يملك معالي السيّد الأستاذ إياد أمين مدني قدرة لافتة على ترتيب أفكاره، والذهاب بها إلى جذورها، ثم العودة منها بأسئلة أوسع من تلك التي بدأ بها. وهذه الخصلة التي يعرفها من اقتربوا منه أو تابعوا تجربته، تظهر في كتابه «حكاية سعودية» بوصفها طريقة في التفكير والكتابة والنظر إلى العالم. فهو يتقدم إلى موضوعاته بعقل اعتاد المراجعة، وبثقافة واسعة تمنحه القدرة على الانتقال بين التاريخ والفلسفة والسياسة والاجتماع، وعلى إقامة الصلات بين أحداث تبدو متباعدة، لكنها تنتمي في جوهرها إلى أسئلة الإنسان والحرية والتقدم.
والكتاب، الذي يحمل عنواناً فرعياً هو «قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، يفتح أمام قارئه تجربة فكرية تستحق التأمل، خصوصاً أن صاحبها ينتمي إلى جيل سعودي عايش تحولات عميقة في المجتمع والدولة والعالم. ومن هنا تكتسب هذه الصفحات أهميتها، فهي تكشف جانباً من التكوين الثقافي لرجل عرف العمل العام، واحتفظ باهتمامه بالقراءة وبالأسئلة التي تتجاوز مسؤوليات الوظيفة وحدود المنصب.
اختار إياد مدني أن يبدأ من الوعي، وهي بداية تنسجم مع طبيعة المشروع كله. ففي فصل «فجر الوعي» يعود إلى المدينة المنورة، وإلى البيئة التي تشكلت فيها اهتماماته الأولى، ثم يستعيد أثر القراءة والتعليم والصحافة والاحتكاك بثقافات أخرى. وتظهر المدينة في هذه الصفحات فضاءً اجتماعياً وثقافياً متنوعاً، يحمل ذاكرة المكان وعلاقاته الإنسانية، ويتيح للناشئ أن يكتشف العالم من خلال ما يسمعه ويقرأه ويشاهده.
ومن أجمل ما في هذه العودة أن صاحبها يتعامل مع الماضي باعتباره مادة للفهم. فهو يستحضر تجربته مع الصحافة، وما صاحبها من انفتاح على الأسئلة العامة، ويستعيد مرحلة كان فيها العالم العربي يعيش صراعاته الفكرية والسياسية، فيما كانت المملكة تمضي في بناء مؤسساتها وتوسيع حضورها. ويكشف هذا التداخل كيف تتشكل شخصية الإنسان من تفاصيل حياته اليومية، ومن الأفكار الكبرى التي تصل إليه عبر الكتب والصحف والنقاشات.
وتبرز في الكتاب تجربة مدني الصحافية، وما حملته من انشغال بحرية التعبير ومسؤولية الكلمة. وفي فصل «منصة صحفية» تتضح صلته المبكرة بالعمل الصحافي، وإدراكه أن الصحافة جزء من حركة المجتمع وتفاعلاته. وهو يتناول مسائل الرقابة والمشاركة والتعدد، ويعيد النظر في طبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة والمجتمع، ضمن سياق تاريخي كانت فيه هذه القضايا تتشكل وتتغير.
هذه الصفحات تمنح القارئ فرصة لفهم جانب مهم من شخصية إياد مدني. فالصحافة عنده مدرسة في ملاحظة الواقع، وفي اختبار الأفكار أمام الوقائع، وفي تعلم الإصغاء إلى الاختلاف. ولعل هذه الخبرة تفسر شيئاً من ميله إلى التفصيل والتحليل، وإلى البحث عن الخلفيات التي صنعت الحدث قبل إصدار الحكم عليه.
ثم يأخذنا الكتاب إلى مساحة فكرية أوسع، فيناقش النظام الدولي، والتحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وصعود الولايات المتحدة، ومآلات الحرب الباردة، والعلاقة بين القوة والمصلحة والقيم. وفي فصل «بزوغ نظام عالمي جديد» تتجلى رغبة المؤلف في فهم البنية التي تحكم العلاقات الدولية، وكيف تتشكل موازين النفوذ، وما الذي يحدث للأفكار الكبرى عندما تدخل مجال السياسة والمصالح.
ويلفت النظر أن مدني يقرأ هذه التحولات من خلال مراجع متعددة، ويتوقف عند أطروحات فكرية غربية أثرت في فهم العالم المعاصر. وهذه السعة في الاطلاع تمنح الكتاب طابعه الخاص، وإن كانت تقود أحياناً إلى استطالات نظرية تستدعي من القارئ تركيزاً وصبراً. وربما كان بعض هذه المناقشات أكثر تأثيراً لو اقتربت من التجربة السعودية التي يحملها العنوان، وربطت بين التحولات العالمية وما أحدثته في المجتمع المحلي.
وفي القسم الذي يتناول «منظومة مجتمعية مثلى»، يدخل المؤلف إلى أسئلة الإدارة العامة، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وحدود السلطة، والحرية، والمسؤولية. ويبدو واضحاً اهتمامه بالليبرالية بوصفها تجربة فكرية وتاريخية تستحق الدراسة والنقد، كما يتوقف عند المساواة والعدالة الاجتماعية، وعند التوتر الدائم بين الحقوق الفردية ومتطلبات التنظيم الاجتماعي.
والأهم هنا أن الكتاب يدفع القارئ إلى التفكير في طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، وفي قدرة المؤسسات على التوفيق بين المصالح المختلفة. فالعدالة والحرية والمشاركة تتحول في هذه المناقشات إلى قضايا تتصل بالتعليم والإدارة والاقتصاد والعلاقات اليومية بين الناس.
وعندما ينتقل مدني إلى «الجنوب العالمي في أثر الأصالة»، تتسع تجربته القرائية لتشمل نماذج من آسيا وأفريقيا، وحركات التحرر، وتجارب الاستعمار والاستقلال، ومسائل الهوية والثقافة. ويخصص مساحة للنظر في تجارب فكرية وأدبية من الهند وإندونيسيا وغيرها، مستحضراً أسماء ومؤلفات تكشف اهتمامه بالإنسان في مواجهته للقوة والهيمنة، وبالمجت معات التي تحاول استعادة صوتها وصياغة مستقبلها.
وفي هذا القسم تحديداً تظهر إحدى السمات المحببة في الكتاب، وهي الفضول المعرفي الذي يقود صاحبه إلى ثقافات وتجارب بعيدة عن محيطه المباشر. ويمنح هذا الفضول القراءة حيوية، لأنه يكشف عن عقل يواصل التعلم، ويجد في تجارب الآخرين ما يستحق الإنصات والتأمل.
ويخصص القسم الأخير لأسئلة العالم الإسلامي والعلاقة مع الغرب، وهي من أكثر قضايا الكتاب اتصالاً بالنقاشات العربية المعاصرة. ويتناول المؤلف إشكالات التجديد والإصلاح، وتداخل الدين بالسياسة، وصعوبة التوفيق بين الموروث ومتطلبات العصر، ثم يعود إلى التاريخ العربي الحديث، وإلى التحولات الفكرية والسياسية التي أثرت في المنطقة.
وفي فصل «معضلة العرب» تتجمع أسئلة كثيرة عن الإصلاح والهوية والعلاقات العربية والتدخلات الخارجية. ويقرأ مدني هذه القضايا من خلال تاريخ طويل من التجارب والخيبات ومحاولات النهوض، مستحضراً أثر الأفكار السياسية في تشكيل الوعي العربي، وما ترتب على الصراعات الإقليمية والدولية من تعقيدات.
ومن الطبيعي أن يختلف القارئ مع بعض استنتاجات المؤلف، أو يجد أن بعض القضايا تحتاج إلى موازنة أوسع بين وجهات النظر. غير أن قيمة الكتاب تتصل أيضاً باستعداده لفتح الملفات الشائكة، والدخول في نقاشات لا تنتهي بإجابات سهلة. ولعل هذا الجانب يستحق اهتماماً خاصاً، لأن الثقافة تتقدم بالمراجعة والاختلاف، وبقدرة أصحاب التجارب على طرح أفكارهم أمام القراء.
ومع اتساع موضوعات «حكاية سعودية»، يظل عنوانه مثيراً لسؤال مشروع عن مقدار حضور الحكاية السعودية في صفحاته. فالقارئ الذي يتوقع سيرة شخصية متتابعة، أو استعادة تفصيلية لمحطات المؤلف في العمل العام، سيجد كتاباً مختلف البناء، تتقدم فيه الأفكار على الوقائع الشخصية، وتظهر السيرة من خلال المواقف والقراءات والتجارب المتفرقة. وهذه سمة تمنح العمل خصوصيته، وإن كانت تترك رغبة في معرفة المزيد عن التجربة المباشرة لصاحبه، وعن الأشخاص والأحداث التي أسهمت في تشكيل رؤيته.
ولعل ما يجعل هذه الرغبة ملحة هو شخصية إياد مدني نفسها. فهو من الرجال الذين جمعت مسيرتهم بين الثقافة والإدارة والعمل العام، وبين الاهتمام بالتفاصيل والقدرة على النظر إلى الصورة الأوسع. وحين يكتب رجل بهذه التجربة، يصبح القارئ معنياً بما عرفه عن العالم، وبما تعلمه من الناس والمؤسسات، وبالتحولات التي طرأت على أفكاره عبر السنوات.
ومن هنا تبدو «حكاية سعودية» مدخلاً مهماً إلى عالم إياد مدني الفكري، وربما دعوة غير مباشرة إلى كتابة سيرة أخرى، أكثر اقتراباً من تفاصيل حياته وتجربته في المسؤولية. فخلف هذه القراءات رجل عاش زمناً سعودياً حافلاً بالتغيّر، وكان شاهداً ومشاركاً في بعض تحولاته، ومن حق الأجيال الجديدة أن تتعرف إلى شهادته بتفاصيلها الإنسانية والمهنية.
أخرج من الكتاب وأنا أكثر اقتناعاً بأن الأستاذ إياد مدني يملك ما يستحق أن يُروى، وأن تجربته أوسع من أن تستوعبها هذه الصفحات. وأحسب أن أجمل ما يمكن أن يقدمه صاحب التجربة إلى قارئه هو أن يترك له فرصة الاقتراب من عقله، ومتابعة أسئلته، ومعرفة الطريق الذي سلكه حتى وصل إلى أفكاره الراهنة.
ذلك أن قيمة الإنسان الثقافية تتجلى أيضاً في استمراره في التعلم، وفي قدرته على مراجعة ما عرفه، وفي احتفاظه بفضيلة السؤال مهما اتسعت خبرته وتقدمت سنواته. وهذه خصلة أجدها جديرة بالتقدير في معالي الأستاذ إياد أمين مدني، الذي يمنحنا في «حكاية سعودية» جانباً من تجربته الفكرية، ويتركنا ننتظر منه حكاية أخرى، يكون هو وتفاصيل رحلته في قلبها.
** **
- علي مكي
@ali_makki2