المملكة العربية السعودية ضيف شرف مجرد إجراء تنظيمي ضمن تقاليد المعارض الدولية، ولا مناسبة عابرة للتعريف بإصداراتها الأدبية والفكرية، بل هو اختيار يحمل دلالات تاريخية وثقافية ووجدانية، تستمد عمقها من وشائج الأخوة التي جمعت البلدين، ومن ذاكرة مشتركة صنعتها مواقف التضامن والتآزر، فضلًا عن التقاطعات الحضارية واللغوية التي جعلت من الثقافة أحد أبرز جسور التواصل بين الشعبين؛ فالجزائر، وهي تستقبل الثقافة السعودية في هذا المحفل الدولي، لا تفتح أجنحتها أمام تجربة أدبية شقيقة فحسب، وإنما تستعيد أيضًا صفحات من تاريخ العلاقة بين البلدين، وتمنحها أفقًا جديدًا تتجاور فيه الذاكرة والإبداع، ويتكامل فيه الماضي مع أسئلة الحاضر والمستقبل.
وتكتسب هذه الاستضافة أهميتها كذلك من طبيعة البرنامج الثقافي الذي أُعدّ للمملكة، إذ لا يقتصر على تقديم صورة تعريفية عن المشهد الثقافي السعودي، وإنما يسعى إلى إبراز تنوعه وثرائه، والوقوف عند تجاربه الأدبية والفكرية، واستكشاف تحولات الكتابة والنشر والترجمة، وفتح مساحات للنقاش حول قضايا الأدب والهوية والمكان والذاكرة.
الثقافة السعودية.. منجز إبداعي وأسئلة متجددة
تتجلى خصوصية الحضور السعودي في البرنامج الثقافي الذي يجمع بين الأدب والفكر والتاريخ، ويستحضر ملامح التجربة الإبداعية في المملكة من خلال لقاءات وندوات وأمسيات شعرية، تتيح للقارئ الجزائري فرصة الاقتراب من أصوات أدبية وفكرية سعودية، والتعرف على تحولات الكتابة في سياقاتها الجمالية والاجتماعية والثقافية.
ففي محور العلاقات الثقافية، تبرز ندوة «العلاقات الثقافية السعودية الجزائرية» بوصفها مدخلًا لمساءلة آفاق الحوار الأدبي والتبادل المعرفي بين البلدين، والبحث في إمكانات تطوير التعاون الثقافي، وتوسيع مجالات التواصل بين المبدعين والباحثين والناشرين، فالعلاقة الثقافية لا تكتمل بمجرد الاحتفاء بالمنجز، وإنما تتأسس على استمرارية التفاعل، وتبادل الخبرات، وإتاحة الفرصة أمام النصوص الأدبية كي تعبر من فضاء إلى آخر، وتجد قراءها في بيئات ثقافية مختلفة.
وفي فضاء الشعر، يحضر الإبداع السعودي من خلال أمسيات شعرية، من بينها أمسية «على جناحي نورسة»، التي تستعيد مكانة الشعر في تشكيل الوجدان العربي، وتمنح الكلمة فرصة للإنصات إلى تجاربها المتعددة، بما تحمله من رؤى وصور وانشغالات إنسانية.، فالشعر، بوصفه أحد أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التعبير عن الذات والذاكرة، يظل لغة مشتركة تتجاوز اختلاف الأمكنة، وتمنح التجارب الإبداعية فرصة الالتقاء في أفق جمالي واحد.
أما في المجال الروائي، فيستوقفنا محور «الرواية السعودية والجزائرية: أسئلة المكان والتحول»، بما يفتحه من إمكانات للمقارنة بين تجربتين سرديتين تنتميان إلى فضاء ثقافي عربي مشترك، ولكنهما تحملان خصوصياتهما التاريخية والاجتماعية والجمالية، فالمكان في الرواية ليس مجرد خلفية تجري فوقها الأحداث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الوعي السردي، وذاكرة تتداخل فيها التحولات الاجتماعية مع مصائر الشخصيات وأسئلتها الوجودية.
ومن هنا تبرز أهمية هذا اللقاء في استكشاف كيفية تمثيل المكان وتحولاته في الروايتين السعودية والجزائرية، وما يتيحه الحوار بينهما من قراءات جديدة للمشهد الروائي العربي.
ويتسع الأفق السردي مع محور «الحكاية التي لا تشيخ في الأدب السعودي»، الذي يستدعي الحكاية باعتبارها شكلًا من أشكال حفظ الذاكرة الجمعية، ووسيلة لاستمرار الموروث في الوجدان الثقافي، فالحكاية لا تفقد قدرتها على الحياة بتقادم الزمن، لأنها قابلة لإعادة التشكل والتأويل، ولأنها تحمل في بنيتها ذاكرة الإنسان ومخاوفه وأحلامه وتصوراته للعالم.
كما يطرح البرنامج موضوع الشعر في تشكيل الهوية الوطنية، في تأكيد على الدور الذي اضطلعت به القصيدة في التعبير عن الانتماء، وصياغة الوعي الجماعي، واستحضار التحولات التي عرفها المجتمع.
ولا يغفل البرنامج التحولات التي تشهدها صناعة الكتاب، إذ يطرح لقاء «ما بين الكتاب والقارئ: تحولات النشر ورهاناته» أسئلة العلاقة بين المؤلف والمتلقي في ظل التحولات الرقمية وتغير عادات القراءة، وما أفرزته الوسائط الحديثة من إمكانات وتحديات أمام صناعة النشر، كما يحضر موضوع الترجمة من خلال الاهتمام بـ المرصد العربي للترجمة، بوصفه مشروعًا معرفيًا يرمي إلى توثيق حركة الترجمة وتعزيز حضور المعرفة العربية في فضاءات ثقافية ولغوية مختلفة.
وإذا كان الأدب يشكل جوهر هذا الحضور، فإن البرنامج يتجاوز حدود النصوص المكتوبة إلى استحضار المكونات الثقافية الأخرى، ومنها المطبخ باعتباره ذاكرة اجتماعية وفضاءً تتجسد فيه العادات والتقاليد وأنماط العيش، وهكذا تتسع صورة الثقافة السعودية لتشمل الأدب والفكر والتراث والممارسات اليومية، في رؤية تؤكد أن الثقافة ليست إنتاجًا معرفيًا معزولًا، وإنما هي منظومة متكاملة من القيم والرموز والتجارب الإنسانية.
حين تلتقي ذاكرة الثورة بذاكرة الوفاء: المملكة العربية السعودية وسند الجزائر التحرري
غير أن أبرز ما يمنح استضافة المملكة العربية السعودية في هذه الطبعة عمقًا تاريخيًا خاصًا، هو تزامنها مع إحياء الجزائر الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، وما رافق ذلك من برمجة ندوة تاريخية بعنوان «مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة الجزائرية»، ضمن البرنامج المشترك بين البلدين، وهنا تكتسب المناسبة دلالة تتجاوز حدود الاحتفاء الثقافي، لتتحول إلى استعادة لصفحة من صفحات التضامن العربي، واستحضار لمواقف تاريخية ظلت راسخة في الذاكرة الجزائرية، فالحديث عن الدعم السعودي للثورة الجزائرية هو حديث عن موقف عربي لم يقتصر على التعاطف الوجداني مع شعب يواجه الاستعمار، بل اتخذ أشكالًا متعددة، سياسية ومالية وإعلامية ودبلوماسية، وأسهم في التعريف بالقضية الجزائرية والدفاع عنها في المحافل الدولية، وقد أعادت الندوة فتح هذا الملف التاريخي من خلال مداخلات باحثين ومؤرخين تناولوا جذور المساندة السعودية وأبعادها المختلفة بالوقوف عند تعدد أوجه الدعم السعودي، مشيرين إلى أن جذوره تعود إلى سنة 1932، وأنه شمل الجانبين المالي والدبلوماسي، فقد حظيت الثورة الجزائرية بعد اندلاعها بمساندة دبلوماسية، من خلال إدراج القضية الجزائرية في مؤتمر باندونغ في يناير 1955، بعد شهرين فقط من اندلاع الثورة.
كما تم تسليط الضوء على الدور الإعلامي الذي اضطلعت به الصحافة والمجلات السعودية في متابعة مستجدات الثورة التحريرية، والتعريف بكفاح الشعب الجزائري، بالإشارة إلى مجلة «المنهل» التي فتحت صفحاتها أمام شخصيات جزائرية، من بينها البشير الإبراهيمي وأحمد رضا حوحو، للدفاع بالقلم عن القضية الجزائرية وتنوير الرأي العام العربي والعالمي بحقيقة ما كان يجري في الجزائر، وهي شهادة تكشف أن التضامن لم يكن محصورًا في الدعم السياسي والمادي، بل امتد إلى الكلمة والإعلام، حيث تحولت الصحافة إلى منبر لمساندة قضية التحرر الوطني وإيصال صوت الشعب الجزائري إلى العالم.
وتكمن أهمية هذه الندوة في أنها أعادت الاعتبار لذاكرة التضامن العربي، ووضعت العلاقة الجزائرية السعودية في سياقها التاريخي، بعيدًا عن القراءات التي تختزل العلاقات بين الدول في حدود اللحظة الراهنة.
إن الجمع بين الاحتفاء بالمنجز الثقافي السعودي واستعادة دوره في دعم الثورة الجزائرية يضفي على المشاركة بعدًا مركبًا؛ فهي مشاركة تتوجه إلى الحاضر بما يحمله من إبداع ومعرفة، وتعود إلى الماضي بما يحمله من مواقف وذكريات، وتستشرف المستقبل من خلال ما يمكن أن يؤسسه البلدان من شراكات ثقافية ومعرفية جديدة.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة «الغد بين دفتي كتاب» أكثر من مجرد شعار احتفالي؛ إنها تصور لعلاقة متجددة بين الذاكرة والمستقبل، وبين ما راكمته الأمم من تجارب وما تطمح إلى تحقيقه من إنجازات، فالكتاب لا يحفظ الماضي فحسب، وإنما يتيح إعادة قراءته، ولا يكتفي بتسجيل الحاضر، بل يفتح أمام الإنسان إمكانات تخيل المستقبل وصناعته.
من ضيافة الشرف إلى شراكة الذاكرة والإبداع
إن استضافة المملكة العربية السعودية في الطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب تمثل، في جوهرها، احتفاءً بعلاقة تتجاوز حدود المجاملة الثقافية إلى عمق التاريخ والوجدان؛ فبين الجزائر والمملكة ذاكرة من التضامن، وروابط من الأخوة، ومساحات واسعة من الالتقاء الثقافي والحضاري، وهي عناصر تمنح هذه المشاركة معناها الخاص وتجعلها فرصة لتجديد التواصل بين البلدين.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الاستضافة لا تكمن فقط في عدد الإصدارات أو تنوع الفعاليات أو حضور الأسماء الأدبية والفكرية، وإنما في قدرتها على تحويل اللقاء إلى مشروع ثقافي مستمر، يتيح للأدب السعودي أن يجد طريقه إلى القارئ الجزائري، وللأدب الجزائري أن يحظى بمساحات أوسع في المشهد الثقافي السعودي، بما يعزز التبادل ال معرفي، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الترجمة والنشر والبحث الأكاديمي والتعاون بين المؤسسات الثقافية؛ فالثقافة لا تقاس بما تعرضه الأجنحة من كتب فحسب، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي، وما تؤسسه من علاقات بين العقول والتجارب، والكتاب، وإن بدا في صورته المادية صفحات وحروفًا، فإنه في حقيقته ذاكرة شعب، وصوت حضارة، وشهادة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
وهكذا، تتعدد دلالات حضور المملكة العربية السعودية ضيف شرف في «سيلا 2026»؛ فمن جهة، هو احتفاء بمنجز أدبي وفكري وثقافي متجدد، ومن جهة أخرى، هو استعادة لذاكرة تاريخية تحتفظ بمواقف المملكة المساندة للثورة الجزائرية، ولا سيما أن هذه الاستضافة تتزامن مع إحياء ذكرى أول نوفمبر المجيدة، وبين الذاكرة والإبداع، وبين التاريخ والمستقبل، تتشكل صورة هذا اللقاء الثقافي الذي يؤكد أن ما يجمع الشعوب لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تصنعه أيضًا المواقف والكلمات والكتب.
** **
د. الريم حجوج - باحثة وأكاديمية جزائرية.